العنوان دنيا العجائب أم دنيا الحقائق؟
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر السبت 16-ديسمبر-2006
مشاهدات 88
نشر في العدد 1731
نشر في الصفحة 35
السبت 16-ديسمبر-2006
عرف الإنسان بأنه «حيوان ناطق»، فإذا حرم النطق كان حيوانًا فقط بدون إنسانية، أو سائمة بدون تفكير، أو دابة بدون اختيار، مع أن الله خلقه ناطقًا مفكرًا مختارًا، وجهزه بما يؤهله لذلك، ولم يجبره حتى على الهدى والوحي واتباع الرسل، فجاء سماسرة الخسف وأرادوا أن يعبدوه لأهواء وجهالات وضلالات في مقابل نور العقل وأضواء الوحي البراقة فردوا بذلك نعمة الله التي منحها هذا الإنسان، وسلبوا منه تكريم الله له وجعلوه مسخًا مشوهًا، كما استتبع ذلك وأد النشاط الإنساني الذي لابد أن يقتل مع ضياع الإنسان وسلب التقدم والإنتاج وإهدار الإبداع الذي هو عماد نهضة الأمم وتفوقها في كل ميدان. هذا فضلًا عن تحكم الغباء واستشراء الفساد وسيادة التخلف.
وكان لابد أن يقاوم الإنسان هذا التجني وهذا التدمير لكيانه وإنسانيته، ويدفع العقل ليزاول نشاطه الذهني والفكري، وتتطلع الأمم إلى التقدم والريادة وتحاول أن تبتعد عن أشباح الظلام وجراثيم الفساد، فقاومت تارة بالثورة والقوة، وتارة أخرى بتنبيه العقول واستعمال الرموز، وضرب الأمثلة وإصدار النكات والتحدث بالتوريات، وسرد القصص، وكان لذلك أثر ولا شك في تنبيه الغافلين إلى الحالة التي وصلت إليها الأمم، وكان من أبرز من استعمل هذا اللون في العصر الحديث «محمد الأسمر» ننظر إليه في مقطوعة معبرة يصور فيها انقلاب الأوضاع في دنيا العجائب.
ضاق على الأسد يومًا غابه
وانقطعت من رزقه أسبابه
فقال للفهد أشر بما ترى
فقال الخير يا مولاي في ترك الشرى
فمشيا في الأرض حتى وجدا
غابا حوى من الوحوش عددا
وبصرا للقرد وهو يحكم
يومئ باللحظ ولا يكلم
منتفخ كالليث وهو قرد
منفرد بالحكم مستبد
فهو هناك حاكم بأمره
الغاب رهن خيره وشره
له بطانة بها الحمار
مدخرا للرأي مستشار
والكلب فيها السيد الجليل
والأسد فيها الخادم الذليل
والبغل فيها الشاعر المقدم
وقنفذ الحجر الكمي المعلم
والببغاوات لحفظ السر
والبوم للبشرى بكل خير
والضفدع الصداح والمغني
والذئب قائم بأمر الأمن
والجرذ القمام بالإصلاح
والقط طاهي اللحم في الأفراح
والدب للزمر وقرع الطبل
والفيل للألعاب فوق الحبل
رأى الأسد ما رأى فزار
وقال للفهد أحقًا ما نرى
فقال يا مولاي حقًا صدق
جميع ما يفعل هذا الخلق
فليس الذي نرى من الغرائب
فنحن في دنيا العجائب
ودنيا العجائب هذه، هل ستظل قاصرة على أمتنا، أم تتخلص هذه الأمة من غرائبها وعجائبها، وتتشوف إلى غد أفضل، ومستقبل أزهر؟ وذلك لن يكون بمعجزة وإنما بإفاقة وصحوة وعمل وجهد وفتح للبصر والبصيرة، واتباع المنهج سليم في جنبات عقيدة وارفة الظلال، مثمرة الجنبات، نتخلص بها مما تفعله الأعداء بنا من نهب لثرواتنا ونسيان لحقوقنا، وإذلال لنفوسنا، وضياع لشخصيتنا، ونحن الأعلون بنص القرآن الكريم وتعاليم الأديان الصحيحة وغير المحرفة، قال تعالي: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ (آل عمران: 139)، ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ۗ ﴾ (آل عمران: 110).
ولكن هل نحن اليوم على مستوى هذه التعاليم؟ هل نحن بحق نريد أن نرفع أنفسنا ونصل إلى مكانتنا؟ أم أننا نحب أن نظل أضحوكة الأمم نعيش دمى ونموت دمى، نفتت طاقاتنا، نهلك حيويتنا ونسير وراء أهواء وأغلاط وافتراءات نمقت الأطهار وندني الأشرار، ونضرب كل شريف، ونبعد كل مؤمن، ونقتل كل مبدع ونحارب كل إصلاح؟!
طعنوا جبابرة الكفاح والصقوا
عار الخؤون بجبهة الأبطال
ورموا بخنجر كيدهم من قدموا
زهر الشباب المذبح الأمال
بثوا عيون البغي فينا واشتروا
بعض النفوس حقيرة بالمال
قد حورب الأحرار في أرزاقهم
من ظالم في الظلم ليس يبالي
ما عاد قول الحق غير جريمة
تأتي لكل مواطن بوبال
وبعد، أأظل أمضي في الحياة بلا لسان أو فم أبكي على حريتي بالدمع يقطر بالدم وأعيش عيش الذل عيش العبد عيش الأبكم ألقى الهوان وأنحني للمستبد المجرم وأرى البلاد ذليلة وأقول: يا بلادي اسلمي؟!
وهل تظل أنت وأنا وهم وهن إلى آخر الضمائر والأسماء والأفعال تدار بالريموت كنترول؟! إذ نعيش في دنيا العجائب؟
الرابط المختصر :
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل