العنوان دماء على مقاعد الدراسة.. الصهاينة يغتالون الطفولة
الكاتب رامي خريس
تاريخ النشر الجمعة 12-نوفمبر-2004
مشاهدات 67
نشر في العدد 1627
نشر في الصفحة 20
الجمعة 12-نوفمبر-2004
مع اندلاع انتفاضة الأقصى في الثامن والعشرين من سبتمبر عام ٢٠٠٠ وقع الأطفال الفلسطينيون في دائرة الاستهداف والموت الصهيونية فكانت عمليات الإعدام الميدانية للأطفال أمام بصر ونظر العالم بدءًا من جريمة إعدام الطفل الشهيد محمد الدرة وهو في حضن والده أمام عدسات التلفزة ومرورًا باغتيال الطفل فارس عودة قاهر الميركافا وتمزيق جسد الطفلة إيمان حجو بقذائف المدفعية.
٣٠ رصاصة اخترقت جسد الطفل محمد و٢٠ للطفلة إيمان الهمص
كاتب صهيوني: جيشنا منفلت لا كوابح له وفاقد لشيفرته الأخلاقية
وقد سقط جراء ذلك وفقًا لإحصائية موثقة أعدتها وزارة الصحة الفلسطينية أكثر من ٥٧٣ شهيدًا من الأطفال منذ اندلاع الانتفاضة حتى نهاية شهر يونيو الماضي من بين ۲۲۸۲ شهيدًا هم إجمالي عدد الشهداء الذين سقطوا خلال الانتفاضة، فيما أصيب أكثر من ۹۸۰ طفلًا بإعاقات وعاهات مستديمة من أصل ٥٥٠٠ معاق أصيبوا برصاص الحقد الصهيوني، وليس انتهاء بمئات الأطفال والأجنة والرضع الذين استشهدوا في هذه الانتفاضة سواء برصاص وقذائف الاحتلال أو بسبب تأخيرهم على الحواجز أو منع سيارات الإسعاف من نقلهم إلى المستشفيات.
ويقول التقرير السنوي السابع، الذي أصدره الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني إن الأطفال الفلسطينيين أصبحوا - مع تواصل العدوان الصهيوني على الشعب الفلسطيني في حاجة إلى رعاية؛ إذ بلغ عدد الأطفال الجرحى ٣٣٥٤ طالبًا وطالبة أصيبوا خلال الانتفاضة الحالية، في حين أن 90% من الأطفال كانت لديهم تجربة في حوادث سببت لهم صدمة في حياتهم، وفي الأغلب كان ناتجًا عن التأثير الذي سببته قوات الاحتلال الصهيوني على البناء الاجتماعي للعائلة.
ويقول التقرير: إنه تم خلال العام ۲۰۰۳ متابعة ۷۸۳۹ قضية خاصة بالأطفال منها ٤٩٩١ الأطفال حرموا من المأوى نتيجة هدم المنزل أو احتراقه، وتركزت هذه القضايا في قطاع غزة.
تعمدوا قتله
لم تكن سنوات عُمر الطفل محمد جمال أبو مصبح قد تجاوزت الـ ١٤ عامًا، عندما حصدت رصاصات الاحتلال الصهيوني روحه بينما كان يتفقد منزل عمه الكائن في دير البلح الذي كان قد اقتحم في وقت سابق من قبل جنود الاحتلال معتقدًا بأنهم ولوا عائدين من حيث أتوا ۳۰ رصاصة اخترقت أنحاء متفرقة من جسد محمد ليسقط شهيدًا مضرجًا بدمائه على درجات السلم المؤدي للمدخل الرئيس للمنزل محمد ظل ينزف قرابة 3 ساعات لم يتمكن خلالها سكان المنزل أو من كانوا يترقبون تطورات الموقف خارجه من الدخول لإنقاذه..
ويؤكد والده جمال أبو مصبح أن جنود الاحتلال تعمدوا قتله، ويقول: «نعم، تعمدوا قتله، فوفقًا لعمه وزوجته أطلق الجنود النار على محمد مجددًا عمدًا عندما طلب أبناء بدمها.. عمومته منهم التوجه لإسعافه.
على مقاعد الدراسة
وكما يستهدف الرصاص الصهيوني الأطفال في منازلهم فإنه لاحقهم في مدارسهم ولم تمهل الرصاصة التي أصابت رأس رغد الغض من كتابة اليوم والتاريخ في رأس الصفحة الأولى من كراسة اللغة الإنجليزية الجديدة، وبدلًا من الحبر الأزرق الدفع الدم مسرعًا إلى صفحات الكراسة البيضاء مسجلًا تاريخ بداية النهاية لحياتها، وهي لم تنه يومها الخامس من العام الدراسي الجديد. حتى نالت رصاصة صهيونية، وهي على مقعد الدراسة في مدرسة بنات خان يونس الابتدائية للاجئات التابعة لوكالة الغوث (أونروا).
رغد التي لم تشهد ربيعها العاشر بعد تركت وراءها بعد أن أمضت 15 يومًا في غرفة العناية الفائقة، مقعدًا مخضبًا بدمها وحرقة في قلب ذويها وزميلاتها وحقيبة مدرسية وكراريس تنتظر أن تخط بها بخطها الجميل مستقبلًا لم يدر أحد كنهه ومآله.
رغد لم تمهلها الإجابة عن السؤال الذي وقفت كي تجيبه... زميلاتها في الفصل يروون الحكاية.. تقول رواء التي تجلس في المقعد الخلفي: كانت بداية الحصة الثانية وكانت المعلمة قد طلبت منا مراجعة الحصة السابقة وبدأت بتوجيه أسئلة كمراجعة وكان الدور قد وصل إلى رغد فوقفت لكي تجيب وفجأة بدأت أصوات إطلاق النار وتقول الطفلة كنا قد تدربنا على التصرف عند إطلاق النار، أن ننزل تحت مقاعد الدراسة وتنبطح على الأرض حتى ينتهي إطلاق الرصاص، ولكن رغد لم تكن قد نزلت بعد فأصيبت بطلقة في رأسها، بدأنا نصرخ وجاء المعلمون وأخذوها وعرفنا في اليوم الثاني أنها استشهدت.
الكلمات تثاقلت على لسان والدها عدنان العصار الذي كان على رأس بيت عزاء ابنته فيما سيطر الحزن على ملامح وجهه عند سؤاله عن تفاصيل استشهاد رغد قال وهو يلتقط أنفاسه، لقد أخذوا قطعة من قلبي ولم أصدق أني سأحتضنها يومًا مضرجة، وتابع الأب المكلوم متسائلًا: ما ذنب طفلة بريئة في عمر الزهور أن يفعل بها هذا؟، فلم يكن قلمها رشاشًا، ولم تكن حقيبتها قنبلة، ولا كراستها حجارة..
وقال المدرس سعيد محسن الذي أشرف على إسعاف رغد: سمعت صراخ البنات والمعلمات، وتوجهت مسرعًا صوب انبعاث الصوت. فوجدت البنات يصرخن في فناء المدرسة، وفهمت أن رغد قد أصيبت فانطلقت إلى الفصل فوجدتها ملقاة على مقعد الدراسة والدم ينزف من رأسها، فنقلتها إلى مستشفى ناصر المقابل للمدرسة..
وأضاف أن إصابة رغد في رأسها بنيران قوات الاحتلال المتمركزة في مستوطنة نفيه دكاليم، (مستوطنة ضمن تجمع مستوطنات غوش قطيف) ترك أثرًا نفسيًا صعبًا على تلميذات المدرسة، ورفض عدد منهن الدخول إلى الفصول في الأيام التي تلت إصابة رغد لولا الجهود المضنية للمربين النفسيين الذين كان لهم الدور الكبير في التخفيف من حدة الصدمة وإقناع الطالبات بالعودة إلى مقاعد الدراسة.
الطالبة حنين عساف (١٠) أعوام المجاورة لرغد في المقعد تقول بمرارة وحزن: لم أصدق ما رأته عيناي صورتها لم تفارق مخيلتي وهي غارقة في دمها في الفصل..
عيار من النوع الثقيل
لم يعرف التاريخ الحديث جرائم بحق الطفولة كتلك التي يمارسها جيش الاحتلال ولم تشهد صمتًا على الإرهاب مثلما يجري ضد أطفال فلسطين. ففي نفس المدرسة وبعد أسبوع تقريبًا من استشهاد رغد، أصيبت الطفلة غدير مخيمر (١٠ أعوام)، بنيران قوات الاحتلال الصهيوني، وهي جالسة على مقعدها الدراسي في المدرسة وانضمت القائمة الأطفال الشهداء الذين سقطوا على مقاعد الدراسة أو أثناء توجههم إليها.
وقال شهود عيان إن قوات الاحتلال المتمركزة في محيط مستعمرة نفيه ديكاليم، فتحت النار بشكل كثيف وعشوائي باتجاه المدرسة المذكورة دون أي سبب، مما أدى إلى إصابة الطفلة برصاصة قاتلة في الصدر.
وقال الأطباء، في مستشفى ناصر الحكومي: إن عيارًا من النوع الثقيل اخترق جسد الطفلة، وأصاب صدرها بشكل مباشر، وأدى إلى استشهادها.
في طريقها إلى المدرسة
وفصول الجريمة ضد الأطفال لم تقتصر على قتلهم داخل مدارسهم، بل أثناء توجههم إليها. فقد استشهدت التلميذة الفلسطينية إيمان سمير الهمص وعمرها دون الثالثة عشرة على بعد مئات الأمتار من منزلها لدى مرورها قرب برج المراقبة على الحدود مع مصر حيث كانت في طريقها مع اثنتين من زميلاتها إلى المدرسة.
الطفلة التي أصيبت بعشرين رصاصة أطلقها جنود الاحتلال على بعد مئات الأمتار فقط من مدرسة بنات رفح الإعدادية (ج) التابعة لوكالة الغوث الدولية الأونروا عندما مزق الرصاص زيها المدرسي الأبيض والأزرق ونخر جسدها الصغير.
ويقول الطبيب علي موسى مدير مستشفى رفح الحكومي: إن الطفلة نقلت إلى المستشفى وقد أصيبت بعشرين رصاصة على الأقل في أنحاء جسدها خمس منها في الرأس.
ويقول إيهاب الهمص ٢٥٠ عامًا الشقيق الأكبر لإيمان وهو يغالب دمعة أفلتت من عينيه: "حزن ومأساة كبيرة في البيت.. كانت بسمتنا جميعاً وقد فقدناها".
وأضاف أن شقيقته الهادئة والمتفوقة في مدرستها تمر في الطريق نفسها يوميًا باتجاه المدرسة.
وتابع: فوجئنا ولم نكن لتصدق عندما اتصلت بنا المدرسة تبلغنا أنها أصيبت.. فتوجهت إلى المستشفى مسرعًا لأرى المأساة والجسد الصغير الذي اخترقته عشرات الرصاصات...
وروى عمر خليفة ٢٩ عامًا الذي يعمل في محل لدهان السيارات قرب برج المراقبة في حي تل السلطان: أن إيمان كانت تسير باتجاه المدرسة القريبة مع اثنتين من زميلاتها، وقام الجنود بإطلاق النار من برج المراقبة فهربت الطفلة وألقت بحقيبتها على الأرض فأطلقوا النار بكثافة على الحقيبة ثم عليها ...
وتابع أن ثلاثة جنود خرجوا من دبابة عند البرج وأطلقوا النار باتجاه الطفلة قبل أن يحيطوا بها حيث منعوا سيارات الإسعاف النصف ساعة على الأقل من الوصول قبل أن تنقل في سيارة فلسطينية إلى المستشفى.
الجنود الصهاينة اعترفوا في شهادة لهم ان قائد وحدتهم قام بإفراغ ذخيرة بندقيته في جسد الفتاة رغم تأكده من وفاتها ورغم أن تحقيقات جيش الاحتلال الصهيوني اكدت ان الشهيدة إيمان كانت تحمل في حقيبتها كتبها الدراسية وليس متفجرات كما ادعى قائد الوحدة.
ضحايا.. أبرياء
الطفل محمد الأعرج (٦) سنوات كان يأكل قطعة خبز أمام منزله الذي يقع على أبواب مقبرة بلاطة فأطلق الجندي عليه النار وقتله من مسافة قريبة.
وكريستين سعادة كانت في طريقها من زيارة عائلية في سيارة والديها فقام الجنود برشها بالرصاص وكان عمرها ١٢ عامًا.
أما الشقيقان جميل وأحمد أبو عزيز من جنين فكانا في طريقهما لشراء الحلوى فأطلق عليهما جندي المدفعية قذيفة فأصابهما إصابة مباشرة.
وتتوالى قائمة الشهداء من الأطفال.. الطفل جميل كان في الثالثة عشرة وأحمد في السادسة الطفل معتز العامودي والطفل صبح أصبح قتلا بنيران الجندي الذي كان واقفًا في ميدان قرية برقين مطلقًا النار في كل الاتجاهات إن عمليات رشق حجارة الطفلة غدير محمد من مخيم خانيونس كأنت جالسة في صفها عندما أطلق الجنود عليها النار فقتلوها وكان عمرها ١٢ عامًا.
منظمات حقوق الإنسان أكدت أن الضحايا من الأطفال الفلسطينيين طاردهـم جنود الاحتلال في منازلهم ومدارسهم وشوارعهم ولم يكن أحد من الأطفال مستحق للموت ولا يمكن أن تبقى مسؤولية قتلهم يتيمة بلا صاحب.
جيش منفلت
وبالرغم من الانتقادات التي توجه لدولة الكيان الصهيوني وجيشها لاستهداف وقتل الأطفال الفلسطينيين، إلا أن جيش الاحتلال وقادته لا يلتفتون لتلك الانتقادات ويواصلون اقتراف جرائمهم بحق الطفولة، ويعترف الصحفي الصهيوني جدعون ليفي بذلك قائلًا : دماء مئات الأطفال الفلسطينيين في رقابنا، ليس بإمكان أي تفسير متعرج ملتو يصدر عن الناطق بلسان الجيش والمراسلين العسكريين حول الأخطار التي تتربص بالجنود من ناحية الأطفال أو أيِّ ذريعة مريبة لإعلاميي ودعاة وزارة الخارجية حول قضية استغلال الفلسطينيين للأطفال - أن تغير هذ الحقيقة. الجيش الذي يقتل كل هذا العدد الكبير من الأطفال هو جيش منفلت لا كوابح له وفاقد لشيفرته الأخلاقية التي يسير عليها..
وقال عضو الكنيست الصهيوني يوسي ساريد (يساري معارض) إن الجيش الصهيوني أفلس من الناحية الأخلاقية وأصبح الحديث عن طهارة السلاح والقيم مهزلة.
ويقول عضو الكنيست العربي أحمد الطيبي: لم يعد بالإمكان مواصلة الادعاء بأن كل هؤلاء الأطفال قتلوا بطريق الخطأ فالجيش الذي ارتكب أكثر من ٥٠٠ جريمة قتل أطفال متشابهة ... وهذا ليس خطأ وإنما ثمرة فاسدة من ثمار سياسة التساهل في إطلاق النار المخيفة ونزع الصفة الإنسانية عن الفلسطينيين.