العنوان دلالة الاحتجاج في النظم المستبدة والديمقراطية
الكاتب د. عبد الله الأشعل
تاريخ النشر السبت 05-فبراير-2011
مشاهدات 60
نشر في العدد 1938
نشر في الصفحة 14
السبت 05-فبراير-2011
النظم الديمقراطية هي النظم التي تشكلت مؤسساتها وصدرت قوانينها من نواب منتخبين انتخابًا مباشرًا، تحرص السلطة فيها على توعية الناخب ومساعدته على اختيار أفضل المرشحين الذين يستحق النائب منهم أن يكون نائبًا عن الأمة كلها، وليس أسيرًا لابتزاز ناخبه في دائرته.
يترتب على ذلك، أن الشعب وهو مصدر السلطة وصاحب السيادة يعتبر النائب نائبًا عنه يفقد مقدمات النيابة أن أخل بعقد الإنابة في النظام الديمقراطي، وأهم بنوده أن يقوم سلوك الحكومة التي انتخبها الشعب أيضًا، ومن حق الشعب بالطبع أن يحتج على سلوك الحكومة ومواقفها، ومن حقه على سلطات الأمن أن تمكنه من ذلك بشكل سلمي؛ فلا قيد على الاحتجاج مادام في حدود القانون، وقد تعددت صور الاحتجاج بما في ذلك التظاهر والاعتصام واستخدام وسائل التعبير المختلفة للإعلان من عمل لا يرضى عنه الشعب، فالاحتجاج بكل صوره مباح وميسر فمن حق الشعب ومن واجب الحكومة أن تلحظ وتستمع وتهتم وتعمل على تصحيح الأوضاع محل الشكوى.
في مثل هذه النظم لا محل لقمع الفكر أو الرأي أو الحركة أو التصدي بالقوة إلا بالقدر الذي يحول بين المتظاهرين وتجاوز القانون، فلا يفترض أن المحتجين يستولون على السلطة، ويحلون محل صاحب القرار في إنفاذ ما يطلبون، وإنما يستدل صاحب القرار على ما يجب عمله من حجم الاحتجاج وشدته ومطالبه المحددة ومعقوليتها وإمكانية تنفيذها في إظهار السياسة العامة للدولة.
فعندما واجهت الحكومة البريطانية آثار الأزمة المالية العالمية، ورفعت رسوم الدراسة الجامعية، وتظاهر الطلبة وأولياء الأمور، ولم تجد الحكومة حلولًا أخرى؛ صمد كل في موقعه لعدة أسابيع، فالحكومة المنتخبة ترى حلولًا علمية لا شعبية لها، والشعب يرى أن الحكومة الصالحة هي التي تتجاوب مع مطالبه، فأظن أن الحكومات لديمقراطية تتعرض في الكثير من الحالات لمثل هذه الاختبارات وبالفعل تحرص هذه الحكومات على أن تكون قراراتها علمية نافعة، وفي نفس الوقت تحظى بالشعبية؛ فلا تجلب غضب الشعب بقرارات صحيحة علميًا لكنها مستنفرة شعبيًا، ولا تضحي بمصالح الأمة إذا واجه القرار غضب فئات معينة، هي أن موازنات دقيقة رائدها الكفاءة والإخلاص والشفافية وانعدام الفساد والوعي الذي يتسلح به المجتمع وتحرص عليه الحكومات.
أما في النظم المستبدة مثل مصر وغيرها في العالم العربي فإن النظم قد نشأت على أساس تزوير إرادة الناخب، واستخدم في التزوير جميع الصور والأدوات مادية ومعنوية ومادامت نظمًا غير ديمقراطية وغير منتخبة، وإنما نصبت نفسها وادعت الشرعية لنفسها، فلا رقابة عليها؛ فيفسد البرلمان ويتواطأ مع الحكومة، ويفسد القضاء، ويروج الفساد والمظالم، ولا تستمع الحكومات إلى أنّات الشعب وصراخه بل تعتبر هذه الصرخات تصرفات غير لائقة وتداوم هذه الحكومات على تصوير الحال في أبدع صورة، وهو كذلك بديع لمن في السلطة أو حلفائها، وهم نسبة ضئيلة تواطأت على الأغلبية الساحقة التي تئن بعد أن استنزف الفساد الثروات، وصارت القلة المغرقة في الغنى مقابل الغالبية التي تعاني من الفقر والحرمان.
ومن سمات هذه الحكومات، أنها تضع القانون ولا تطبقه وترغم معارضيها عليه بأحكام جائرة بإيعاز منها، فيؤدي ذلك إلى عدم احترام المواطن للقانون وشيوع الفوضى وعدم الثقة في العدالة، فتتحول الحقوق إلى هبات للمدافعين عنها، وتنكرها على المعارضين لها، بل تصبح المعارضة لسفاهة الحكم وانحرافاته كفرًا بأنعمه وطعنًا في وطنية المعارض الخائن لوطنه، مادام معارضًا لحاكمه الذي يفتقر إلى كل شرعية في مثل هذه النظم تنقطع الصلة بين الشعب والحاكم فينفرد الحاكم بالعبث بمصير الشعب، ويصبح الأمن هو الملجم لكل صوت يحتج، فإذا نظم المحتجون وقفة أو مظاهرة أو أي مظهر من مظاهر الضيق والاحتجاج لعل الحاكم يشعر بما فعله من ضرر لهذا الشعب قمعه الأمن دون أن يفتح الحاكم كوة للحوار والفهم والمناقشة على أساس أن الحاكم يحتكر الحقيقة وأن هولاء المحتجين هم كما ردد كل المستبدين في كل العصور – وآخرهم حتى الآن «بن علي» - قلة مأجورة مقدسة يحركها الخارج الحاقد على حالة الاستقرار والازدهار، أو كما يقول المصريون: مصر الأمن والأمان والاستقرار»، حتى بدون ازدهار المهم الحاكم العاقل الرحيم الذي حوّل مصر إلى مقبرة للموتى، ومن الصعب أن يفزع الأمن من حديث الموتى وحركاتهم؛ لأن المعلوم هو أن الموتى لا يتحدثون ولا حتى يرقبون ما آلت إليه أوضاع الأحياء.
أمام هذا الاستعلاء واستعلاء الحاكم وشماتته في عجز الشعب عن مقاومته، وهو الذي يستخدم أموال الشعب وأدواته وأبنائه لاستدامة فساده والدفاع ضد المحتجين على مظالمه واحتكار السلطة والثروة جميعًا، والاستعانة بأبواق فاسدة تثير الشعب ضده أكثر مما تقنعه، فلا يكون أمام الشعب إلا أن يضع بيده بأي طريق نهاية لهذا النظام الذي ينتهي عادة إما بثورة شعبية تبيد النظام ورموزه أو تخلخل أركانه وانقلاب بعضه بعضًا، أو تخل الأمن أسنان الحاكم عن نظامهم أولى ضحايا ظلمه وعنته، والحاكم في مثل هذه الأحوال لا يهمه أن تحترق البلاد مادامت نجاته هي الهدف، فلتسقط الدنيا كلها ويحيا هو بكل ما يمثله.
والحق أن ذلك هو قانون الثورات، فلا الحاكم مهما كان بطشه قادر على الاستمرار بالقهر أو الخديعة مادام فاسدًا على البقاء، ولا الشعب قادر على المزيد من التحمل والصبر، وتكون النتيجة هي أن يلفظ الحاكم أو يقتل والسؤال الكبير هنا: لماذا لا يتعلم هولاء الحكام؟ ولماذا يبدأ الواحد منهم حكمه ذليلًا منكسرًا يرجو توفيق ربه، ثم يلتصق بالكرسي فتشيخ الأمة معه، وتصاب بكل أمراض الشيخوخة، ويأبى أن ينصرف إلا قتيلًا أو فارًا ذليلًا كما حدث مع «بن علي»؟ إن كل هذه المراهنات على أن النموذج التونسي غير قابل للتكرار في مصر، رغم توافر دواعي تكراره ولا تريد أن تلتفت إلى القانون الذي أجرى ثورة تونس وغيرها من الثورات فالمبدأ ثابت وصور تطبيقه تتغير، تلك سنة الله في خلقه ولن تجد لسنته تبديلًا.