; دورة الألعاب الأولمبية الشتوية ٢٠١٤م تجدد الحديث عن: الإبادة الجماعية الشركسية | مجلة المجتمع

العنوان دورة الألعاب الأولمبية الشتوية ٢٠١٤م تجدد الحديث عن: الإبادة الجماعية الشركسية

الكاتب خليل عبدالحميد حلاوة

تاريخ النشر السبت 01-فبراير-2014

مشاهدات 65

نشر في العدد 2068

نشر في الصفحة 44

السبت 01-فبراير-2014

شؤون إسلامية

«سوتشي» هي منتجع  جميل على البحر الأسود واسمها القديم باللغة الشركسية «ساتشا»، وقد تم اختيارها من قبل السلطات الروسية مقراً لدورة الالعاب الأولمبية الشتوية لسنة ٢٠١٤م، مما أثار غضب سكانها (الشركس)، فإقامة تلك الدورة في ذلك المكان يجدد عليهم مأساتهم التي وقعت قبل مائة وخمسين عاماً حين شنت السلطات في ذلك الوقت حملة إبادة وطرد جماعي لأهلها جميعا، منهية وجود أمة مسلمة بالكامل. كانت «سوتشي» في مقام العاصمة الشركسية للمنطقة، وقد اتخذت منها قبيلة «الوبيخ» مقرأ للمقاومة الشركسية ضد الحملة الوحشية عليها في القرن التاسع عشر (عام ١٨٦٤م). 

ومن هنا، فإن دورة الألعاب الشتوية ستعقد في الذكرى الـ ١٥٠ لحملة الإبادة الجماعية ستقام على جثث مئات الآلاف من الشهداء المدفونة تحت سطح الأرض... إن الذين يقومون بعمليات الحفر في المنطقة يفاجؤون برفات هؤلاء الشهداء عالقة في أسنة الجرافات، وصدق من وصف «سوتشي» بـ أرض الشهداء.

لقد تمت إبادة حوالي مليون ونصف مليون مسلم وتم طرد عدد مماثل تقريبا مات ما يقرب من نصفهم في طريق الشتات، فقد فتك بهم الجوع والمرض، وقد أكدت هذه الأرقام روايات عديدة من مختلف أنحاء العالم. 

وفيما يتعلق بمن نجوا فهم عدد قليل من الشركس يعيشون اليوم في منطقة القوقاز، حيث إن ٩٠٪ من شركس العالم الذي يقدر عددهم بحوالي ٦ ملايين يعيشون في الشتات في أنحاء العالم، وحوالي ۷۰۰ ألف منهم موزعون في ثلاث جمهوريات صغيرة وتحت الاستعمار الروسي. 

لقد جرى ما جرى لـ سوتشي جراء الأطماع الاستعمارية للإمبراطورية الروسية التوسعية في وطنهم الجبلي، لقد قاتل الشراكسة لأكثر من مائة عام بشجاعة وصمود ، حتى إن الروس قرروا إزالتهم عن طريق التصفية أو الترحيل، ويصف الشركس هذه العملية بأنها أول إبادة جماعية في العصر الحديث. 

لقد استسلم الشراكسة المقاومون للاحتلال الروسي يوم٢١/٥/١٨٦٤م ، بعد حرب عصابات تعتبر الأطول في التاريخ دفاعا عن أرضهم، وقد اعتبروا ذلك اليوم (٢١/٥/١٨٦٤م) يوم حداد تاريخيا. 

إن اللجنة الأولمبية العالمية لم تراع ذلك التاريخ المرير وذلك الحدث الجلل وقبلت عرض روسيا إقامة دورة الألعاب في سوتشي (أرض الشهداء)، وهي تسمية لتكريم الذين استشهدوا في سبيل الله، حيث يرقد ضحايا واحدة من أبشع مجازر التاريخ، وفي نفس المكان الذي دارت فيه آخر المعارك الطاحنة. 

والغريب أن الحكومة الروسية لا تعترف بأن ما جرى كان إبادة جماعية، كما يبدو أنها لا تدرك بأن الشركس قد عاشوا في سوتشي في يوم من الأيام فعندما ألقى الرئيس الروسي بوتين كلمته أمام اللجنة الأولمبية الدولية عام ٢٠٠٧م، لتثبيت طلب روسيا وصف سوتشي ، بأنها مكان سكنه قدماء الإغريق دون أن يذكر الشركس، علما بأن الشركس والشيشان والداغستان يعيشون في شمال القوقاز منذ آلاف السنين، وقبل وجود مدينة اسمها موسكو  إن «بوتين» يشعر بالفرح والنصر لاختيار روسيا لاستضافة ألعاب ٢٠١٤م، وفي مكان جميل ضمن سلسلة من جبال القوقاز على ضفاف البحر الأسود، حيث يمكن للفرد أن يسبح فيه صباحا، ويتزحلق على الثلج بعد الظهر، ولم يسلم الشركس والشيشان من الأذى حتى عند ذكر تلك الدورة، فخبراء الأمن الروس يقولون: إنه إذا كان هناك أي تهديد أمني لهذه الألعاب فسيكون من الشركس والشيشان إن الشركس كانوا مقاتلين وفرسانا مشهورين قبل قرون 

من الزمن، وقد دافعوا عن عقيدتهم وحريتهم ببسالة، ولقد اعتبرهم الغرب في ذلك الوقت عقبة تهدد الاستقرار العالمي لتصديهم للتوسع الروسي ومقاومته له لمدة خمس سنوات بعد استسلام الإمام شامل » المجاهد القوقازي الكبير . وكانت هزيمة الشراكسة مفجعة، حيث غادروا الوطن وأبحروا عبر البحر الأسود إلى تركيا بواسطة بواخر مكتظة ومتهالكة، ولم يكن هنالك من يقوم بإحصاء عدد الضحايا. إن الأرشيف البريطاني يروي حالة اللاجئين الشراكسة من المرضى والأموات الذين ملأت جثثهم الشوارع والساحات وأمام المحلات وتحت الأشجار، وذكر الأرشيف أن حوالي مائتين من الشراكسة كانوا يموتون يوميا عام ١٨٦٤م. 

ومع انتهاء الحرب الباردة وظهور الإنترنت بدأ الشراكسة يدونون تاريخهم، وفي عام ٢٠٠٥ م طالب الناشط الشركسي مراد بزجوف البرلمان الروسي بالاعتراف بالإبادة الجماعية لشعبه، ولم يحصل على شيء سوى التهديد والوعيد 

إن الشركس مازالوا يشعرون بالفخر والاعتزاز بهويتهم كمسلمين، وبالدور المركزي الذي قاموا به في تاريخ الإسلام ففي عصر المماليك في مصر أدوا دورا رئيسا في تطور الثقافة والهندسة المعمارية لجزء كبير في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وإن الشاعر المجاهد محمود سامي البارودي منحدر من هؤلاء الشراكسة. 

ولقد قام السلطان المملوكي الظاهر بيبرس بمحاربة المغول والصليبيين المتبقين في بلاد الشام. وكان انتصاره على المغول نقطة تحول في تاريخ العالم، وساهم في إرثه البطولي. 

إن الشراكسة وشعوب شمال القوقاز لا يمكن لهم أن يوقفوا هذه الألعاب، ولكن بإمكانهم أن يستغلوا هذه المناسبة لإعلام شعوب الأرض بقصتهم، ويمكن وضع الشراكسة وقضيتهم العادلة في أولى الصفحات.

الرابط المختصر :