; دوافع سرعة التطبيع بين الأردن والكيان الصهيوني | مجلة المجتمع

العنوان دوافع سرعة التطبيع بين الأردن والكيان الصهيوني

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 30-أغسطس-1994

مشاهدات 69

نشر في العدد 1114

نشر في الصفحة 30

الثلاثاء 30-أغسطس-1994

·       الاتفاق الأردني الصهيوني سابقة خطيرة لمحاولة كسر الحاجز النفسي بين المسلمين والصهاينة.

·       الأسباب التي سيقت لتبرير الاتفاق لن يتحقق منها شيء كما أعلن المفاوضون أنفسهم وشكك في حصولها الصهاينة.

·       الدين الخارجي الأردني المقدر بسبعة مليارات والذي وعدت أمريكا بإلغائه بعد الاتفاق تقلص إلى 220 مليونًا فقط.

فوجئت الأوساط السياسية والشعبية بالخطوات الأردنية - الإسرائيلية المتسارعة، نحو تطبيع العلاقات بين الطرفين، فعلى الرغم من أنه لم تمض أيام قليلة على توقيع "إعلان واشنطن"، إلا أن المسيرة التطبيعية مضت بشكل حثيث، جعل المراقبين يتساءلون عن السبب الحقيقي الذي حدا بالأردن نحو تطبيع علاقاته بهذا الشكل مع العدو "الصهيوني"، رغم أن أيًا من الأهداف التي وضعها "الأردن" في مفاوضاته لم يتحقق بعد.

وكما لو كان الأمر فيلمًا يعرض بشكل سريع، سارت أحداث التطبيع بها بلقاءات "مدريد" "وواشنطن" وتوقيع بنود جدول الأعمال "الأردني" - "الإسرائيلي"، ومرورًا بلقاءات كبار المسؤولين من كلا الطرفين، وتوقيع إعلان المبادئ بينهما في "واشنطن"، وانتهاء بأعمال اللجان المختلفة التي سرعان ما أسفرت اجتماعاتها عن قرارات جعلت البعض يفسرها على أنها قد صيغت مسبقا.

وقبل أن يستعيد "الأردن" أيًا من حقوقه التي كان يبرر من خلالها دخوله المفاوضات مضت مسيرة التطبيع، رغم عدم إحراز أي تقدم يذكر في المسائل الحساسة كالحدود والمياه، فما هي أبرز مظاهر هذا التطبيع؟ وما هو سبب الاندفاع الأردني نحوه؟ ثم ما هي انعكاسات هذه الحملة التطبيعية على المنطقة؟


تطبيع قبل التوقيع

لم تلق اتفاقات "السلام" التي وقعت سابقا بين "إسرائيل" والأطراف العربية الأخرى نصيبًا وافرًا من التطبيع، وبقيت عملية التطبيع محصورة في الجانب الرسمي، وظل الرفض الشعبي العربي والإسلامي ضد التطبيع قائما.

وقد جاء إعلان المبادئ "الأردني- الإسرائيلي" كسابقة خطيرة لمحاولة كسر الحاجز النفسي بين المسلمين "والصهاينة"، وليعلن كمرحلة أولى "إنهاء الحرب وإلى الأبد" في المنطقة، وقد تلا هذا الإعلان سلسلة من مظاهر التطبيع كان من أبرزها:

أ- افتتاح نقطة لعبور السياح بين الأردن وإسرائيل، وقد حضر حفل الافتتاح كبار المسؤولين من كلا الطرفين، وتبع افتتاح النقطة بدء تدفق السياح اليهود إلى الأردن. ب- افتتاح خطوط الاتصال الهاتفي المباشر بين الجانبين. ج- السماح لطائرات الملكية الأردنية والعال "الإسرائيلية"، بالمرور في أجواء "الأردن" "وإسرائيل". د- الاتفاق على ربط شبكتي الكهرباء بين البلدين في غضون الأشهر القادمة. هـ- الاستعداد للمباشرة في تطبيق الخطط الرامية إلى استغلال حوض نهر "الأردن"، ومن شأن تطبيق تلك الخطط أن تعود على الكيان "الصهيوني" بالكثير من المنافع الاقتصادية.

وثمة العديد من مظاهر التطبيع التي بوشر العمل بها، ومن المقرر أن يمتد التطبيع إلى العديد من الجوانب بشكل متسارع خلال الأسابيع والأشهر القليلة القادمة.


أسباب التسارع الأردني

لم يأل الإعلام الرسمي "الأردني" جهدا في تبرير التوجه الحكومي نحو التطبيع، ولئن كانت استعادة الأراضي الأردنية المحتلة (حوالي 390 كم2) هو "السبب الأساسي" الذي طرحته وسائل الإعلام لقبول "الأردن" بالسلام والتطبيع، إلا أن الإعلام عاد وأبرز جملة من الدوافع التي فسرها بعض المراقبين على أنها أسباب لاحقة وضعت لتقنع عموم المواطنين بتوجهات الحكومة.

ومن تلك الدوافع التي طرحت: "قضية المياه" والعجز الذي يعاني منه الأردن والبالغ حوالي (300) مليون متر مكعب سنويًا، كما يطرح المسؤولون الأردنيون "قضية الدين الخارجي" الذي يزيد على (7) مليارات دولار كقضية محورية، ويرون أن الوعود الأمريكية بتخفيف عبء تلك الديون يساعد الأردن في حل مشاكله الاقتصادية التي ما فتئت تلقي بظلالها على مستقبل أي تنمية فيه، ويمني المسؤولون الناس بمستقبل واعد في "الأردن"، وبتنمية ستطال كافة القطاعات الاقتصادية فيه، لكن المراقبين يعتقدون أن تلك الأسباب التي طرحتها الحكومة لا تبرر هذا الاندفاع نحو التطبيع، فمنذ أن بدأت المفاوضات وحتى اللحظة لم يحصل تقدم ملموس في تحقيق أهداف التفاوض، والإسرائيليون يشككون في إمكانية إحراز تقدم في مشكلة الحدود قبل نهاية عام على الأقل.

أما فيما يتعلق بالدين الخارجي والجانب الاقتصادي بشكل عام فالولايات المتحدة التي وعدت بإلغاء ديون الأردن كلها تراجعت فيما بعد وتحدثت عن نيتها بإلغاء مليار دولار، ثم تقلص المبلغ إلى 922 مليون دولار، ثم انخفض فيما بعد إلى 700 مليون ونيف، واقتصر في النهاية على مبلغ 220 مليون دولار، ويعتقد أن الحديث عن إلغاء الديون كان مجرد محاولة لإقناع الشارع الأردني بجدوى الخطوات الحالية.

ويتساءل المراقبون في هذا الإطار عن قدرة الاقتصاد الأردني على الصمود أمام الاقتصاد الصهيوني المدعوم من القوى الدولية وفي مقدمتها الولايات المتحدة، ويضربون على ذلك مثلًا بأن موازنة "إسرائيل" الدفاعية فقط لهذا العام 1994م بلغت أكثر من 7 مليارات دولار وهذا مساوٍ لقيمة الدين الخارجي للأردن بأسره.

وفيما يخص المياه فكل الذي حصل عليه الأردن اعتراف "إسرائيلي" بحقه في مياه اليرموك، إضافة إلى قيام "إسرائيل" بضخ 4 ملايين متر مكعب من الماء إلى المجرى المائي الأردني من نهر الأردن في وقت يصل فيه العجز المائي السنوي الأردني إلى حوالي 300 مليون متر مكعب، كما أسلفنا سابقًا.

ويعتقد البعض أن التطبيع الذي مضى فيه الأردن يمثل توجهًا خاطئًا سياسيًّا، فالأردن لم يحصل على شيء حتى الآن، وبالتالي فقد حرق الأردن أوراقه بقبول تطبيع العلاقات قبل الحصول على تنازلات من قبل "إسرائيل" إضافة إلى ذلك فإن التوجه التطبيعي يمثل مخالفة لتوجه الأمة المسلمة في النظرة إلى اليهود والتعامل معهم.


الشارع الأردني يترقب

ويبدو الشارع الأردني كما لو كانت أحداث "السلام" هذه تدور بمنأى عنه فاللامبالاة سمة لا يستطيع المتأمل إنكارها. ورغم أن وسائل الإعلام تلهج كلها بلسان الثناء على خطوات الحكومة، على كل ناقد لتحركاتها، ورغم أن المنظومة الرسمية بأسرها تحاول حشد التأييد للخطوات التطبيعية، إلا أن الشارع الأردني وبشكل عام يبدو غير مكترث للتحرك الحكومي برمته.

أما على مستوى النقابات والتجمعات الوطنية فقد أصدرت الكثير من بيانات أدانت فيها خطوات الحكومة التطبيعية، وتساءلت عن السبب الحقيقي الذي يجعل الحكومة تندفع بشكل غير مبرر في المسيرة التطبيعية، حتى قبل أن تحل أدنى المشاكل على جدول الأعمال بين الجانبين، وعمومًا يبدو الشارع الأردني هادئًا يترقب ما ستسفر عنه الأيام المقبلة.


التطبيع بداية تحقيق الأطماع الصهيونية في المنطقة

للمرة الأولى تقريبًا تؤيد كافة أطياف ألوان الطيف السياسي داخل الكيان الصهيوني أمرًا وتجمع عليه، وبدا واضحًا أن كافة الاتجاهات تؤيد إعلان واشنطن الموقع مع الأردن، أما في الكنيست فقد صوتت الغالبية العظمى من أعضائه لتأييد إعلان واشنطن بما في ذلك نواب الأحزاب اليمينية كحزب الليكود. ويعطي ذلك دليلاً على الفائدة التي يعول عليها الصهاينة من توقيع هذا الإعلان وما سيليه من اتفاقات.


انعكاسات الحملة التطبيعية على المنطقة

جاءت الخطوات التطبيعية لتدلل على حقيقة الفهم الصهيوني للسلام، فالتطبيع هو استراتيجية صهيونية لاختراق المنطقة وبسط الهيمنة عليها، وعندما سُئل وزير الخارجية الإسرائيلي شمعون بيريز عما إذا كانت فكرة إسرائيل الكبرى، ما زالت قائمة إلى الآن؟ قال: نعم، وفسر تلك السيطرة على أنها سيطرة اقتصادية وتكنولوجية تقنية.

وأول اختراق استطاع الصهاينة القيام به من خلال الخطوات التطبيعية مع الأردن كسر حاجز المقاطعة العربية الاقتصادية الذي وصفه وزير الخارجية الأمريكي بكونه بدأ ينهار تباعًا، وينص إعلان المبادئ الأردني - "الإسرائيلي" على قيام تجارة بين الجانبين، وغني عن القول بأن تلك المقاطعة كانت تكلف الكيان الصهيوني أكثر من 3 مليارات دولار كل عام، أما المحللون فإنهم يتخوفون من أن يتحول الأردن إلى بوابة لتصدير المنتجات الصهيونية إلى الأسواق العربية.

وعملت تلك الخطوات التطبيعية على تكريس مصداقية الكيان الصهيوني أمام الرأي العالمي، وأعطت المبرر الكافي لقيام الكيان الصهيوني بتطبيع علاقاته مع دول العالم التي اعترفت 55 دولة من دوله به. وقد أقامت معه علاقات دبلوماسية بعد مؤتمر مدريد على حد قول صحيفة هآرتس "الإسرائيلية"، وتنبأ المراقبون بزيادة عدد الدول التي ستعترف بالكيان الصهيوني بالمستقبل القريب.

وترتب على مسيرة التطبيع تلك نكسة جديدة مُني بها التنسيق العربي، فسوريا التي شعرت أنها أصبحت وحيدة يعتقد أنها ستعمل على تقديم مزيد من التنازلات إلى الطرف الصهيوني ولعل هذا مشابه للطرح الأردني قبيل توقيع إعلان المبادئ مع الصهاينة والذي رأى أن الأردن أصبح في حينها وحيدًا بعد توقيع المنظمة لاتفاق أوسلو، وهكذا يجيد الصهاينة لعبة ابتزاز الأطراف الأخرى بإشعارها بالعزلة سعيًّا إلى تقديمها مزيدًا من التنازلات وسيلجأ كل طرف عربي يشعر بالعزلة إلى تطبيع علاقاته مع الصهاينة سعيًا لحل مشاكله من خلال استرضائهم ولعل المستقبل ينبئ بزيادة نفوذ الصهاينة في المنطقة من خلال تكريس هيمنتهم السياسية والاقتصادية، وبالتالي الاعتراف بهم كقوة إقليمية لها شأنها، ولعل هذا هو مضمون الآية الكريمة: ﴿وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ (الإسراء: 4).

 

الرابط المختصر :