العنوان دموع معتمر
الكاتب جاسم بن محمد مهلهل
تاريخ النشر الثلاثاء 27-يناير-1998
مشاهدات 22
نشر في العدد 1286
نشر في الصفحة 66
الثلاثاء 27-يناير-1998
دموع معتمر
نقوش على جدار الدعوة
للبكاء أسباب كثيرة، ودوافع عديدة، وكلها - إلا في القليل النادر -
تعبر عن حالة من الحزن تأثرت بها نفس الإنسان فجاشت بانفعالاتها، وجرت منه الدموع
على الخدود، إظهاراً لما في المكنون، وتعبيراً عن ألم داخل النفس مكتوم.
وأعظم البكاء أجراً، وأشده على النفس وقعاً البكاء من خشية الله، حيث
لا يصل امرؤ لهذه المرحلة إلا بعد يقظة تامة، ومحاسبة دقيقة، وندم على ما فرط فيه
من طاعات أو قصر، وربما على ما وقع فيه من المعاصي، وهذا البكاء إعلان بتوبة
صادقة، وأوبة متذللة أمام الله رب العالمين، ورجاء بغفران الذنوب، واعتذار إلى
الله بقلة الطاعة مع الطمع في الجنة، وعين هذا الدامع متعلقة بقول رسول الله ﷺ:
"عينان لا تمسهما النار: عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل
الله"، إنه الأمل في رحمة الله الواسعة، مع الطاعة القليلة والطاقة المحدودة
والعجز عن أداء ما يحب لله من شكر على نعمه التي لا تحصى.
نعم لقد تحولت قدرة الشاب الفتي، وأصابها شيء من الضعف والوهن عندما
تجاوز مرحلة الشباب والقوة، ودخل في مرحلة عمرية جديدة، فيها ما فيها مما لا
يستطيع امرؤ أن يخفيه، لأنه يكسو حياته كلها، وفي مقدمة التحول والتغير عدم القدرة
على الالتزام بما كان يلتزم به أيام الشباب، فيشعر بما لا بد أن يشعر به من حزن
وأسى فتجري منه الدموع وهو يذكر وصية الرسول ﷺ: "اغتنم خمساً قبل خمس: حياتك
قبل موتك، وصحتك قبل سقمك، وفراغك قبل شغلك، وشبابك قبل هرمك، وغناك قبل
فقرك"، وقوله ﷺ: "بادروا بالأعمال سبعاً، هل تنتظرون إلا فقراً منسياً،
أو غنى مطغياً، أو مرضاً مفسداً، أو هرماً مفنداً، أو موتاً مجهزاً، أو الدجال فشر
غائب ينتظر، أو الساعة فالساعة أدهى وأمر" (رواه الترمذي عن أبي هريرة).
وخفف من لوعة الحزن، وكفكف من غرب البكاء توفيق الله - سبحانه - عبده
إلى جزء من الغنيمة في قوته وصحته وشبابه، ومن فاته الإحاطة بالطاعات كلها فإن من
واجبه أن يديم شكر الله على أن وفقه إلى أجزاء منها، وإذا كانت الدموع قد سالت ممن
فرط في بعض الطاعات وأحاطت به الأحزان فكيف يكون حال من فرط في الطاعات كلها؟ لا
بد أن تجري دموعه وأن تعم وتدوم أحزانه إن لم يتدارك نفسه، ويدخل باب التوبة
راجياً من الله الرحمة والغفران.
ولقد رأيت هذا الحرم المكي - زاده الله تشريفاً وعزاً - قبل خمس
وعشرين سنة في ثوب من العوز والفقر، الظاهرين فيه من خلال الخدمات الموجودة ذاك،
ونظرت فيه اليوم فقلت: أين ما هو فيه اليوم مما كان عليه بالأمس؟ لقد تغيرت فيه
الخدمات وتغيرت المرافق واتسع المكان، إلى غير ذلك مما جد على الحرم، ووجدت نفسي
أتمتم: جزى الله خيراً كل من كانت له يد معمرة تعمل على إظهار بيت الله بهذه
الصورة الزاهية.. وهنا لنا لفتة في أمور الحياة كلها التي تحتاج إلى البداية
الصحيحة والاستمرارية في العمل ليتحقق النجاح، ولتظهر ثمرة العمل، ولقد كنا نقول
عند بدء شركات النظافة عملها وعند انتشار فرق التنظيم الإداري في الحرم: هل يمكن
أن تنفع هذه الجهود مع أناس ذوي مشارب شتى، واتجاهات متعددة؟ ولكن التصميم على
البدء الصحيح والاستمرار فيه أدى إلى النجاح الذي نراه اليوم وننعم به، وهكذا كل
عمل ينفع الأمة يحتاج إلى البداية الصحيحة والاستمرارية التي لا تتوقف، ودمعت عيني
شكراً لله أن سخر خلقاً من خلقه لخدمة بيته الحرام فهنيئاً لهم.
ووقفت ملياً أتأمل التقنيات العصرية، والابتكارات العقلية التي وفق
الله المملكة العربية السعودية لأن تأخذ بها وأن تسخر هذه الإمكانات البشرية لخدمة
الحجاج والمعتمرين لتعمل على راحتهم في أداء مناسكهم، ودمعت عيني شكراً لله الذي
أكرم عباده من الحجاج والمعتمرين "وحق على المزور أن يكرم زائره".
إنها دموع المعايش للحياة بحلوها ومرها لا دموع الناسك المنعزل في
زاويته ومحرابه، إنها دموع تغسل من القلب ما علق به من أدران وأوساخ ليرجع بعد ذلك
أبيض طاهراً يعرف المعروف، وينكر المنكر، إنها دمعات خلوات التفكر والتدبر في
القرآن والكون والحياة، إنها استجابة لنداء النبي ﷺ لبلال بعد نزول قول الله
تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ
وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: 190]. واليوم مطلوب من
الجميع أن يتدبروا في كل شأن من حياتهم ويعيدوا ترتيبها من جديد بما يحقق العبودية
الكاملة لله - حتى لا تكون الحياة هي مجموعة من الموروثات، والمسلمات يكررها
الإنسان في جميع أطوار حياته؛ الحاكم على ما هو عليه منذ توليه، والأب مستمر في
طبيعته ومعاملاته في بيته في نفس الإطار الذي كان عليه عندما كان زوجاً وأباً لطفل
واحد، وأصحاب الحركات والدعوات على ما هم عليه من مسلمات أخذوها في وقت كان
التفكير في الإسلام والدعوة جريمة، فإلى تفكر عميق ودمع منهمر وتصحيح للمسار
وبداية الطريق خطوة. ■
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل