العنوان دور الدين في التربية (الجزء الثاني)
الكاتب الأستاذ محمد قطب
تاريخ النشر الثلاثاء 23-أغسطس-1977
مشاهدات 120
نشر في العدد 364
نشر في الصفحة 15
الثلاثاء 23-أغسطس-1977
إذا كنا جادين في إعطاء الدين دوره الحقيقي في مناهج التربية والتعليم فعلينا أن نصنع أمرين في وقت واحد:
الأول: ألا نحصر التوجيه الديني في درس الدين الرسمي.
والثاني: أن نعيد النظر في مناهج الدين ذاته، ونقيمها على أساس آخر غير ما هو قائم عليه في معظم البلاد الإسلامية.
إن المقصود بالتربية الدينية «الإسلامية» هو تخريج الإنسان المسلم، رجلًا كان أو امرأة. ولا يمكن تخريج هذا الإنسان المسلم ببضع معلومات عن الدين يحفظها عن ظهر قلب ليؤدي فيها الاختبار في آخر العام، إذا كانت تصوراته ومفاهيمه وأخلاقياته وأنماط سلوكه كلها مغايرة للإسلام أو معارضة له.
وإذا كنا لا نملك- في وقتنا الحاضر- كل أدوات التربية الإسلامية الواجبة، من تحكيم لشريعة الله، وتطبيق للإسلام في واقع حياتنا، والتزام البيت والشارع بآداب الإسلام وتعاليمه فلا أقل من أن يستغل ما بقي في أيدينا من مناهج التعليم، لمحاولة سد النقص الحادث في حياتنا ومجتمعاتنا، أو سد شيء منه على أقل تقدير.
ويكون ذلك بمراجعة مناهجنا وطرق تدريسنا، وإقامتها كلها على وجهة النظر الإسلامية الصحيحة. وعندئذ سيكون لدينا أكثر من منهج وأكثر من درس للتربية الإسلامية بالإضافة إلى درس الدين الرسمي.
إن التربية الإسلامية ينبغي في الحقيقة أن تكون قائمة من أول اليوم الدراسي إلى آخره، ومن أول سنة من التعليم الابتدائي إلى آخر سنة في الدراسة الجامعية.
وليس معنى ذلك أن نحول دروسنا جميعًا إلى محاضرات في الوعظ، فهذا أبعد شيء عن المعنى الذي نقصده، وأبعد شيء عن أحداث الفائدة الفطرية كذلك، فإن كثرة الوعظ تسئم الناس وتضجرهم. ورسول الله صلى الله عليه وسلم -وهو أحب شخصية إلى أتباعه في تاريخ البشرية كله- كان يتخول أصحابه بالموعظة بين الحين والحين مخافة الشاقة كما تروي كتب السيرة. فكيف بنا نحن البشر العاديين إذا قلبنا حياتنا كلها مواعظ.
إن الموعظة إن كان ولا بد- لا ينبغي أن تزيد على بضع دقائق من اليوم كله. وإنما تسهم بقية المناهج وبقية الدروس في تكوين الوجدان الديني المطلوب بطريقة أخرى غير طريقة الوعظ.
خذ مثلًا درس "الأحياء".
لو أننا فقط رفعنا من كتبنا كلمة «الطبيعة» ووضعنا بدلًا منها اللفظة الصحيحة وهي اسم الله الخالق جلت قدرته، فماذا تكون النتيجة؟.
تكون النتيجة إننا نعيش مع الله طيلة الدرس بوجدان متفتح لقدرته المعجزة في الخلق فأي درس في علم الأحياء لا يشد وجداننا إلى هذه القدرة المعجزة حين ندرسه بالطريقة «العلمية» الصحيحة، التي ترد عملية الخلق إلى الخالق الحق؟ أي شيء في الكائن الحي لا يثير الوجدان؟ من الذي ينبت الحبة من الأرض، ومن الذي يدفع الساق إلى أعلى في عكس حركة الجاذبية الأرضية؟ ومن الذي يزهر الزهرة ويخرج الثمرة ويعطي هذه وتلك ألوانها ورائحتها ونكهتها؟ أ إله مع الله؟
ومن الذي يعطي كل كائن حي -نباتًا أو حيوانًا أو إنسانًا- خصائصه الموروثة؟ وما قصة الجينات والكروموسومات وغيرهما من الدقائق التي تشتمل عليها البويضة التي تكون الكائن الحي بعد التلقيح؟ أ إله مع الله؟؟
ومن.. ومن.. ومن.. ألوف من الأسئلة وعشرات الألوف.. لا تنقضي عجائبها لا إجابة لها إلا إجابة واحدة: الله جل جلاله.
وخذ درس الفيزياء والكيمياء..
من الذي أعطى المادة خصائصها؟
من الذي جعل الأجسام تتمدد بالحرارة وتنكمش بالبرودة، ثم من الذي جعل الماء وحده يتمدد ويزيد حجمه عندما يتجمد؟ من الذي جعل السوائل كلها تكون مسطحة السطح، ثم جعل الزئبق - وحده يكون محدب السطح؟ ومن الذي جعل عنصرًا معينًا يتفاعل مع عنصر معين ولا يتفاعل مع العنصر الآخر؟ ومن الذي ركب الماء من عنصرين الأكسجين والهيدروجين، إحداهما قابل للاشتعال والآخر مساعد للاشتعال، ومركبهما هو الماء الذي يطفئ الاشتعال؟؟ أ إله مع الله؟؟
وخذ درس الجغرافية الطبيعية، التضاريس والمناخ.. الجبال والوديان والبحار والأنهار والسحاب والمطر والرياح... إلخ.
خذ هذا الدرس حين يدرس على حقيقته العلمية بعيدًا عن الغشاوة الجاهلية التي تمنع ذكر اسم الله في البحث العلمي حرصًا على نقاء البحث العلمي من أي عنصر خارق للطبيعة، بينما لا ترى في ذكر الطبيعة بوصفها الخالق المدبر إفسادًا للبحث العلمي؟ فما الطبيعة على وجه التحديد؟؟ ومن أين لها قدرتها الخلاقة؟
ثم هل نستغفل أنفسنا كما تريدنا الجاهلية الأوروبية المعاصرة- إذ نسميها "الطبيعة"
فننسى أنها- بوصفها هي الخالق- عنصر خارق للطبيعة، وخفي الكنه ومجهول؟ فضلًا عن تسمية الأشياء بغير مسمياتها الحقيقية التي تقتضيها الروح العلمية الصحيحة؟
وخذ درس الفلك...
كم فيه سبحات روحية في آيات الله المعجزة في هذا الكون. الكون بضخامته المعجزة ودقته المعجزة في آن واحد. الاتساع الذي تعجز الأفهام عن الوصول إلى أغواره كما تعجز أدق الآلات. والضخامة في نجومه وأفلاكه. ثم الدقة المعجزة في دورة الفلك التي لا تختل ﴿لَا ٱلشَّمۡسُ يَنۢبَغِي لَهَآ أَن تُدۡرِكَ ٱلۡقَمَرَ وَلَا ٱلَّيۡلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِۚ وَكُلّٞ فِي فَلَكٖ يَسۡبَحُونَ﴾ (يس: 40).
إن هذه كلها دروس تتيح لنا الفرصة تلقائيًا -وبغير تعمل مصطنع- لإحياء الوجدان الديني في قلوب الدارسين حين تدرس على نحوها الصحيح، فتستشعر القلوب عظمة الله فتحبه وتخشاه.
وهذا هو المنهج القرآني في عرض آيات الله في الخلق ﴿سَنُرِيهِمۡ ءَايَٰتِنَا فِي ٱلۡأٓفَاقِ وَفِيٓ أَنفُسِهِمۡ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمۡ أَنَّهُ ٱلۡحَقُّۗ أَوَ لَمۡ يَكۡفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدٌ﴾ (فصلت: 53).
والجاهلية الأوروبية المعاصرة تستنكف أن تصنع ذلك لأنها في عداء مجنون مع الله وانظر إلى جوليان هكسلي الذي أشرنا إليه من قبل، حين يتحدث عن بروميثيوس المعاصر، ويقول إن الإنسان اليوم قد تعلم وسيطر على البيئة فإن له أن يأخذ على عاتق نفسه ما كان يلقيه من قبل في عصر الجهل والعجز- على عاتق الله، ويصبح هو الله!
ونستغفر الله من هذه الضلالة. وكلنا نقول للمثقفين منا على الطريقة الغربية، الذين صاروا مثل أوروبا يستنكفون أن يذكروا اسم الله في البحث العلمي خشية على العقول من أن تفقد قانون السببية المنظم لحركة الكون وتصبح عقولًا غيبية نقول لهم إن التعليم الإسلامي لا يفقد الناس رؤية قانون السببية وارتباطاته الدقيقة، ولكنه يرده- بعد العلم به إلى منشئه الحقيقي وهو الله سبحانه وتعالى، فتزيد القلوب تعلقًا بالله كلما زادت علمًا بقدرة الله، وهذا مصداق قوله تعالى: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ وَٱلدَّوَآبِّ وَٱلۡأَنۡعَٰمِ مُخۡتَلِفٌ أَلۡوَٰنُهُۥ كَذَٰلِكَۗ إِنَّمَا يَخۡشَى ٱللَّهَ مِنۡ عِبَادِهِ ٱلۡعُلَمَٰٓؤُاْۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ (فاطر: 28).
فإذا فرغنا من هذه الدروس التي تتيح الفرصة تلقائيًا لتربية الوجدان الديني، فإننا ننتقل إلى نوع آخر من الدروس يقوم بدور آخر من أدوار التربية الإسلامية هو ضبط الفكر بالضوابط الإسلامية أي رؤية الأمور من زاوية النظر الإسلامية: مثل التاريخ، والجغرافيا البشرية، والتربية وعلم النفس، وعلم الاجتماع، وعلم الاقتصاد... إلخ.
إن درس التاريخ هو درس تربية في الحقيقة, وإنه كذلك سواء وعينا هذه الحقيقة أم لم ندرجها أصلًا ولم نقصد إليها.
إن المنهج الذي ندرس به التاريخ يترك انطباعاته في نفس الدارس ولا يمكن فصل درس التاريخ عن هذه الانطباعات. فإذا كانت الانطباعات سليمة فإنها تربي الرؤية الصحيحة للأمور، وإذا كانت الانطباعات فاسدة فلا مناص من تأثيرها السيء في النفوس.
وقد مرت بنا إشارة سريعة إلى المنهج الإسلامي في دراسة التاريخ.
وإنه لا مناص لنا ونحن ندرس التاريخ على أي منهج كان، من أن نرد -في أذهاننا- على سؤال محدد، هو الذي يعطينا المعايير التي نقيس بها الحوادث ونقيس بها الأشخاص ذلك السؤال المبدئي هو: ما غاية الوجود الإنساني في هذه الأرض وبغير الرد الواضح على هذا السؤال يصبح الأمر مجرد سرد للواقع وذكر للأقاصيص. وليس هذا هو التاريخ. إنما عمل المؤرخ الحقيقي هو تفسير الحوادث بعد تمحيص الروايات وتحقيق التواريخ فعلى أي أساس يفسر وبأي معيار يقيس.
ومنهج التاريخ الغربي، الذي نشأ في جو جاهلي لا ديني قائم على أساس أن غاية الوجود الإنساني هي عمارة هذه الأرض والاستمتاع بما فيها من الطيبات وعلى هذا الأساس تقوم الدول والأمم والأفراد والجماعات: القوة المادية- الغلبة العسكرية- بسط النفوذ والسلطان- تيسير الحياة والاستمتاع بلذاذها، ومن بين هذه اللذائذ بعض القيم المعنوية من فكر وفن وقيم أخلاقية وقيم اجتماعية وقيم إنسانية تحتل جانبًا من التاريخ ولا تحتل ساحته الأصلية.
أما منهج التاريخ الإسلامي، الذي ينشأ في ظل العقيدة الإسلامية فيقوم على أساس آخر مختلف كل الاختلاف وإن كان لا يهمل شيئًا مما تورده التواريخ الأخرى وتهتم به ذلك الأساس هو أن غاية الوجود الإنساني هي عبادة الله: ﴿وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِيَعۡبُدُونِ﴾ (الذاريات: 56).
﴿قُلۡ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحۡيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُۥۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرۡتُ وَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلۡمُسۡلِمِينَ﴾ (الأنعام: 162، 163).
وقد يخيل للمثقفين على الطريقة الغربية بادئ ذي بدء أن هذه وجهة نظر ضيقة ومحدودة ومحصورة ذلك أن مفهوم العبادة قد ظل يضيق عند الأجيال المتأخرة من المسلمين حتى أصبح محصورًا في شعائر التعبد فحسب. وليس كذلك مفهوم العبادة في الإسلام.
فهو يشمل ببساطة كل شيء في حياة الإنسان على الإطلاق، من اعتقاد وعمل وفكر وشعور وسلوك. وآية سورة الأنعام صريحة الدلالة على ذلك: ﴿قُلۡ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحۡيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾ (الأنعام: 162) فالحياة كلها- بل الموت ذاته- لله رب العالمين بلا شريك. وبذلك لا يخرج من مفهوم العبادة الإسلامية شيء من عمل الإنسان أو فكره أو شعوره، بشرط واحد هو التوجه إلى الله والالتزام فيه بأوامر الله.
ومن ثم لا يغفل منهج التاريخ الإسلامي شيئًا مما تحويه المناهج الأخرى على الإطلاق. بل يسجلها ويحصيها جميعًا. ولكنه فقط يقومها بمعيارها الرباني: هل أديت كلها في إطار العبادة لله غاية الوجود الإنساني -أم بعيدة عن هذا الإطار؟ وما عواقب ذلك في الدنيا- ﴿قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِكُمۡ سُنَنٞ فَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُكَذِّبِينَ﴾ (آل عمران: 137). وما عواقب ذلك في الآخرة كما أخبر بها الله.
ولن تختلف الوقائع بين منهج التاريخ الإسلامي ومناهج التاريخ الأخرى، ولن يهمل شيء من الواقع التاريخي. لن يهمل في ذكر الفراعنة كل ما شيدوه من تماثيل وأهرامات ومعابد ومدن ومشروعات عمرانية وحملات حربية وأدوات حضارية وعلوم وفنون. ولن يهمل في ذكر اليونان كل فلسفتهم وكل علومهم. ولن يهمل في ذكر الرومان كل ما شُيد من عمارة ونظم وتنظيمات..
ولكن سيقوم ذلك كله -بعد ذكره- بالمعيار الرباني: هل كانت حياتهم ومماتهم لله رب العالمين لا شريك له، أم كانت لشيء آخر لا يحقق الغاية الحقيقية للوجود الإنساني؟ وبعبارة أخرى هل كانوا أممًا مؤمنة أم كانوا أممًا جاهلية؟ وحين يتقرر أنهم كانوا أممًا جاهلية، فهذا هو التقويم النهائي لهم في ميزان التاريخ الصحيح.
وحين يتعود الطالب أن ينظر إلى الأشياء النظرة الإسلامية، سواء وهو يدرس التاريخ أو يدرس الاجتماع أو يدرس الاقتصاد أو يدرس التربية وعلم النفس أو يدرس الآداب والفنون. فسيكون تفكيره منضبطًا بالضوابط الإسلامية، ومصبوبًا في القالب الإسلامي بالإضافة إلى ما تنتجه الدروس الأولى التي أشرنا إليها آنفًا من تنمية الوجدان الديني الذي يجعل القلب البشري يعيش مع الله، يحبه ويخشاه:-
﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ (الإسراء :51)
وهذا أو ذاك من ألوان التربية البعيدة كل البعد عن الوعظ بمفهومه المتعارف عليه، إنما هي دراسة علمية بحتة، ولكنه العلم على المنهج الرباني الصحيح، الذي يقرب وجدان العبد إلى ربه كلما زاد علمًا بما يدور حوله من أشياء: ﴿فَتَعَٰلَى ٱللَّهُ ٱلۡمَلِكُ ٱلۡحَقُّۗ وَلَا تَعۡجَلۡ بِٱلۡقُرۡءَانِ مِن قَبۡلِ أَن يُقۡضَىٰٓ إِلَيۡكَ وَحۡيُهُۥۖ وَقُل رَّبِّ زِدۡنِي عِلۡمٗا﴾ (طه: 114). ولا يتسع المجال هنا لشرح وجهة النظر الإسلامية في العلوم الآنفة الذكر، وبخاصة الاجتماع والتربية وعلم النفس والأدب والفن كذلك، فذاك مجاله الأبحاث المطلوبة، ولكننا نقرر هنا تلك البديهية التي تتبعها كل النظم الموجودة في الأرض فالديمقراطيات الرأسمالية الغربية تقدم هذه العلوم كلها من وجهة نظر الديمقراطية الرأسمالية والدول الشيوعية والاشتراكية تقدمها هي ذاتها من وجهة النظر الشيوعية والاشتراكية، ومدارسنا الإسلامية وجامعاتنا هي وحدها التي لا تقدمها من وجهة النظر الإسلامية. بل يبدو ذلك خاطرًا غريبًا على بعض النفوس، وقد يرى فيه تعصبًا غير لائق بروح البحث العلمي. بل قد يصل بعضهم إلى درجة الجهل الكامل بحقيقة دينه وإسلامه فيتسأل: وهل هناك وجهة نظر إسلامية في مثل هذه العلوم؟. أليس العلم علمًا ولا علاقة له بالدين.
كلا.. إننا نستطيع أن نضع الكثير في ميدان التربية الإسلامية والتعليم الإسلامي حين نوجه مناهجنا وطرق تدريسنا هذه الوجهة، التي تنمي الوجدان الديني من جهة، وتضبط التفكير بوجهة النظر الإسلامية من جهة أخرى؟
ولئن كان الاستعمار الصليبي في كثير من بلادنا الإسلامية قد حجب وجهة النظر الإسلامية عن عمد عن مناهج التعليم، فقد آن لنا -في هذا المؤتمر خاصة- أن نعود إلى أنفسنا ونعرف ذاتيتنا.
فإذا قمنا بذلك، ودرسنا مناهجنا على هذه الصورة التي أشرنا إليها، فقد بقى بعد ذلك درس الدين الرسمي. إنه لا بأس -حين تقوم الدروس الأخرى مجتمعة- بدورها في التربية الإسلامية، أن يكون هناك درس مخصص للدين تدرس فيه المعلومات المتصلة به مباشرة، والتي ينبغي لكل مسلم أن يلم بها، من عقيدة وفقه وقرآن وسنة وحديث، مما لا مجال له في الدروس الأخرى لأنه تخصص قائم بذاته - وإن كان هذا لا يمنع من الاستشهاد بالقرآن والحديث حينما وجد مجال في أي درس من الدروس العلمية أو النظرية السالفة الذكر.
نعم لا بد من درس مخصص للدين يعطي تلك المعلومات الضرورية عن العبادات والمعاملات والأحكام، ولكن لماذا نصر على أن نجعله جافًا ميتًا بعيدًا عن بشاشة هذا الدين وإشراق روحه.
وإذا كنا نقول إن درس الأحياء والفيزياء والكيمياء والفلك وغيرها ينبغي أن تستغل لتنمية الوجدان الديني، أفليس درس الدين المتخصص هو أولى الدروس بتنمية هذا الوجدان؟.
لماذا نحيل درس الدين نصوصًا جامدة، وقضايا ذهنية لا تخدم العقيدة في شيء ولا تقرب القلب شبرًا واحدًا من الله؟
لماذا لا نتبع منهج القرآن، القرآن هو كتاب هذا الدين، الذي نزل ليعلم الناس عقيدتهم وشريعتهم، وعباداتهم ومعاملاتهم؟
إن القرآن يحرك الوجدان الديني في جميع القضايا التي يتناولها على الإطلاق سواء كان الموضوع هو الألوهية. أو هو اليوم الآخر. أو هو قصص الأنبياء أو هو الأخلاق أو هو الأحكام الشرعية. أو هو الجهاد في سبيل الله.. إلخ.
وما من آية واحدة من آيات التشريع لا تذكر بالله ليتطلع إليه القلب البشري ويخشاه.
فلماذا لا نكون قرآنيين في منهجنا في درس الدين؟
إن العصور التي مرت على المسلمين في فترة من فترات حياتهم فحولت الدين عندهم إلى قضايا فلسفية وكلامية، ليست هي أزهى عصور الإسلام، وإنما كانت تلك عدوى أجنبية دخيلة على صفاء الفكر الإسلامي واستقامته وبساطته ووضوحه، وحيويته الفياضة إلى جانب ذلك، ولا نخسر شيئًا حقيقيًا إذا تجاوزنا تلك العصور وعدنا إلى مصادر الإسلام الصافية مباشرة وإلى نماذجه الواقعية الصحيحة. إلى الكتاب والسنة والسيرة النبوية، وحياة الصحابة والتابعين، وعدنا بصفة خاصة إلى منهج القرآن الحي في عرض جميع القضايا التي يشملها هذا الدين. وليس هنا كذلك مجال التفصيل في هذا الشأن.
فإنما هذا البحث ليعطي إشارات -مجرد إشارات- تدل على الطريق. والله الموفق إلى سواء السبيل.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل