العنوان دلالات مظاهرة السبت «الفلسطيني» في واشنطن
الكاتب أسامة أبو رشيد
تاريخ النشر السبت 04-مايو-2002
مشاهدات 59
نشر في العدد 1499
نشر في الصفحة 24
السبت 04-مايو-2002
١٠٠ ألف أمريكي طالبوا بإنهاء الاحتلال الصهيوني وتغيير السياسة الأمريكية.
دعوات أمريكية لاستعادة «بلدنا» وصرف «أموالنا على التعليم والصحة» لا على الإرهاب الصهيوني.
يهود يرفعون شعارات تدين شارون والكيان الصهيوني.. وتتبرأ مما يجري ضد الفلسطينيين .
مظاهرة واشنطن يوم السبت العشرين من أبريل المنصرم كانت واحدة من أكبر المظاهرات المؤيدة للقضية الفلسطينية في تاريخ الولايات المتحدة، وقد حملت العديد من الدلالات المهمة، سواء من حيث عدد المشاركين أو انتماءاتهم أو مغزى كلماتهم.
فقد تدفق أكثر من ۱۰0 ألف أمريكي من أصول متعددة على واشنطن للمشاركة في مظاهرة تطالب بإنهاء الاحتلال الإسرائيلي ونصرة الحقوق الفلسطينية، اكتظت بهم الشوارع الرئيسة للعاصمة الأمريكية، وخاصة في المنطقة الواقعة بين البيت الأبيض والكونجرس المسيرة وإن تميزت بدعم منظمات متعددة الأصول لها، إلا أن الإقبال الجماهيري الكثيف فاق التوقعات المسبقة لمنظميها. وقد حضر عشرات الآلاف من المتظاهرين من خارج واشنطن خصيصًا للمشاركة في هذه التظاهرة الكبرى.
وكان قد نظم المظاهرة تحالف «أنسر» الدولي المضاد للحرب والعنصرية، بالتعاون مع العديد من المنظمات المسلمة والعربية مثل الاتحاد الإسلامي لفلسطين، والجمعية الأمريكية الإسلامية، ومجلس العلاقات الإسلامية الأمريكية، والمجلس الأمريكي الإسلامي، ولجنة الشؤون العامة الإسلامية الأمريكية وتحالف العودة الفلسطيني، واتحاد الطلبة العرب واتحاد الطلبة المسلمين، ولجنة تأييد الشعب العراقي، والعشرات من المنظمات الأخرى.
ولإنجاح المظاهرة التي جاءت بعد خمسة أيام من مظاهرة مماثلة لليهود قرب البيت الأبيض - حضرها أيضًا عشرات الآلاف لدعم الكيان الصهيوني - فقد خرجت عشرات الحافلات من الولايات والمدن الأمريكية المختلفة.
وإذا كانت مظاهرة اليهود قد شهدت دعمًا كبيرًا من قبل المؤسسات الصهيونية والتجارية وبعض أصحاب الأعمال عبر توفير الحافلات مجانًا لليهود، بل وإعطاء الكثيرين منهم يوم عطلة مدفوعة الثمن والإقامة، فإن المظاهرة من أجل فلسطين نجحت بقرار ذاتي من المشاركين الذين جاءوا من كافة أنحاء الولايات المتحدة على حسابهم الشخصي، ومعهم أهاليهم وأطفالهم بل إن المئات - وربما الآلاف - لم يتمكنوا من الوصول إلى مكان المظاهرة بسبب عدم قدرة الحافلات - التي خرجت من المراكز الإسلامية والعربية والمساجد من كل مدينة في مختلف الولايات - على استيعابهم, وقد خرج من نيويورك وحدها أكثر من ثمانين حافلة، والأمر نفسه في نيوجرسي، فضلًا عن عشرات الحافلات الأخرى التي قدمت من بوسطن وشيكاغو وملواكي وديترويت، ومن كل مكان.
ورغم أن أيًا من المسؤولين الرسميين لم يحضر ليخاطب المظاهرة، كما حدث في المظاهرة المؤيدة للكيان الغاصب، التي خاطبها نائب وزير الدفاع ممثلًا عن الإدارة الجمهورية فإن مظاهرة فلسطين امتازت بأنها مثلت كل الوان الطيف العرقي والثقافي واللغوي الأمريكي، حيث الأعداد الكبيرة من الأمريكيين البيض والسود، فضلًا عن الأسيويين من الصينيين والكوريين واليابانيين والفيتناميين والفلبينيين، وكذلك من الأمريكيين الأصليين من الهنود بل والعشرات من اليهود المتدينين الذين يرفضون قيام دولة يهودية من منطلقات دينية أو العلمانيين اليهود الذين تحرروا من الانحياز الأعمى وأعلنوا رفضهم لجرائم الحرب التي يرتكبها مجرم الحرب شارون.
رايات حماس والجهاد وفتح في سماء واشنطن
وقد عبر التعدد العرقي والثقافي واللغوي الذي طبع مظاهرة دعم الشعب الفلسطيني عن نفسه بصيغ كثيرة، منها ما تمثل بالشعارات باللغات المختلفة ومنها ما تمثل بالأعلام والرايات المختلفة التي تمثل عددًا من العرقيات والجنسيات المشاركة في التظاهرة.
فجنبًا إلى جنب كانت الأعلام الفلسطينية والأمريكية والفلبينية والكولومبية وغيرها من الأعلام والرايات كرايات حماس وحزب الله وفتح والهنود الحمر ومناهضي العولمة في سماء واشنطن، مرفوعة في أيدي المشاركين. كما كانت الشعارات تنطلق بمختلف اللغات كلها تهتف بمعنى واحد الحرية لفلسطين، وتنادي بانعتاق الشعب الفلسطيني من ربقة الاحتلال الإجرامي. وقد حمل المتظاهرون شعارات ساوی بعضها بين شارون وهتلر النازي، في حين ساوى بعضها الآخر بين الصهيونية والنازية, وفي مكان آخر ترى صورًا للضحايا الفلسطينيين من الرجال والنساء والأطفال الذين سقطوا برصاص الإجرام الصهيوني، والبعض الآخر حمل لافتات تنادي بوقف الدعم الأمريكي المالي والعسكري للكيان الصهيوني، ومجموعة أخرى ترى أن المقاومة حق مشروع وأخرى كتب عليها شهداء لا قتلة وذلك ردًا على ما قاله الرئيس بوش عندما وصف الاستشهاديين الفلسطينيين بالقتلة.
كما حمل عدد من اليهود شعارات تدين الإرهاب الإسرائيلي ورئيس الوزراء شارون, وتتبرأ مما يجري وخرج في المظاهرة أعداد كبيرة من رافضي الحرب ومن الذين شاركوا ونشطوا في المظاهرات ضد ما حدث في فيتنام وقالت عجوز عمرها ٦٧ عامًا: «إننا نحن الأجداد تحذر الأحفاد من العودة مرة أخرى لما سبق ولكن يبدو أن الدائرة عادت مرة أخرى لتكون مثل فيتنام». وتعتبر هذه المظاهرة أكبر مظاهرة جرت في واشنطن منذ مظاهرات العولمة عام ۲۰۰۰ والتي اعتقل فيها خمسمائة شخص. أما مظاهرة فلسطين فقد كانت منظمة وهادئة وأرسلت رسالة قوية لحجم التعاطف مع المسلمين، ورفض الظلم والعدوان.
كما رفع المتظاهرون شعارات ضد الحرب في العراق وأفغانستان، وكتبت شعارات تخاطب الرئيس الأمريكي يجب أن تختار إما نحن أو إسرائيل، في إشارة إلى عبارته التي خير فيها بلدان العالم بين دعم أمريكا أو اعتبارها معادية لها. وأشارت لافتة حملها أحد المتظاهرين إلى أن «إسرائيل» تدفع ٣٤ مليون دولار للسياسيين الأمريكيين مقابل دعمهم لها سياسيًا وإعلاميًا. كما رفع بعض المحتجين لافتات تجمع بين نجمة داود والصليب المعقوف شعار النازية، ورفع آخرون لافتات تقول: جنين هي أوشفتز الثانية, في إشارة إلى أشهر معسكرات الاعتقال النازية. وندد المشاركون بالسياسة الخارجية لإدارة الرئيس بوش ووصفوها بأنها مثيرة للاشمئزاز.
المتحدثون: إجماع على إدانة سياسات بوش
المتحدثون الذين قاربوا الأربعين شخصًا من مختلف الثقافات والأعراق والتوجهات الأيديولوجية، لم يكونوا بعيدين أبدًا عن الجو العام للمظاهرة المشحون بالغضب من إدارتهم ومواقفها المنحازة، والتنديد بالكيان الصهيوني وجرائمه، وإظهار التعاطف والتضامن غير المشروط مع الشعب الفلسطيني.
فمن أقصى اليمين الأيديولوجي إلى أقصى اليسار، ومن العرب العلمانيين إلى الإسلاميين ومن اليهود إلى غيرهم، ومن الأمريكيين البيض إلى السود والهنود، ومن الفلبين وبريطانيا وكولومبيا وكوبا وغيرها أجمع الكل على موقف حاسم مع الشعب الفلسطيني ومعارض للإدارة الأمريكية في مواقفها وفي التنديد بالكيان الصهيوني.
رفيق جابر رئيس الاتحاد الإسلامي لفلسطين استعان في كلمته الموجهة للرئيس بوش بمثل أمريكي يقول: «إذا خدعتني مرة عيب عليك، وإذا خدعتني مرة أخرى عيب علي», وأضاف: ونحن خدعنا بك عندما انتخبناك أول مرة، ولكننا لن نخدع مرة أخرى. وانتقد جابر وصف بوش لشارون بأنه رجل سلام مذكرًا بتصريحات صحفية سابقة لشارون قال فيها إنه لا يعترف بشيء اسمه القانون الدولي أو المبادئ الدولية، كما أنه لا يعترف بشيء اسمه طفل فلسطيني أو امرأة فلسطينية، مؤكدًا أنه لو كان مدنيًا إسرائيليًا - كما يتابع شارون - لكنت قتلت كل عربي وفلسطيني ولاغتصبت نساءهم ففي ضربة واحدة عام ١٩٦٧ قتلت العشرات منهم واغتصبت نساءهم، كما قال المجرم شارون, وطالب جابر الإدارة والكونجرس الأمريكيين بوقف دعمهما للإرهاب الصهيوني.
أما طارق على من «جـمعية الفلسطينيين البريطانيين ضد الحرب» فقد طالب بجمع الأموال وشراء عضو كونجرس معتبرًا أن ما يحدث الآن ليس مشكلة فلسطينية بل هي مشكلة أمريكية - إسرائيلية، فـ«إسرائيل» هي من يرتكب المذابح ويقوم بالاعتقالات وتهديم البيوت، في حين تقوم الإدارة الأمريكية بالتغطية على جرائمها - واعتبر أن تصنيف البيت الأبيض للدول المارقة لا ينطبق إلا على البيت الأبيض وعلى الكيان الصهيوني.
ووصفت الدكتورة هالين كالديكوت المرشحة لجائزة نوبل للسلام نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني ووزير الدفاع رامسفيلد بالشريرين، مطالبة بإيقاف الحروب التي تمول من جيب الشعب الأمريكي، كما طالبت باستعادة الأمريكيين لثروتهم التي تنفق على جرائم إسرائيل.
أما المتحدث باسم الأمريكيين الأصليين «الهنود الحمر» وليام أندربيجاجج والذي عاد قريبًا من زيارة للأراضي المحتلة وزار الرئيس الفلسطيني المحاصر ياسر عرفات في رام الله، فقد قال: كلنا اليوم فلسطينيون، وطالب بإغلاق السفارة الصهيونية، التي وصفها بـالأفعى الإرهابية في واشنطن، ودعا إلى جعل حياة اليهود الصهاينة صعبة في الولايات المتحدة، كما قال.
من ناحيتها قالت ريا أورتيز المتحدثة باسم التجمع الفلبيني إن هناك مظاهرة تجري في ذات وقت هذه المظاهرة في الفلبين تأييدًا للشعب الفلسطيني وتنديدًا بالعدوان الصهيوني الهمجي، وطالبت بإيقاف آلة الحرب الأمريكية من الفلبين إلى فلسطين، ومن كولومبيا إلى العراق، مضيفة أن الإرهاب الحقيقي هو الذي تدعمه أمريكا.
وفي نفس السياق ندد المتحدث باسم الكولومبيين بالعدوان الصهيوني وبالتدخل الأمريكي في بلاده.
أما المتحدث باسم «أنسر» كارل مسينيو فقال: إنه لن يكون هناك وقف إطلاق نار في فلسطين إلا بانتهاء الاحتلال كاملًا ويجمع كافة الأسلحة الأمريكية من الدولة العبرية وعلى رأسها طائرات إف ١٦ والأباتشي والدبابات، فضلًا عن تقديم شارون إلى محاكمة عسكرية, وأضاف أنه بالرغم من أن الحكومة الأمريكية قد عطلت القانون إلا أننا سنعيده لأن الشعب هو القانون.
شاكر السيد الأمين العام للجمعية الإسلامية الأمريكية بدأ كلمته بالقول إن الله أكبر من أمريكا وإسرائيل، وأكبر من طائرات إف ١٦ ومن الكونجرس والبيت الأبيض وقال: إنه يوجه رسالة بسيطة إلى الصهاينة مفادها أن كيانهم ولد بالسيف، وعاش بالسيف وسيموت بالسيف، مؤكدًا أن الجميع مع الفلسطينيين في خط المقاومة حتى تعود فلسطين كما كانت قبل عام ١٩٤٧م.
وفي إشارة إلى تصريحات بوش بان الشهداء الفلسطينيين قتلة لا شهداء, قال السيد الأطفال الفلسطينيون شهداء لا مجرمون, أما الدكتور سامي العريان الناشط المعروف في مجال الحقوق المدنية، فقال: إن إسرائيل رفضت الانصياع للأوامر الأمريكية التي صدرت من الرئيس جورج بوش، في الوقت الذي تعيش فيه على المساعدات الأمريكية، مطالبًا بقطعها عنها.
وقال نهاد عوض المدير التنفيذي لمجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية «كير» إن «المقارنة بين المظاهرة التي نظمها مساندو إسرائيل ومظاهرة اليوم تثبت أن جماعات اللوبي الإسرائيلي فشلت في جذب التجمعات غير اليهودية، إذ شارك في مظاهرتهم يهود أمريكيون بالأساس، بينما شارك في مظاهرة اليوم المواطنون الأمريكيون من خلفيات عرقية ودينية وأيديولوجية متعددة، ليتحدثوا بلسانهم وليعبروا عن وجهة نظرهم دون وسيط». وأوضح عوض أن «مظاهرة اليوم تمثل بداية نهاية سيطرة الصوت الإسرائيلي على الخطاب السياسي الأمريكي تجاه الشرق الأوسط، وبداية المرحلة تاريخية جديدة يلعب فيها الشعب الأمريكي دور عامل الضغط الأساس على الحكومة الأمريكية فيما يتعلق بسياستها في الشرق الأوسط»، وقال: إن «واجب المسلمين والعرب الأساس في الفترة المقبلة سيكون تقوية تحالفهم مع هذه القطاعات العديدة المتعاطفة مع قضايا المسلمين والعرب في الأوساط الشعبية الأمريكية وترجمة هذه التحالفات إلى عوامل ضغط سياسية على الإدارة الأمريكية والكونجرس»، وفق تقديره.
وطالب عوض المتظاهرين بأن يضعوا مصلحة أمريكا أولًا وليس العكس، وأن يقوموا بالاتصال بالبيت الأبيض وممثليهم في الكونجرس، ومطالبتهم بوقف المعونات الأمريكية لإسرائيل والتي تدفع من أموال دافع الضرائب الأمريكي.
وقد لفت متدخلون من جانب آخر إلى «القمع المسلط ضد العرب والمسلمين» في أمريكا منذ أحداث 11 سبتمبر، وميل إدارة بوش إلى تجريمهم عبر قانون الأدلة السرية في المرحلة السابقة، وصولًا إلى مرحلة اللاأدلة، كما قال مهدي بري من مجلس العلاقات الإسلامية للشؤون العامة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل