; دنيا الناس | مجلة المجتمع

العنوان دنيا الناس

الكاتب سمية رمضان

تاريخ النشر السبت 27-نوفمبر-2010

مشاهدات 61

نشر في العدد 1928

نشر في الصفحة 50

السبت 27-نوفمبر-2010

دنيانا مليئة بالمسرات والأتراح وسبحان من أضحك وأبكى، ونختلف كبشر في ردود أفعالنا على أفراحنا وابتلاءاتنا، ونتحد كمسلمين في بذل الشكر لله في كلتا الحالتين، بل إن بعضًا منا يتعايش مع الحدث ويطوعه في بلوغ هدفه الأسمى للحصول على طاعة المولى ورضاه

هذا ما استشعرناه ونحن نستمع إلى قصة فتاة كانت في ريعان شبابها تحلم كما تحلم قريناتها، وتتمنى كما يتمنين، وسارت الأيام رتيبة متواترة، تخرجت في الجامعة، وبدأت رفيقاتها الواحدة تلو الأخرى في الزواج، وهي تحضر أفراحهن وتتمنى من سويداء قلبها ارتداء الثوب الأبيض، الذي طالما بهرها جمال منظره.

وكلما حضرت عرسًا كانت ترسم في ورقة معها أجمل ما رأته في فستان العرس لتنفذه حينما يحين أوان ارتدائها إياه، ولكن ها هي وريقات الأيام تتساقط، فالشهور فالسنوات. 

وفستانها في مخيلتها لم يجد له في الواقع صدى ولا رأته عيناها، وكاد قلبها يتضاءل المًا وحزنًا، وهي تدعو مولاها أن يحقق لها رجاءها، وحين سمعت عن الصدقة التي تقدم بين يدي الدعاء بادرت بتنفيذ ذلك، واختارت أن تكون صدقتها ما تتمنى هي وترجو وبالفعل شرعت في تفصيل حقيقي لفستان خيالها، ورسمت بريشة مخيلتها ما أبدع فيه ورأت أخيرًا بمرأى مقلتيها فستان حلم حياتها، تناولت الفستان وأهدته بسخاء نفس لفتاة قد وهب الله لها زوجًا ولا تملك فستان العرس بل نزلت أختنا إلى السوق واشترت كل ما كانت تتمنى شراء لنفسها لو كانت هي العروس، وأهدت كل ذلك للفتاة، ونظرت إليها وهي تكاد تقفز من الفرح والسرور، وكانها هي الفرحة السارة. 

بعد ذلك شرعت في السؤال عن أي فتاة ستتزوج وإمكانياتها المادية ضعيفة، وبدلًا من أن تحقق حلم حياتها في فستان واحد تتضاءل فرحته بانتهاء العرس حققت حلمها في عشرات الفساتين، وأخذت تجهز العرائس من الإبرة إلى الطرحة، وأضفى الله على وجهها البسمة، وأبهج صدرها، وجعل وقتها بدلًا من أن يستهلك في ندب حظها بلا طائل تستغله في إدخال الفرحة على الأخريات، فيدخل سبحانه الفرحة على قلبها وكأنها بالفعل تقوم بالإعداد لزواجها هي مما جعل نفسيتها تستقر، وأصبحت تتعامل مع مشكلتها بشكل مختلف تمامًا بما يتلاءم مع إيمانها بالله وتفويض الأمر إليه.

مع الحوامل الفقيرات

وعندما شعرت بحنين إلى حمل طفل وضمه إلى صدرها، أسرعت تهتم بالحوامل الفقيرات لشراء كل ما يلزم وليدهن وكأنه وليدها هي. 

وكم كانت فرحتها عندما تحمل هذا المولود، وهو يرتدي ما أحضرت له فكانت تضمه بحب وحنان إلى صدرها وكأنه وليدها، لقد كانت فرحتها بما وفقها الله إليه تغمرها فيهرب همها وحزنها ولا يجد سبيلًا للسيطرة عليها، فكانت تشعر براحة وطمأنينة وثقة عظيمة في فضل الله وكرمه. 

وكلما أدخلت السعادة على قلب فتاة تسأله سبحانه أن يفرحها هي أيضًا كما جعلها سببًا لفرحة من أفرحت وصلت إلى عقدها الرابع وهي على العهد نفسه ماضية، بلا ملل ولا تذمر ولا كف عن الدعاء والاستعجال الإجابة الدعاء، وحين بلغت اثنين وأربعين عامًا رأيناها في يوم من الأيام منشغلة بترتيب جهاز عروس واختارت فستان الفرح بعناية فائقة، فهذا هو حلمها ولكنها في هذه المرة لم تهبه العروس أخرى فقد أراد سبحانه أن يهبها إياه وأن تكون العروس وبالفعل تزوجت رجلا تقول عنه: إنه من خيرة الرجال، إن أعدت له الطعام شكر، وإن ابتسمت له سعد، وإن قصرت رحم يصلي فروضه بالمسجد، ويناجيها ويبث لها أجمل عبارات الحب تجسيدًا لمودة ورحمة لم تشعر بهما إلا معه، وكلما ازدادت عشرتها معه ازداد حبها، وسبحان الله الذي قد سخر قلبه لحبها، ورزق كلا منهما حب الآخر وود والعطف عليه ..

وسبحان الله أعطت من حيث حرمت فأعطاها من خزائنه ما أبهج نفسها وأسعد روحها، فطوبي لها . 

في دنيانا أيضًا الكثير منا يرتب أموره بتصوره أن هذا الترتيب أفضل ما يتمنى، وإن حدث ما يتسبب في صياغة جديدة لترتيب مختلف فإنه يتكدر وينزعج، ولا يرى مظاهر رحمة الله في ترتيب حياته بما يتناسب مع مصلحته الحقيقية التي يعلمها الخالق ويعلم غيبها، ولعل قصتنا التالية تجسد هذا المعنى.

ضلت الطريق

هي طالبة جامعية كانت في فترة مرهقة من الامتحانات وقتها ضيق كسم الخياط يحتاج إلى ساعات أخرى مع ساعات وقتها لتنتهي من واجباتها الكثيرة جدًا، وبعد انتهاء أحد امتحاناتها استقلت سيارتها، وحرصت على أن تسلك أقصر الطرق للوصول إلى منزلها ولكنها ولا تعلم كيف حدث هذا، فقد ضلت الطريق وعندما فطنت لذلك كادت تختنق من الضيق، بل وصلت حدتها إلى عتاب نفسها ووصفها بالغباء، فهكذا سيضيع الكثير من الوقت وهي في أمس الحاجة إلى الثواني فيه قبل الدقائق، وما هي إلا دقائق معدودة، وهي ما زالت في شدة حنقها فإذا بوالدها يتصل بها على المحمول وصوته يحمل من الفزع ما يكفي لتهدئتها وحمدها وشكرها لله كثيرًا، فقد كان يطمئن عليها أنها ليست بالطريق الذي اعتادت السير فيه حيث إنه قد حدث به حادث مروع أدى إلى انقلاب عدة سيارات والكثير من الوفيات والطريق مغلق والسيارات مكدسة، سجدت على مقود السيارة برأسها شاكرة فضله، وحامدة كرمه حمدًا يدوم بدوامه ولا يقنى.

لماذا المكنسة بالذات؟

الحياة الدنيا مليئة بالمواقف التي لا تعلم مغزاها ولا الحكمة منها، ولكن من أسلم وجهه لله بيقين نجده يسلم كل أمور حياته إلى المولى، مما يحدث عنده نوعًا من الطمانينة يجلب معه الكثير من السكينة، حين يثق في أعانه أهل الخير على إيجاد سكن يكاد يحتويه، وبدؤوا في تجهيز بعض الضرورات لهذا الرجل، ويسألونه ماذا يريد من أدوات كهربائية، فقال باستحياء ثلاجة، وموقد غاز ومكواة، ومكنسة، استمعت له المحسنات، وكان تعليقهن في السيارة على طلب الرجل العجوز للمكنسة أن فيه الكثير من الرفاهية وهو الرجل المعدم المسكين، فكان عليه في نظرهن أن يطلب الضروريات فقط، وليس له أن يتعدى حجمه إلى الكماليات.

وقررن عدم شراء المكنسة والإكتفاء بما يحتاجه بإلحاح، وبدأن في شراء حاجيات الرجل، وكانت المفاجأة أنه عند شراء الثلاجة كان هناك عرض خاص بها، فمع كل ثلاثة مشتراة يحصل المشتري على مكنسة كهربائية هدية إنعقدت السنتين وهتفن سبحان الله ولماذا المكنسة بالذات؟ لقد أراد الله أن يعطيه ما طلب، وأردن من غير ذلك، هنا أخذن يفكرن في هذا العجوز الذي يسير بشق الأنفس، وقد إعتاد في حياته أن المكنسة من الضروريات وليست من الكماليات أخذن الحاجيات وكانت المكنسة أول ما تسلم الرجل العجوز والأخت المحسنة تخفي دموعها وهي ترى فرحته ويردد قلبها : سبحانك ربي فأنت الكريم، وأنت العليم، وأنت الرحيم.

في دنيانا أحيانًا نتصور أن العطاء منا وليس من الله، فتتدخل أحيانًا بالمنع قبل المنح فهذا رجل كبير السن قد تنكرت له دنياه وانقلب حاله من الغنى إلى الفقر، الذي أحاله إلى فئة المساكين ومن يستحقون الصدقات آمده

رجعت ربي إليك

وفي دنيانا تأتي أحيانًا المصيبة ظاهرها فيه العذاب مع أن باطنها فيه الرحمة، المهم من يربط بين الأحداث ويتغلغل إلى باطنها فتشمله الرحمة بدلًا من الدوران حول ظاهرها فيصطلي بعذابها ولا ينعم بالرحمة الكامنة فيها، فهذه فتاتنا آية من الجمال الباهر، فاستغل جمالها بعض التجار للعمل في محل لبيع العطور والمكياج، وكانت تتعرض لمضايقات كثيرة من الشباب وأيضًا الرجال، بل أن جمالها كانت تتوقف عليه أعين النساء ليجسدن بألسنتهم قول : سبحانه الخالق فيما خلق خطبت الفتاة لأجمل الشباب وأعدت كل شيء للعرس الملابس التي تظهر أكثر مما تخفى لإظهار فتنتها للجميع، فقد كان شغل الفتاة الشاغل هو جمالها وكأنها تملكه وتضمن بقاءه، وكأنها هي التي رسمت بريشتها هذا الفن الرائع من الحسن البديع فكان جل اهتمامها بدنياها، ولم تضع في بؤرة اهتماماتها خالق دنياها.

وفي ليلة عرسها وبسبب الإجهاد الشديد في الإعداد للعرس أصيبت بإغماء طال، مما اضطر أهلها إلى نقلها إلى أقرب مستشفى، وبعد الكشف عليها وعمل بعض الفحوصات كانت النتيجة مزلزلة للجميع سرطان، في آخر مراحله وقد تشعب كالأخطبوط وأمسك بكل أنحاء جسدها.

تناقص الزوار انهار الوالد وانهارت الوالدة وهرب عريسها، من أقرب باب، وبقيت وحيدة مع هذا الكابوس، وكان شيطانًا ماردًا قد أمسك بها ولا تستطيع له فكاكًا، وعندها فقط نطقت باسم خالقها، وبدأت مراحل العلاج الطويلة وكلما مر يوم تناقص زوارها إلى أن اختفى الجميع، ونظرت إلى وجهها بالمرأة كم اختلف ولكنها هي هي لم تختلف، كانت مأساتها أن الجميع تعامل مع الجسد، ولم تعط الروحها فرصة أن تثبت كيانها ونفسها، انفض الجميع عنها إلا شعورها العميق بقرب الله منها. 

وبدأت تتعرف عليه وأرادت أن تناجيه فتعلمت الصلاة وناجته كثيرًا، وشعرت بالأنس معه، والطمانينة والسكون النفسي في مناداته وأرادت أن يكلمها، ويرد على دعائها وتوسلاتها، فكان القرآن ربيع قلبها، وذهاب همها وجلاء حزنها، وفرحة قلبها، وقرة عينها، فهمت منه ما لم تكن تتخيل في يوم ما أن تفهمه أو تدركه أصبحت تحمد الله كثيرا على نعمة مرض السرطان الذي أوصلها إلى ربها، وتبكي كثيرًا وهي تقرأ قوله تعالى: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ ٱلۡعَذَابِ ٱلۡأَدۡنَىٰ دُونَ ٱلۡعَذَابِ ٱلۡأَكۡبَرِ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ ﴿٢١﴾﴾(السجده:21)

وتقول رجعت ربي إليك، نعم، بدأت تشعر أن السرطان، نعمة، لم يصبح هو الوحش الكاسر الذي انقض عليها، ولكنه جندي من جنود الله أراد أن يقودها إلى مولاه كما كانت تقول بدأت تسابق الزمن لتعويض ما فاتها من أيام، بل بدأت تدعو من تراه من المرضى إلى معرفة الخالق العظيم وتعلمهم كيفية طاعته والتمسك بأوامره للحصول على السعادة الحقيقية فيما تبقى لهم من عمر، صغرت دنياها في عينيها وساعة التوقيت في قلبها .. تزفها إلى آخرتها وهي راضية قريرة العين هادئة النفس وما زالت تدعو وتتوسل إلى مولاها أن يغفر لها، ويمد لها يد الحنان واللطف، وأن يغمرها بالشفاء التام، ونحن نضم صوتنا لصوتها أن يشفي سبحانه كل مريض، ويهدي كل عاص، ويلطف بنا فيما جرت به المقادير ...

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1711

70

السبت 22-يوليو-2006

المجتمع الأسري (1711)