العنوان دعوى الحداثة الراهنة: خطاب بلا بوصلة..!
الكاتب محمد السيد
تاريخ النشر الثلاثاء 04-يوليو-2000
مشاهدات 70
نشر في العدد 1407
نشر في الصفحة 52
الثلاثاء 04-يوليو-2000
العلمانيون في البلاد الإسلامية دعاة للفوضوية.. وظلاميون يعتقدون احتكارهم الحقيقة
يريدون تحويل الكتابة الأدبية العربية إلى «كهانة» هم سدنتها الذين يعرفون أسرارها الكهنوتية
جمهور الأمة الإسلامية متمسك بدينه وهو أغلى عنده من كل ما يعدو إليه العلمانيون
العلمانيون العرب يستوحون إلحاد بعض الزنادقة الأقدمين ويقلدون حداثة الغرب تقليدًا أعمى
ما يزال هتاف الجماهير المصرية القائل: «شاهت الوجوه» عاليًا وصاعدًا حتى يسقط تلك النخب العلمانية نهائيًا وإلى الأبد.. هذا الهتاف وجهته تلك الجماهير إلى نخب العلمانية أثناء المناظرة التي جرت في معرض الكتاب القاهري يناير ۱۹۹۲م بين مجموعة من العلمانيين ومجموعة من الإسلاميين هزم فيها العلمانيون شر هزيمة فقابلتهم الجماهير بشعار شاهت الوجوه وكانت المناظرة حول تطبيق الشريعة.
وتندفع اليوم في أفق الثقافة العربية مقولات هؤلاء العلمانيين يريدون لها أن تتصدر كل كلام، وأن تعلو فوق كل حوار، تدعمهم في ذلك مؤسسات الإعلام والنشر الضخمة التي تستعصي على نشر كلمات الإسلاميين وتستبعد فكرهم عن شاشاتها وصحافتها وأثيرها إلا ما ندر.
وفي استعراض سريع لما يدفعه هؤلاء إلى وسائل النشر المختلفة، نجدهم يتمترسون خلف خطين دفاعيين:
الأول: هو قولهم إن الفنان حر في تناول كل شيء ضمن موضوعاته أو طرحه ويجب ألا تحد هذه الحرية بأي حدود أو ضوابط على اعتبار أن هذا التحديد أو الضبط نوع من التدخل في حرية التعبير والتفكير، واعتداء على حق الإنسان في أن يعتقد ما يريد، وينتقد أي معتقد مهما كان مقدسًا.. يقول أحدهم في إحدى الصحف المغتربة: وهنا يقوم الدين- المؤسسة بمراقبة مجال المقدس من خلال تحديد نطاق الحلال وفصله عما هو حرام وفي هذا الحيز وباسمه ارتكبت الأديان أكبر الخروقات ضد حقوق الإنسان المتصلة بالعقيدة والرأي والتعبير[2]
ويتابع الكاتب ليصف الحل فيقول: ينبغي أن يخاض الصراع في أفق تسييد العلمانية في المجتمع، هذا التسييد الذي نعتبر أن له مدخلين أساسيين في السياق العربي: إحداث قطيعة جذرية مع الإسلام المؤطر بالوسطية.. والتجرؤ على تناول مجال المقدس وضمنه مقاربة النص المقدس بمناهج العلوم الإنسانية[3]
الثاني: هو الدفع بأن الإسلام لا يحق لأحد أن ينصب نفسه متكلمًا باسمه، فهو دين الجميع ولا يمكن لشخص أو فئة أن يحتكر الكلام أو الدفاع عنه، بله تمثيله.
وهذا الأمر الثاني تجده موجودًا في كثير من المقالات والكتب التي تمثل فكر هؤلاء المعتدين على الحقيقة السائرين بلا اتجاه سديد.
الكلام عن حرية الفنان
1-لكل مجتمع أو أمة ثوابت وهوية وخصوصية:
في إطار هذه الثوابت والخصوصيات يتحاور المتحاورون ويختلفون يقبلون الرأي ويبحثون عن الأفضل، يختارون مما عند الآخرين ما يناسب وضعهم وأطرهم، فيطور، أو يحسن أداءهم وفكرهم، شرط ألا يكون التقليد رائدهم، والانبهار بالآخر وبكل ما عنده من غث وثمين قائدهم، فإذا انطلق جميع من في الأمة بفكرهم وآرائهم من هذا المنطلق، كان الرأي وتقليب وجهات النظر فيه واقعًا في المربع السديد الذي يؤدي إلى الإثراء والتقدم ضمن الإطار العام الضابط لحرية الرأي والتفكير والكتابة والفن، بحيث لا يمضي ركب التعبير بكل صورة إلى الفوضى القاتلة للأمة وتقدمها.
وفي هذا الإطار فقد ابتليت أمتنا هذه الأيام بأناس من بني جلدتنا، ادعوا- بكل صلف- أن عندهم بجدة الثقافة وقد اعتلى هؤلاء صهوات ادعاءات لم تدع لمثلها حتى الحضارات التي انبهروا بها، وركضوا خلفها عاصبي العيون..
إن الحضارة الغربية التي أرادونا أن نأخذ منها كل شيء بلا تبصر، تحيط كل أمة فيها نفسها بأطر واضحة من الثوابت والخصوصيات وتطلب من كل صاحب قلم أو رأي أو عقيدة مخالفة عدم الإعلان عما يخالف تلك الأطر، وإلا فالقانون والدستور لهم بالمرصاد، إن لم يلتزموا بما تواضعت عليه الأمة من أسوار يعتبر خرقها اعتداء على أمنها وبقائها، كما يعتبر تجديفًا يتعرض فاعله وقاتله إلى أشد العقوبات باعتباره نقضًا للأساسات والقواعد التي تقوم عليها تلك المجتمعات.
وليس بعيدًا عنا ما جرى في فرنسا- وهي أم الديمقراطيات- مع منع لبعض كتب جارودي ومحاكمته على رأيه والحكم عليه بالسجن والغرامة لأنه شكك في قضية المحرقة، باعتبار أن ذلك يناقض أمن المجتمع الفرنسي، وما تواضع عليه من احترام لتلك المقولة التاريخية المشكوك في إحصائياتها وتفاصيلها وأين من هؤلاء منع الحجاب في فرنسا باعتباره مناقضًا لعلمانية المجتمع الفرنسي والعلمانية ثابت من الثوابت للأمة الفرنسية، وليس بعيداً منا منع الأذان علنًا في بريطانيا، ومنع الإعلان بذبيحة الأضحية هناك، باعتبار أن ذلك يخالف الثوابت العامة لمشاعر البريطانيين، ثم أين منهم القوانين الغربية التي تمنع التجديف ضد المسيح وضد العلمانية والليبرالية، وليقرأوا إن شاءوا قانون مقاومة الإرهاب الأمريكي الذي عد سبة في وجه الحرية والديمقراطية، فضلاً عن انتهاكه الخصوصيات الاعتقاد والممارسات التي تقتضيها.
2-موقع الحرية من هذه الثوابت
يجب أن يفهم دعاة الفوضوية التي يحسبوها حرية، أن الأمم ما لم تضع أسوارًا تحافظ على ما في داخلها من خصوصيات وثوابت، فهي إلى ذوبان وزوال.. إن الغربيين بكل أممهم يتحاورون ويختلفون داخل العلمانية والليبرالية والرأسمالية، ويختلفون في أي السبل أنجع لتطبيق تلك الثوابت، وأيها أكثر ملاحة لتطوير الوسائط والأفكار داخل المنظومة، ولو فعلوا غير ذلك لبدأت مجتمعاتهم في الذوبان والزوال.
ويستخف بعض النقاد بعقول الناس، إذ يذهبون إلى القول: إن الأدباء والفنانين يؤدون عملهم بوسائط كتابية أو غير كتابية فيها الرموز والأساطير، والأساليب التي لا يفهمها إلا من اتقن وفهم ذلك الفن[4] وذلك ليسوغوا لهم كتاباتهم أو أعمالهم الخارقة لثوابت الأمة أو المعتدية على رموزها ومقدساتها، ولكن هذا مردود عليهم من ناحيتين:
أنه إذا كان ما يكتبه أو يعمله هؤلاء لا يفهمه أو يفقهه، ولا يستطيع أن يحكم عليه إلا من كانوا أدباء، فلمن يكتبون ما يكتبون إذن؟ وما نفع ما يكتبون إذا كان من يقرؤه لا يفهمه ولا يستطيع أن يحكم على معنى من معانيه.
ومن ناحية أخرى فإن هؤلاء يريدون تحويل الكتابة العربية وفهمها إلى كهانة لها سدنتها ومعلموها ومفسروها، ولها أسرارها الكهنوتية، ومؤسساتها الخاصة التي تقوم على تقديم الهوامش والشروح للمتون المستعصية على الفهم العادي، ولا ريب أن ما أقدموا عليه كان اعتداء على ثوابت الأمة، وخرقًا لأمنها الثقافي وتشويهًا لخصوصياتها الفكرية والأخلاقية بل والعقدية أحيانًا.
لقد قالتها عالية شعيب التي يدافع عن غلطتها «رجاء النقاش» قالتها في إحدى الفضائيات معتذرة عن غلطتها: إنها مرحلة وتجاوزتها.. أنا أحمل اسم والدي.. ولا يشرفني الانتماء إلى التيار الليبرالي فهم ليسوا أصحاب مبادئ وأنه لا تناقض بين الحرص على الخصوصية وبين التفاؤل الإيجابي غير المقلد تقليدًا أعمى..
إن التفسيرات التي يقدمها بعض الكتاب الذين يحاولون اختراق ثوابت ومقدسات الأمة بعد أن يقعوا في فخ القضاء- غير مقبولة فاللغة العربية ببيانها الواضح تفضح القائل ونحن كما يقول رجاء النقاش نفسه لا نريد أن ندخل إلى نوايا الكاتب لنحكم على كلماته الواضحة.. فالكاتب الذي ينفي قصة يوسف كما نفى طه حسين من قبل قصة إبراهيم معتد على كتاب الأمة ودستور حياتها، والكاتبة التي تريد أن تصلي على قدمي الوطن تعتدي على معنى الصلاة وتحولها إلى وثنية، عدا ما في تقديس تراب الوطن من التصاق غير محمود.
3-هل لهذا الخطاب المسمى بالحداثة من اتجاه؟
أحد طلاب الحداثة يدعونا إلى كل الفوضى المدمرة من خلال تعليب مقولاته بالسولوفان اللامع إنه يدعونا إلى:
إحداث قطيعة جذرية مع الإسلام السائد الذي أرسى دعائمه الشافعي في الفقه والأشعري في علم الكلام والغزالي في الفلسفة.
التجرؤ على تناول مجال المقدس وضمنه مقاربة النص المقدس بمناهج العلوم الإنسانية.
استئناف مشروع علي عبد الرازق في كتابه الإسلام وأصول الحكم، وهو يدعونا إلى كل ذلك من أجل ولوج مجال الحداثة التي يقف في طريق الوصول إليها كل ما توارثناه من الماضي[5
ويقول واحد آخر من هؤلاء مدعي الحداثة يبدو لي أن مساءلة الذات وتفكيكها أمران هما بالنسبة إلى المهمة الأولى للفكر العربي، إذا أراد الخروج إلى أفق الفكر والإنسان والحرية ويبدو أن الأساس الأول لتحقيق ذلك هو الخروج من البنية الدينية، ولا يبدأ هذا الخروج إلا بالفصل فصلاً كاملاً بين الدين والمؤسسة بحيث ينحصر الدين في كونه تجربة شخصية محضة لا تلزم إلا صاحبها[6]
كيف يتحول الدين إلى تجربة شخصية يا أدونيس؟ يجيب الرجل: وتنهض هذه الثقافة كما تمارس في المجتمع العربي على أسس يجب نقضها من أجل ثقافة تقوم على أسس أخرى[7] فإذا سألته مرة أخرى إلى ماذا سوف تقودنا أيها الرجل يقول: أرى أن هذه الثقافة يجب أن تتحرر من السياسة التي تهدف إلى التوحيد والتماثل وأن تتخلص بالمقابل من فكرة الممنوع، ومن مفهوم الحاجز، وتعلي من شأن التعدد والاختلاف وأن تفتح الأبواب أمام الرغبات.. ويأخذ الإنسان مكانه بوضعه فردية متميزة[8]
إنه قول واحد ينطلق منه هؤلاء.. هو الانفصال عن دين الله تمامًا.. والقضية لا هي حداثة ولا تجديد ولا ابتكار بل إنها بالنسبة لهم حرص على التخريب وعلى الهدم وحسب.. أما إلى أين المصير؟ وإلى أي شيء يدعوننا؟ إنهم لا يفقهون ولا يعون أنهم يريدون هدم التاريخ ومسح الذاكرة، ونقض الثابت الديني الصالح... وليكن بعد ذلك ما يكون.. لا يهم..!! وهم في ذلك متبعون لا مبتكرون ولا حداثيون. ولقد ظل أدونيس وأتباعه مخلصين لفكرة الهدم هذه حتى اللحظات الأخيرة ولكن بدون حداثة ولا تجديد.
أدونيس في كتابه الأخير «الكتاب» يعتبر كل زنديق ومارق وهدام في تاريخ أمتنا جدًا له وسلفًا مبدعًا، ويقول عن نفسه إنه منحاز لهؤلاء الرافضين الملحدين من أمثال ابن الراوندي وابن حيان وابن مقبل والقرامطة والمرجئة والدهرية وثورة الزنج وغير ذلك من الأسماء التي سارت في طريق الاعتداء على الوحي وادعاء الحرص على خروج الأمة من مأزقها الذي يتظاهر به هؤلاء إن هو إلا من باب ذر الرماد في العيون كي تضعف الرؤية، فتستر العورات الفاضحة وكي يتخفى المداحون لفكر هؤلاء وإنتاجهم خلف هذه الغلالة الرقيقة، فيموهون مواقفهم بشعارات الحرص هذه، وإلا فليقل لنا كاتب ناقد مثل رجاء النقاش: ما الذي جعله يكيل المديح أكيالاً لعمل أدونيس الأخير «الكتاب» فيقول عنه: هو عمل عجيب مدهش وأنا أسميه بلا تردد إلياذة العرب الجديدة مع أن أدونيس في هذه الموسوعة يتعرض لتاريخ العرب فعلاً منذ سقيفة بني ساعدة إلى عام ١٦٠هـ، منتهيًا بخروج يوسف البرم على الخليفة المهدي في خراسان عارضًا هذا التاريخ بطريقة جمعت كل المكاره الموجودة فيه على أنها الصورة الوحيدة له، فهو تاريخ صراع على الحكم وصراع طبقي وتاريخ بطش وقتل وموت لا هوادة ولا رحمة فيه[9] وكل ذلك بصيغ تكره العربي في تاريخه، وتجعله يتبرأ منه، هذا إن لم يكن عنده فكرة عن نصاعته في فتوحه وعدالته في التعامل مع البلاد المفتوحة، وسماحته في معاملة أصحاب الأديان الأخرى، وعظمته في عصر التدوين وبدء انتشار العلم والمعرفة.
ترى هل هذا العرض التاريخي المزري البائس هو الذي دفع النقاش لكيل المديح الذي كاله لأدونيس، أم أن احتفاء العلمانيين المصريين الزائد على الحد بأدونيس أثناء زيارته الأخيرة للقاهرة، هو الذي جعله يلحق حاله، ليكون له يد مع الأيادي العلمانية الانتقائية في تكريم رمز من رموز التهديم لكيان هذه الأمة.
الهوامش
[1] كاتب وناقد سوري
2، 3 عبد الله إصباح (مغربي): الدين وحقوق الإنسان، جريدة القدس العربي في ٤/١٣ ٢٠٠٠م.
[4] رجاء النقاش، مجلة الوطن العربي العدد (١٢٠٤) في ٢٠٠٠/٣/٣١ م. ص ٤٦.
[5] القدس العربي. مرجع سابق
(6) (7)أدونيس النظام والكلام ص ٥٧٥٦
[9] غازي التوبة مجلة الأدب الإسلامي، عدد ۱۷ ص ٤١