العنوان دوافع تبدل الموقف الإيراني من أفغانستان
الكاتب مصباح الإسلام فاروقي
تاريخ النشر السبت 01-ديسمبر-2001
مشاهدات 93
نشر في العدد 1479
نشر في الصفحة 30
السبت 01-ديسمبر-2001
تسعى إيران للحفاظ على نفوذها الديني في أفغانستان بتمكين حزب الوحدة من الاستيلاء على مناطق مهمة
يحيط بالموقف الإيراني من الأزمة الأفغانية الراهنة شيء من الغموض؛ لأن إيران تبحث -مثل غيرها من الدول المجاورة عن مصالحها، وتبدو المصالح والمنطلقات الإيرانية متعارضة يصعب التوفيق بينها وبين حقائق أرض الواقع المتعارضة، ولمعرفة الموقف الإيراني من القضية الأفغانية نتناول المحاور الرئيسة له لأن هذا يسهل فهم ذلك الموقف الغامض، وهذه المنطلقات هي:
لا تريد إيران الوجود الأمريكي في أفغانستان بحال من الأحوال، فإنها تعتبره خطرًا عليها في المستقبل خطرًا على أمنها وعلى حدودها الطويلة مع أفغانستان، ويصرح المسؤولون الإيرانيون -باستمرار -بتصريحات تدل على تخوفهم وعدم رغبتهم في الوجود الأمريكي في أفغانستان، ومن ذلك تصريحات نائب وزير الخارجية محسن أمين زاده في العاصمة الباكستانية إسلام آباد يوم ۲۱ نوفمبر حيث أكد أن: «لا داعي لوجود القوات الأجنبية على أرضهم»، ومن الممكن أن تستغل أمريكا الخلافات المذهبية بين الشيعة والسنة في إيران لإثارة القلاقل وخاصة عندما يتعرض أهل السنة الذين يقطنون في المناطق المتاخمة للحدود الأفغانية، للاضطهاد المذهبي، وتعتبر طهران الوجود الأمريكي في أفغانستان خطرًا على مصالحها الاقتصادية في آسيا الوسطي، وخاصة ذخائر النفط والغاز في بحر قزوين وتركمانستان.
وفي الوقت نفسه لم تكن إيران راغبة في وجود حكومة طالبان نظرًا للخلاف في الرؤى السياسية والمذهبية، وكانت تتهم طالبان أنها تعادي إيران والشيعة لتأثر طالبان بالمجموعات المذهبية الباكستانية التي تواجه الشيعة في باكستان منذ سنوات طويلة مثل جماعة سباه صحابه، وبعض العلماء الديوبنديين الآخرين. وزاد التوتر بعد قتل الدبلوماسيين الإيرانيين في مزار شريف عند استيلاء طالبان عليها يوم ٨ أغسطس عام ۱۹۹۸م، وكانت إيران تتهم طالبان أنها تؤوي المعارضة السنية الإيرانية علي أراضيها، وكانت تذكر في هذا السياق المولوي موسى ومجموعته الذي اغتيل مع أربعة من حراسه يوم 4/ 5/ 2001م في انفجار كبير في مدينة هرات المتاخمة للحدود الإيرانية، واتهمت طالبان وقتها الحكومة الإيرانية بتدبير الانفجار، وكان العالم السني الإيراني قد جاء إلى هرات قبل استيلاء طالبان عليها في سنة ١٩٩٦م. وهناك سلسلة طويلة من الاتهامات المتبادلة بين إيران وطالبان، ووصل التوتر بينهما في سبتمبر عام ۱۹۹۸م إلى مداه، وكاد يؤدي إلى حرب لولا تدخل الأمم المتحدة وجهود مبعوثها الخاص الأخضر الإبراهيمي.
ولا ترغب إيران كذلك في عودة الملك المخلوع محمد ظاهر شاه إلى حكم أفغانستان، لأنها تعتبر ذلك تشجيعًا لعودة حكم الشاه، لاسيما أن ابن رضا بهلوي يعتبر نفسه حتى اليوم الوريث الشرعي لعرش أبيه.
تريد إيران أن تحافظ على نفوذها الديني في أفغانستان عن طريق تهيئة الظروف لتوطيد قدم حزب الوحدة الشيعي بالاستيلاء علي مناطق مهمة داخل أفغانستان، وأن يلعب دورًا مهمًا وأساسيًّا في الحكومة الأفغانية القادمة.
وتريد إيران تشكيل حكومة صديقة في أفغانستان، تراها متمثلة في نظام برهان الدين رباني نظرًا للعلاقات العرقية التي تربطهما، وإن كانت العلاقات المذهبية ترجح العلاقات العرقية، كما أثبتت ذلك التجارب السابقة.
وكانت إيران توازن بين المصالح والمفاسد، فأرادت في البداية أن تشجع طالبان للوقوف في وجه أمريكا، ومن هنا دعا قائد الثورة الإيرانية على خامنئي وفدًا من طالبان لزيارة إيران، وبالفعل قام وفد رفيع المستوى بالزيارة بعد حوادث ١١ سبتمبر، كانت إيران تريد بذلك أن تدفع ضرر الوجود الأمريكي الأكبر في أفغانستان بضرر وجود حكومة طالبان الأخف من وجهة نظرها، إلى جانب ذلك حاولت إيران إيجاد محور عالمي يضم إلى جانبها روسيا والهند لتشجيع حل للقضية الأفغانية بصورة تحافظ على مصالح هذا المحور، بخلاف الحل الذي يقترحه محور أمريكا -تركيا –باكستان، وبدأ المحور الأول يشجع قوات رباني في التحالف الشمالي بينما كان المحور الثاني يقف وراء عبد الرشيد دوستم الشريك الآخر في التحالف الشمالي، وحاولت إيران مع ذلك أن تتوسط للمصالحة بين باكستان ورباني لتمنع المطالبة الباكستانية بإعلان كابول منطقة منزوعة السلاح تحت إشراف الأمم المتحدة لأن أمريكا ستتخذ ذلك ذريعة لإقامة قواعد لها في أفغانستان، وكانت زيارات نائب وزير الخارجية الإيرانية المتكررة تهدف إلى ذلك.
بدأت الحكومة الإيرانية تخطو خطوات عملية لتأييد حكومة رباني بإرسال المساعدات المالية واللوجستية إلى المناطق الخاضعة لقواته وقوات حزب الوحدة الشيعي، وأعادت فتح سفارتها في كابل وقنصلياتها في مختلف المدن الأفغانية مثل هرات ومزار شريف -لهذا السبب.