العنوان دور الأتراك العثمانيين في القضية الفلسطينية
الكاتب زياد أبوغنيمة
تاريخ النشر الثلاثاء 16-مارس-1999
مشاهدات 65
نشر في العدد 1342
نشر في الصفحة 44
الثلاثاء 16-مارس-1999
السلطان عبد الحميد أحبط أول محاولة يهودية للاستيطان في فلسطين عام (1892م)
- لو عرف العرب دور الأتراك في مواجهة الأطماع اليهودية في فلسطين.. ما سمحوا لأنفسهم أن يساهموا في هدم دولة الخلافة العثمانية!
- افتدوا فلسطين بدولتهم.. ونحن افتدينا كياناتنا المصطنعة بفلسطين
- حموا فلسطين من الأطماع الصهيونية طيلة أربعة قرون (1516- 1918م) ونحن العرب ضيعناها ثلاث عقود (1918م-1948م).
- السلطان سليم سبق العرب في استشراف خطر اليهود على فلسطين فمنعهم من السكن فيها عام (1516م)!
بقلم: زياد أبو غنيمة (كاتب أردني)
لم يحظ دور الأتراك العثمانيين في القضية الفلسطينية بالاهتمام الذي يستحقه، لا من المؤرخين العرب والمسلمين ولا من المؤرخين الأجانب، وخاصة اليهود والمتأثرين باليهود، وإذا كنت لا ألوم اليهود والمتأثرين بهم من المؤرخين الغربيين الذين رأوا أن التعتيم الذي مارسوه على دور الأتراك العثمانيين في القضية الفلسطينية يخفي مواقف إيجابية للأتراك العثمانيين، تقربهم من العرب الذين سعى اليهود وأشياعهم لتنفيرهم من الأتراك، فإنني ألوم المؤرخين العرب والمسلمين الذين تقاعسوا عن الاهتمام بدور الأتراك العثمانيين في القضية الفلسطينية الذي كان مشرفًا، وكان يمكن أن يلعب دورًا في إحباط المخطط اليهودي الغربي لاستعداء العرب ضد الأتراك، وهو المخطط الذي نجح فعلًا في تسخير العرب ليكونوا معولًا فعالًا في هدم الخلافة العثمانية التي كان اليهود وأشياعهم يعتبرونها العقبة الكأداء أمام مخططاتهم لسلب فلسطين، وتحقيق حلم إقامة دولة لهم فوق أرضها.
ويمكن القول إن علاقة الأتراك العثمانيين بالقضية الفلسطينية بدأت مع دخول البلاد العربية تحت راية الدولة العثمانية في عهد السلطان سليم، وبالتحديد في عام 1516م، ويبدو لي أن السلطان سليم استشرف مبكرًا خطر الأطماع اليهودية في فلسطين، فأصدر أول قانون في تاريخ القضية الفلسطينية يحرم على اليهود السكن في فلسطين وفي سيناء، ولعل هذا القانون «الفرمان السلطاني» هو الشهادة للأتراك العثمانيين بأنهم كانوا ذوي بُعد نظر سياسي مبكر، سبقوا به العرب في استكشاف خطر الأطماع اليهودية على فلسطين.
ولقد شكل فرمان السلطان سليم بمنع اليهود من السكن في فلسطين وسيناء لطمة قاسية لأحلامهم في إقامة دولة في فلسطين، فاستنفروا كل إمكاناتهم، وسخروا كل ما تختزنه الجبلة اليهودية من خبث ومراوغة ومكر ودهاء لإلغاء هذا الفرمان، وسنحت أول فرصة لليهود لمحاولة إلغائه عندما تعرض يهود إسبانيا لاضطهاد نصاراها، وأغلقت دول أوروبا النصرانية حدودها في وجه اليهود، فلم يجدوا ملجأ يقبل بهم غير الدولة العثمانية بما كانت تتميز به من تسامح ديني، فقد سمح السلطان سليمان القانوني نجل السلطان سليم ليهود إسبانيا باللجوء إلى أراضي الدولة العثمانية باستثناء فلسطين وسيناء، تنفيذًا للقانون «الفرمان» الذي أصدره والده، وعبثًا حاول اليهود إقناع السلطان القانوني بالسماح لهم بالوصول إلى فلسطين، بل لقد عمد إلى تعزيز الإجراءات لمنع تسرب اليهود إلى فلسطين أو سيناء.
وأعاد اليهود محاولتهم لإقناع الدولة العثمانية بإلغاء قانون السلطان سليم الذي منعهم من السكن في فلسطين وسيناء، فأوعزوا إلى السياسي البريطاني اليهودي إيرلي شافستري أن يقنع وزير خارجية بريطانيا بالمرستون بتقديم طلب رسمي باسم الحكومة البريطانية إلى السلطان عبد المجيد «1839-1861م» لإلغاء قانون منع هجرة اليهود إلى فلسطين وسيناء، وأذعن بالمرستون للضغط اليهودي وفعل ما طلبوه، ولكن السلطان عبد المجيد وهو والد السلطان عبد الحميد رفض استقبال المندوب البريطاني الخاص الذي حمل الطلب البريطاني إلى إسطنبول.
ولقد شهد عهد السلطان عبد الحميد المرحلة الأهم والأخطر في الصراع الذي خاضته الدولة العثمانية في مواجهة الأطماع اليهودية في فلسطين، وسأتوقف في هذه المقالة المحدودة المساحة عند بعض محطات الصراع الذي خاضته الدولة العثمانية بزعامة السلطان عبد الحميد مع اليهود ومع حركتهم الصهيونية، وأذرع أخطبوطها المنتشرة في مراكز القرار في معظم دول العالم في تلك الحقبة وخاصة في أمريكا وبريطانيا:
- في عام 1881م قاد السفيران الأمريكي والبريطاني في إسطنبول حملة ضاغطة، شارك فيها العديد من سفراء وقناصل دول غربية لإقناع السلطان عبد الحميد بالسماح ليهود روسيا الهاربين من بطش قيصر روسيا إسكندر الثاني بعد ثبوت تآمرهم على عرشه بالهجرة إلى فلسطين، فكان جواب السلطان عبد الحميد لمجموعة السفراء التي قابلته لتقديم المذكرة حازمًا حاسمًا: «إنني لن أسمح لليهود بالاستقرار في فلسطين ما دامت الدولة العثمانية قائمة».
- وأعاد اليهود محاولتهم في عام 1882م بمذكرة بعثت بها جمعية «أحباء صهيون» إلى السلطان عبد الحميد عبر سفيره في أوديسا، فكان جواب السلطان بنفس الحزم الذي واجه به محالات سابقة: «تحيط الحكومة العثمانية جميع اليهود الراغبين في الهجرة إلى الأراضي العثمانية علمًا بأنه لا يُسمح لهم بالاستقرار في فلسطين».
- ويسطر ملف القضية الفلسطينية للسلطان عبد الحميد أنه كان أول حاكم مسلم تصدى بشكل عملي لإحباط أول محاولة يهودية لإقامة مستوطنة يهودية على مشارف فلسطين، ففي عام 1892م تمكن اليهودي الألماني فريدمان من الوصول على رأس جماعة من يهود ألمانيا إلى منطقة «المويلح والوجه والضبا» على الساحل الشرقي لخليج العقبة بمواجهة شرم الشيخ، وأقام فيها مستوطنة شبه عسكرية، فأصدر السلطان عبد الحميد أوامره إلى الحكومة المصرية لطرده وتفكيك مستوطنته، ولما شعر السلطان أن الحكومة المصرية تتراخى في تنفيذ أوامره ربما تحت ضغط من سفير ألمانيا في القاهرة أعلن السلطان إلغاء التفويض الذي كانت الدولة العثمانية قد منحته للحكومة المصرية للإشراف على تلك المنطقة، واضطر الخديوي عباس حلمي إلى إصدار قرار في 16/2/1892م بإعادة السيطرة العثمانية على العقبة وما حولها، فسارع السلطان عبد الحميد بإرسال حملة عسكرية عثمانية طردت فريدمان وعصابته، وأعادتهم إلى ألمانيا بالسفينة نفسها التي قدموا بها.
- واحتدم الصراع الذي كان يجري في الخفاء أحيانًا وفي العلن أحيانًا بين الدولة العثمانية بزعامة عبد الحميد وبين الحركة الصهيونية بعد أن وصل تيودور هيرتزل إلى زعامة الحركة، فازدادت ضراوة المواجهة في هذه الفترة بين الأتراك العثمانيين وبين الصهيونية وحلفائها من الأمريكان والبريطانيين والأوروبيين وأذنابهم داخل الدولة العثمانية من الماسونيين.
- وسأمر مرورًا سريعًا على بعض محطات المواجهة بين الدولة العثمانية بزعامة السلطان عبد الحميد، وبين الحركة الصهيونية بزعامة إبليس الصهيونية وشيطانها الأخبث تيودور بنجامين زئيف هيرتزل:
- عندما واجه السلطان عبد الحميد ثورة الأرمن، سارع هيرتزل للتدخل لدى زعماء الأرمن لإيقاف ثورتهم، وحرص على إيصال أنباء اتصالاته بزعماء الأرمن إلى السلطان عبد الحميد عبر اليهودي النمساوي الجنسية البولوني الأصل فيليب مايكل نيولنسكي الذي كان على علاقة بالمخابرات التركية، وكان نيولنسكي ينقل إلى هيرتزل ارتياح السلطان عبد الحميد من دوره في إنهاء ثورة الأرمن، فخيل لهيرتزل أن السلطان سيتجاوب مع مطالب اليهود، فكلف نيولنسكي بتقديم عرض للسلطان باستعداد اليهود لدعم خزينة الدولة العثمانية بعشرين مليون ليرة تركية مقابل السماح بهجرة اليهود إلى فلسطين، وكانت خيبة أمل هيرتزل مريرة عندما أخبره نيولنسكي أن السلطان طرده من مجلسه عندما فاتحه بعرضه.
- وتكررت محاولات هيرتزل لإغراء السلطان عبد الحميد بدعم الدولة العثمانية بأموال اليهود، وتعدد وسطاء هيرتزل في عرض الرشاوي المالية على السلطان، وكان من هؤلاء اليهودي المتستر بالإسلام «دونمة» جاويد بك، وسفير السلطان في أثينا محمود نديم باشا، والصحفي اليهودي المتستر بالإسلام «دونمة» أحمد مدحت باشا، وسفير السلطان في برلين أحمد توفيق باشا.. وغيرهم.
- ويبدو أن فشل جميع محاولات هيرتزل لإغراء السلطان بفتح أبواب الهجرة إلى فلسطين أمام اليهود أصابته بخيبة أمل قاتمة، أفرغها في تقريره الذي ألقاه أمام المؤتمر الصهيوني الأول «29 من أغسطس 1897م»؛ حيث أكد أنه ما لم تتراجع الدولة العثمانية عن رفضها المتشدد لهجرة اليهود إلى فلسطين فإن تأسيس الدولة اليهودية في فلسطين سيكون في حكم المستحيل.
- وحمل فشل أسلوب الإغراءات بالرشاوي المالية هيرتزل إلى تغيير تكتيكه لحمل الدولة العثمانية على التراجع عن تشددها في منع هجرة اليهود إلى فلسطين، فعمد إلى تكتيك جديد ذي شقين: الشق الأول تمحور حول حشد الضغوط الدولية بزعامة أمريكا وبريطانيا والدول الأوروبية لإجبار الدولة العثمانية على قبول «ميثاق دولي» يتبنى فكرة إنشاء دولة يهودية في فلسطين، والشق الثاني تمحور حول تنشيط عمليات الهجرة السرية لليهود إلى فلسطين، وتمكينهم من استملاك الأراضي بطرق غير قانونية تحت غطاء من الدعم الخفي من قناصل أمريكا وبريطانيا والدول الأوروبية في بيروت، والقدس، وحيفا.
وقد تصدى السلطان عبد الحميد لتكتيك هيرتزل الجديد بمزيد من التشدد فأصدر في يونيو من عام 1898م قانونًا نص على ما يلي: «لا يسمح لليهودي الأجنبي من أي تابعية (جنسية) غير التابعية العثمانية بزيارة فلسطين إلا بقصد الزيارة الدينية فقط؛ شريطة ألا تتعدى إقامته في فلسطين ثلاثين يومًا، وكل من لا يغادر بعد انقضاء المدة يطرد طردًا بالقوة».
ولم يهتم السلطان باحتجاجات سفراء وقناصل أمريكا وبريطانيا والدول الأوروبية في الدولة العثمانية ضد هذا القانون، بل لقد أمعن في تحديهم وتحدي دولهم، فعمد إلى منع القنصل البريطاني في أنطاكيا وكان يهوديًّا من دخول فلسطين بسبب محاولته مخالفة هذا القانون، كما قام قائم مقام حيفا العثماني بطرد تسعة يهود بريطانيين من فلسطين بسبب مخالفتهم للقانون الجديد، وعندما قدم القنصل البريطاني في القدس مذكرة احتجاج للدولة العثمانية، جاءه الرد في بضع كلمات يقول: «إن موظفي الدولة العثمانية قاموا بواجبهم في تنفيذ القوانين المرعية».
- وعندما زار الإمبراطور الألماني غليوم قيصر إسطنبول بدعوة من السلطان عبد الحميد لعب السفير الأمريكي في إسطنبول «ستراوس» دورًا في إقناع غليوم قيصر بالسماح لهيرتزل بلقائه، واستطاع هيرتزل في هذا اللقاء وبدعم من السفير الأمريكي ستراوس إقناع غليوم قيصر بالتوسط لدى صديقه السلطان للرجوع عن تشدده إزاء هجرة اليهود إلى فلسطين، ولكن خيبة أمل هيرتزل كانت كبيرة جدًّا عندما أعلمه رسول من الإمبراطور الألماني أنه اضطر إلى تغيير مجرى الحديث مع السلطان عندما لاحظ الشرر يتطاير من عينيه عندما رجاه بأن يفتح باب الهجرة لفلسطين أمام اليهود.
- وعندما أدرك هيرتزل أن تكتيكه الجديد فشل كما فشل تكتيكه السابق في حمل الدولة العثمانية على فتح باب الهجرة إلى فلسطين أمام اليهود، عمد إلى تغيير تكتيكه من جديد وتمحور هذا التكتيك حول محاولة الالتقاء مباشرةً بالسلطان عسى أن ينجح هيرتزل بخبثه ومكره في إقناع السلطان بالمطالب اليهودية، وقد مهد هيرتزل لتكتيكه الجديد بإرسال برقية إلى السلطان بمناسبة افتتاح المؤتمر الصهيوني الثالث في بال «15 أغسطس 1899م» تقطر نفاقًا وتذللًا جاء فيها: «إن الصهيونيين المجتمعين في مؤتمر بال الثالث يعتبرون أن واجبهم هو أن يرفعوا إلى أعتاب عرشكم السامي تعهدهم بإخلاصهم وتقديرهم للطف جلالتكم نحو رعاياكم اليهود ورغبتهم المخلصة في الإسهام في عظمة الإمبراطورية العثمانية وازدهارها».
وقابل السلطان عبد الحميد هذا النفاق اليهودي بمزيد من التشدد فأصدر قانونًا في أواخر عام 1900م منع بموجبه بيع الأراضي لليهود في فلسطين، وسورية، ولبنان، وسيناء، ويسري هذا القانون حتى على اليهود الذين يحملون الجنسية العثمانية.
ولم ييأس هيرتزل فاستمر في محاولته لمقابلة السلطان حتى نجح صديقه المستشرق اليهودي المجري «أرمينيوس فابري» في إقناع السلطان عبد الحميد بمقابلة هيرتزل، ويقول هيرتزل في يومياته: إن فابري نصحه بألا يتحدث أمام السلطان بأمرين يثيران غضبه، موضوع الصهيونية، وموضوع هجرة اليهود إلى فلسطين.
وفي 18/5/1901م كان هيرتزل يقف بين يدي السلطان، ويصف هيرتزل في يومياته (18/5/1901م) مقابلته للسلطان فيعترف بأنه شعر بالرهبة والوجوم أمام عدم الاكتراث الذي أبداه السلطان تجاهه وتجاه مرافقيه حاخام اليهود في تركيا موشيه ليفي، وزعيم الماسونية في تركيا اليهودي عمانوئيل قارصوه.
ولم يعد خافيًا أن تلك المقابلة انتهت بطرد هيرتزل ومرافقيه من القصر السلطاني بمجرد أن تجرأ هيرتزل على فتح موضوع السماح لليهود بالهجرة إلى فلسطين أمام السلطان الذي كان يصرخ في وجه هيرتزل ومرافقيه وهو يأمر بطردهم مرددًا كلمات ينبغي أن تسجل لصالح العثمانيين الأتراك وللسلطان عبد الحميد بماء الذهب: «إن فلسطين التي حصلنا على كل شبر منها ببذل دماء أجدادنا لا يمكننا أن نفرط بشبر واحد منها دون أن نبذل دماءً أكثر من الدماء التي بذلناها في الحصول عليها».
وما كادح هيرتزل يعود إلى منزله في إسطنبول حتى نفث في يومياته «18/5/1901م» كل ما سببته المقابلة من خيبة أمل في نفسه قائلًا: «إن عبد الحميد اسم تتجمع فيه مجموعة من أحط الخبائث»، ثم عاد فأفرغ حقده على السلطان عبد الحميد وعلى الدولة العثمانية في التقرير السري الذي قدمه إلى زعامة الحركة الصهيونية؛ حيث قال فيه: «أقرر على ضوء محاولاتي مع السلطان عبد الحميد أنه لا يمكن الاستفادة من الدولة العثمانية إلا إذا تغيرت سياستها، إما عن طريق الزج بها في حروب تنهزم فيها، أو عن طريق الزج بها في مشكلات دولية، أو بالطريقين معًا في آن واحد».
ولقد كان من سوء حظ فلسطين، وشعب فلسطين، وقضية فلسطين، أن ينجح خلفاء هيرتزل في الحركة الصهيونية في تحقيق حلمه في تنحية خصمه اللدود السلطان عبد الحميد عن الحكم «1908م»، ثم في تحقيق حلمه وحلم الصهيونية في هدم الدولة العثمانية والإجهاز عليها، ومن المؤسف أننا نحن العرب قد ساعدنا الصهيونية العالمية - عن علم أو عن جهل - في تحقيق حلمها في القضاء على الدولة العثمانية المسلمة، التي انهارت بانهيارها آخر خطوط الدفاع المخلصة في مواجهة الأطماع الصهيونية في فلسطين، الأمر الذي حقق لليهود حلمهم في إقامة دولة لهم في فلسطين العربية المسلمة..!