العنوان بلا حدود- دوافع أمريكا لفرض السلام في البوسنة
الكاتب أحمد منصور
تاريخ النشر الثلاثاء 19-سبتمبر-1995
مشاهدات 61
نشر في العدد 1167
نشر في الصفحة 27
الثلاثاء 19-سبتمبر-1995
بعد أربعين شهرًا من الشجب والاستنكار، والسياسة المتضاربة، والتصريحات المتعارضة للموقف الأمريكي تجاه ما يحدث للمسلمين في البوسنة والهرسك، غيرت الولايات المتحدة سياستها تجاه البوسنة في يوم وليلة، وأخذت زمام المبادرة حتى من الدول الأوروبية، التي طالما ادعت أنها المعنية وحدها بما يدور في البلقان، وأصبح الوسيط الأمريكي ريتشارد هولبروك ورفيقه أنتوني ليك- مستشار الرئيس للأمن القومي- يتحركان بين مدن وعواصم دول البلقان، دون حاجة لمرافقين فرنسيين وبريطانيين، بل وحتى المرافق الروسي الذي كان يظهر في مثل هذه التحركات- فقط لاستكمال عناصر الصورة- لم يكن له وجود هو الآخر.
وكانت سياسة الولايات المتحدة تقوم طوال أربعين شهرًا على تحميل أوروبا مسؤولية ما يحدث في البلقان، وأن الولايات المتحدة ليس لها مصالح هناك تدفعها للتدخل أو المغامرة، كما أن هذه منطقة نفوذ أوروبي، وعلى دول أوروبا التعامل معها بالشكل الذي يناسب مصالحها.
ولم يستطع النقد اللاذع للموقف الأمريكي المتخاذل- طوال أربعين شهرًا، من داخل الولايات المتحدة وخارجها- أن يغير شيئًا من اخلاقيات السياسة الأمريكية التي لا ترى للأخلاق- حسب رأي المراقبين- مكانة في تعاملها مع أحداث وقضايا العالم، وقد أدى التحرك الأمريكي الأخير إلى اعتقاد بعض السطحيين بأن تغييرًا طرأ على أخلاقيات السياسة الأمريكية، دفع القائمين عليها إلى القيام بتحركاتهم الأخيرة، وأخذ زمام المبادرة، لكن الحقيقة غير ذلك، فحقيقة الموقف الأمريكي مما يدور في البوسنة من أحداث عبر عنه الرئيس الأمريكي الأسبق نيكسون- وعادة ما يفيق الساسة الأمريكيون بعدما يكونون خارج دائرة صناعة القرار، وبعضهم يقول الحقيقة في لحظة عذاب الضمير - في كتابه الأخير «بعد السلام»:
«إنها الحقيقة البشعة التي لا يمكن لأحد إخفاؤها، فلو كان سكان سراييفو هم أغلبية مسيحية أو يهودية ما كان هناك أحد في الغرب ليسمح بمحاصرتها إلى الحد الذي يجعل القصف يطال الأماكن المكتظة فيها، كما حصل في مجزرة السوق ١٤ فبراير ١٩٩٤م، ففي تلك الحالة فإن الرد الغربي سيكون سريعًا وسيباركه الجميع»، ويواصل نيكسون اعترافاته قائلًا: «إن حصار سراييفو كان يمكن أن تتمخض عنه بعض المعطيات الإيجابية، لو تعلم الغرب منه شيئين اثنين:
أولًا: أن الشعوب المتحضرة لا يمكنها أن تكون محابية في شجبها للعدوان والمجازر.
ثانيًا: إن كون أمريكا تمثل القوة العظمي الباقية، فإن حدوث أية أزمة لا يمكن ان يكون بمنأى عن مصالحها... إن متطلبات القيادة تفرض عليها الآن الدفاع عن شعب البوسنة، وإن التقاعس سيجعل منها طرفًا متحيزًا، وسيساعد على تعميق صورة العداء لنا كوننا حماة لليهود والنصارى، ومتخاذلين وقساة عندما يكون المسلمون هم الضحايا».
هذه الرؤية التي تحدث عنها نيكسون تعرض حقيقة الموقف الأمريكي ليس طوال الأشهر الأربعين الماضية فحسب، وإنما حتى في دوافعه وتحركاته الآنية في البوسنة، فالضربات الجوية لم تشكل اية حماية للمسلمين من قبل، كما أنها لن تشكل لهم أية حماية في المستقبل، فهي حتى الآن محدودة الأثر، يؤكد ذلك إصرار الصرب على موقفهم الرافض لسحب أسلحتهم من حول سراييفو، كذلك تصريحات مسؤولي حلف الأطلسي وتأكيدهم بأن الضربات الجوية التي لا زالت توجه للصرب لا تعدو كونها ضربات تأديبية ليس لها أي تأثير على البنية التحتية للصرب؛ وبالتالي فإن التحرك الأمريكي نابع من استراتيجية الاحتواء والمصالح الخاصة للولايات المتحدة، وهذا هو الذي دفعها لأخذ زمام المبادرة والتدخل لفرض السلام في البلقان، ولعل أهم هذه الدوافع نوجزها في عدة نقاط:
أولًا: حرص إدارة كلينتون على تسجيل نقاط نجاح في السياسة الخارجية بعد الانتقادات الحادة التي تتعرض لها منذ وصوله إلى السلطة بسبب الأداء الرديء والمتخبط لإدارته، سواء في البلقان أو تجاه قضايا العالم الأخرى.
ثانيًا: مخاوف كلينتون من توريط الولايات المتحدة في إنزال قوات برية في البوسنة، سواء لإجلاء قوات الأمم المتحدة المحاصرة أو للمساعدة في الحفاظ على المناطق الآمنة بعد تهديد فرنسا وبريطانيا بسحب قواتهم من البوسنة، ومن ثم فإن الضربات الجوية تعتبر خطوة وقائية من هذه الورطة.
ثالثًا: سعي الولايات المتحدة لأخذ زمام المبادرة في البوسنة من أوروبا بعد ما مرغ الصرب أنف الغرب في التراب.
رابعًا: سعي الإدارة الأمريكية إلى امتصاص الغضب الداخلي في الولايات المتحدة بعد استخدام الرئيس كلينتون لحق الفيتو ضد قرار الكونجرس بتزويد مسلمي البوسنة بالسلاح، ومخاوفه من الدخول في مواجهة جديدة مع الجمهوريين في الكونجرس.
وإضافة إلى ذلك يبدو أن الولايات المتحدة قد تبلور لديها تصور لخريطة جديدة في البلقان، تقوم على دول ودويلات وكانتونات نظيفة عرقيًا، وهذا هو أخطر الدوافع، وقد بدأت خطة الولايات المتحدة الفعلية في البوسنة بإعطاء الضوء الأخضر لكرواتيا بتنظيف إقليم كرايينا من الصرب حتى من الصرب الذين يعيشون فيه منذ قرون، وقد تم ذلك خلال ثلاثة أيام فقط، طرد خلالها مائة وخمسون ألف صربي إلى داخل البوسنة، عندها تأكد وجود تواطؤ دولي في تسليم قوات الأمم المتحدة مدينتي سريبرينيتسا وجيبا البوسنيتين المسلمتين إلى الصرب قبلها بأيام، رغم أنهما كانتا تحت حماية الأمم المتحدة، ليكونا موطنًا للصرب الجدد الذين هجروا بعد ذلك من كرايينا.
غير أن الملفت في خطة الولايات المتحدة عدم وضوح معالمها بشكل كاف حتى الآن، سوى أنها تسعى لقيام دول وكنتونات نظيفة عرقيًا، وهذا أمر من المستحيل تحقيقه في منطقة متداخلة عرقيًا بشكل مكثف، ويحمل سكانها ثارات قديمة لبعضهم البعض عمرها قرون وليس سنوات، كما أن هذا الأمر سوف يؤدي إلى عواقب مستقبلية وخيمة لأوروبا كلها لا سيما في البلقان، فهناك توتر عرقي في كوسوفو حيث يتحكم ١٠٪ من الصرب في مصير 90% من السكان المسلمين، وهناك توتر عرقي في مقدونيا التي يصل عدد المسلمين الألبان فيها إلى ما يقارب ٤٠٪ من السكان، كذلك هناك توتر عرقي بين ألبانيا واليونان، وبالتالي فإذا قامت الولايات المتحدة بمباركة عمليات التطهير العرقي في يوغوسلافيا السابقة، فإن كابوس البوسنة سوف يتكرر في كوسوفو، ومقدونيا، وألبانيا واليونان، وسيكون الضحايا أيضًا هم المسلمون، ولا ندري وقتها ما الذي سوف تفعله الولايات المتحدة؟
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل