العنوان دعوة وسائل الإنكار غير المباشرة
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر الثلاثاء 17-سبتمبر-1985
مشاهدات 77
نشر في العدد 733
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 17-سبتمبر-1985
* لا بد أن تحمل المقدمة على ثناء لبعض
الخصال الحسنة عند صاحب المنكر.
* الخاتمة لا تخلو في رسائل الإنكار من
أصلين مهمين، الترغيب والترهيب، والثاني تبيان الدافع لإرسال الرسالة
* القاعدة الثانية عشرة.. وسائل الإنكار
غير المباشرة..
هي الوسائل
المتنوعة التي تستخدم عند عدم التمكن من مواجهة صاحب المنكر وجهًا لوجه بسبب صعوبة
الوصول إليه لبعده، أو بسبب منصبه، أو ما يترتب على مواجهته من الأضرار، والتي لا
يتحقق بسبب وقوعها إزالة المنكر، أو بسبب الخوف من التلعثم واهتزاز المنطق حين
المواجهة المباشرة.
من هذه الوسائل
الرسالة، والكتاب، والمقال الصحفي، وشريط التسجيل الصوتي، والفيلم السينمائي،
والهاتف، والملصق، وغيرها من الوسائل غير المباشرة..
1- الرسالة..
الرسالة من أقدم
الوسائل غير المباشرة بالإنكار، فقد استخدمها سليمان عليه السلام عندما أرسل إلى
الملكة بقليس يدعوها للإسلام، واستخدمها رسولنا صلى الله عليه وسلم بعد الحديبية
عندما أرسل الرسائل إلى الملوك والأمراء يدعوهم للإسلام وينكر عليهم ما هم فيه من
الضلال، وهي من أكثر الوسائل غير المباشرة تأثيرًا بصاحب المنكر إذا أحسن المرسل
صياغتها بالحكمة والموعظة الحسنة.
2- عناصر الرسالة..
أ- المقدمة:
والمقدمة بالرسالة بمثابة الحليب للطفل قبل فطمه، وكالبنج قبل إجراء العملية
الجراحية له، فماذا سيحصل للطفل إن فطمناه قبل إرضاعه بالحليب؟! وماذا سيحدث
للمريض لو أجرينا له العملية دون أن نعطيه البنج؟!
فمما لا شك فيه
أنه ستنتج نتائج سلبية للطفل والمريض مما لا يحمد عقباه، وكذلك لو أرسلنا الرسالة
دون مقدمة، فإنه ربما أدت إلى نتائج سلبية لم نتوقعها تؤدي إلى تأصيل المنكر
وإصرار أصحابه عليه.
فالمقدمة هي
التي تهيئ المرء على تقبل الموضوع، وعلى هذا فلا بد أن تحوي المقدمة على ثناء لبعض
الخصال الحسنة عند صاحب المنكر، أو ثناء لبعض الخصال الحميدة والمواقف الطيبة
لقبيلته أو بعض رموز قبيلته أو أبيه أو جده. أو تحوي على شرح لأصل من الأصول، أو
معنى من المعاني على شكل آية قرآنية، أو حديث، أو مثل مشهور.
أو تحوي على
تذكيره بموقف قديم له أو كلمة طيبة له قالها قبل اقترافه للمنكر، فربما يهز ذلك
فيه النخوة، وتجعله أكثر تقبلًا للب الموضوع..
ب- لب الموضوع:
وفيه يكتب صلب الموضوع ويبتعد فيه عن الاستفزاز ما استطاع، ويبسط المعاني ويختار
أسهل الكلمات، ويبتعد عن الإطالة، وليكن ما أراد إنكاره مدعومًا بالأدلة من الكتاب
والسنة وأقوال الصحابة رضي الله عنهم والصالحين، أو مدعومًا بالأدلة التاريخية،
وكلما كانت الرسالة مدعومة بالأدلة كانت أدعى للقبول.
ج- الخاتمة:
وتتنوع الخاتمة، وتعتمد في تنوعها على موضوع الرسالة، ولكنها لا تخلو غالبًا في
رسائل الإنكار من أصلين مهمين، الأول هو الترغيب والترهيب، والثاني وفيه تبيان
الدافع لإرسال الرسالة، والتي يبين فيها المرسل مدى حبه وشفقته وحرصه على صاحب
المنكر، الأمر الذي دفعه لإرسال الرسالة، حتى يعرف المرسل إليه أنه لم يكن قصد
المرسل الاستهزاء والكراهية والاستنقاص من قيمته.
* رسائل الرسول صلى الله عليه وسلم:
ولو تفحصنا
رسائل الرسول صلى الله عليه وسلم التي بعثها للملوك والأمراء، لم نرها تخرج عن هذه
العناصر الثلاثة، وسوف نتناول هنا أربع رسائل بعث بها الرسول صلى الله عليه وسلم
بعد الحديبية.
أ- رسالة إلى
كسرى..
المقدمة- "بسم
الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله، إلى كسرى عظيم فارس، سلام على من اتبع
الهدى، وآمن بالله ورسوله، وشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا
عبده ورسوله.
الموضوع- أدعوك
بدعاية الله، فإني أنا رسول الله إلى الناس كافة لينذر من كان حيًا ويحق القول على
الكافرين.
الخاتمة-
ترغيب.. أسلم تسلم.
ترهيب- فإن أبيت
فعليك إثم المجوس" (169).
ب- رسالته إلى
هرقل..
المقدمة- "بسم
الله الرحمن الرحيم.. من محمد رسول الله، إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع
الهدى.
الموضوع- أما
بعد فإني أدعوك بدعاية الإسلام.
الخاتمة-
ترغيب.. أسلم تسلم، يؤتك الله أجرك مرتين.
ترهيب- فإن
توليت، فإن عليك إثم الأريسيين.
استشهاد بدليل:
﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا
وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا
يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا
فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ (آل عمران: 64) .(170)
ج- رسالته إلى
المقوقس..
المقدمة- "بسم
الله الرحمن الرحيم.. من محمد عبد الله ورسوله، إلى المقوقس عظيم القبط سلام على
من اتبع الهدى.
الموضوع- أما
بعد: فإني أدعوك بدعاية الإسلام.
الخاتمة-
ترغيب.. أسلم تسلم، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين.
ترهيب- فإن
توليت، فإن عليك إثم القبط.
استشهاد بدليل-
﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا
وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا
يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا
فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ (آل عمران: 64) (171).
د- رسالته إلى
النجاشي..
مقدمة- "بسم
الله الرحمن الرحيم.. من محمد رسول الله إلى النجاشي ملك الحبشة، أسلم أنت، فإني
أحمد إليك الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن، وأشهد أن عيسى
بن مريم روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم البتول الطيبة الحصينة، فحملت بعيسى،
فخلقه الله من روحه ونفخه، كما خلق آدم بيده.
الموضوع- وإني
أدعوك إلى الله وحده لا شريك له، والموالاة على طاعته، وأن تتبعني، وتؤمن بالذي
جاءني، فإني رسول الله، وإني أدعوك وجنودك إلى الله عز وجل.
الخاتمة- بيان
الدافع للإرسال- وقد بلغت ونصحت، فاقبلوا نصيحتي.
الترغيب-
والسلام على من اتبع الهدى (172).
يقول الدكتور
أحمد غلوش «وبقراءة هذه الكتب نلحظ فيها ما يلي:
أ- وحدة موضوع
سائر الكتب لأنها كلها تتضمن الدعوة إلى الإسلام ابتداءً من الإيمان بالله إلى
الإيمان باليوم الآخر.
ب- مراعاة حال
المرسل إليه فإن كان من أهل الكتاب بين رسول الله صلى الله عليه سلم له في خطابه
أن الإسلام يتضمن الإيمان بعيسى عليه السلام ورسالته، وأن محمدًا هو بشرى موسى
وعيسى عليهم جميعًا الصلاة والتسليم.
ج- تضمن الكتب
للترغيب والترهيب عن طريق إبراز الحساب الأخروي وتحديد مسؤولية من بلغته الدعوة (173).
* عمر يراسل رجلًا لإصلاحه..
وتلقف الصحابة
رضي الله عنهم هذا الأسلوب بعد الرسول صلى الله عليه وسلم، فهذا هو الفاروق يرسل
رسالة إلى رجل ذي بأس، وكان يوفد إليه لبأسه، وكان من أهل الشام، وفقده يومًا فسأل
عنه فقيل: تتابع في هذا الشراب، فدعا كاتبه فقال اكتب: «من عمر بن الخطاب إلى
فلان.. سلام عليك..
" فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا
هو ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا
إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ (غافر: 3)" (174).
وكان تأثير
الرسالة عظيمًا على الرجل، فما إن استلمها وقرأها أخذ يقول: «غافر الذنب، قد وعدني
الله عز وجل أن يغفر لي، وقابل التوب شديد العقاب، قد حذرني الله عز وجل عقابه. ذي
الطول- والطول الخير الكثير. لا إله إلا هو إليه المصير، فلم يزل يرددها على نفسه،
ثم بكا، ثم نزع فأحسن النزع"(175).
* رسالة الوليد لأخيه خالد..
تخبرنا كتب
السيرة أن سبب إسلام خالد بن الوليد، هو رسالة بعثها أخوه الوليد له يحثه على
الدخول في الإسلام وجاء فيها:
"بسم الله الرحمن الرحيم.. أما بعد،
فإني لم أر أعجب من ذهاب رأيك عن الإسلام، وعقلك عقلك! ومثل الإسلام جهله أحد؟
وقد سألني رسول
الله صلى الله عليه وسلم وقال: أين خالد؟ فقلت يأتي الله به، فقال: «مثله جهل
الإسلام؟ ولو كان جعل نكايته وجده مع المسلمين كان خيرًا له، ولقدمناه على غيره".
"فاستدرك
يا أخي ما قد فاتك من مواطن صالحة" (176).
وواضح جدًا ذكاء
الوليد في صياغة المقدمة التي ذكر فيها بعض خصال الخير من الذكاء والعقل الراجح،
وزاد في قوة الرسالة استشهاده بقول الرسول صلى الله عليه وسلم في خالد، ثم ختمها
بعبارة ترغيبية يحثه فيها على استدراك ما فات من الخير. لذلك كان تأثيرها بالغًا
وسببت دخوله في الإسلام.
يقول خالد عن
رسالة أخيه «فلما جاءني كتابه، نشطت للخروج وزادني رغبة في الإسلام، وسرني سؤال
رسول الله صلى الله عليه وسلم عني" (177).
* رسالة أنس بن مالك إلى عبد الملك..
"عن علي بن زيد قال: كنت في القصر مع
الحجاج وهو يعرض الناس من أجل ابن الأشعث، فجاء أنس بن مالك حتى دنا فقال له
الحجاج: هيه يا خبثة، يا جوال في الفتن، مرة مع علي بن أبي طالب، ومرة مع ابن
الزبير، ومرة مع الأشعث أما والذي نفسي بيده، لأستأصلنك كما تستأصل الصمغة،
ولأجردنك كما يجرد الضب، فقال: من يعني الأمير أصلحه الله؟
قال الحجاج:
إياك أعني، أصم الله سمعك، فاسترجع فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، ثم خرج من
عنده"(178).
ولما علم أنس
رضي الله عنه أن الحجاج رجل لا يمكن التفاهم معه، وأنه شديد البطش متهور، استخدم
أسلوبًا آخر بالإنكار، وهو أسلوب الرسالة إلى من يستطيع الإنكار بيده، فكتب إلى
الخليفة عبد الملك يشكو الحجاج، ويقول في كتابه: "لو أن رجلًا خدم عيسى بن
مريم أو رآه، أو صحبه تعرفه النصارى، أو تعرف مكانه، لهاجرت إليه ملوكهم، ولنزل من
قلوبهم بالمنزلة العظيمة، ولعرفوا له ذلك، ولو أن رجلًا خدم موسى أو رآه، تعرفه
اليهود لفعلوا به من الخير والمحبة وغير ذلك ما استطاعوا.
وإني خادم رسول
الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه، ورأيته وأكلت معه، ودخلت وخرجت، وجاهدت معه
أعداءه، وإن الحجاج قد أضر بي وفعل وفعل.
قال محمد بن
الزبير: أخبرني من شهد عبد الملك يقرأ الكتاب، وهو يبكي، وبلغ به الغضب ما شاء
الله، ثم كتب إلى الحجاج بكتاب غليظ، فجاء إلى الحجاج فقرأه فتغير ثم قال إلى حامل
الكتاب: انطلق بنا إليه نترضاه"(179).
هوامش:
(169 رواه البخاري 96/8
كتاب المغازي.
(170) البخاري 6/ 78، 79 كتاب الجهاد.
(171)
ابن سيد
الناس 2/ 265، 266.
(172) مسلم 1774 كتاب الجهاد.
(173) الدعوة الإسلامية 423.
(174) تاريخ عمر بن الخطاب- لابن الجوزي ص
154.
(175) تاريخ عمر بن الخطاب- لابن الجوزي ص
154.
(176) البداية والنهاية 239/4.
(177) البداية والنهاية 239/4.
(178) وله تكملة- قال الهيثمي: رواه
الطبراني. وعلي ابن زيد ضعيف وقد وثق مجمع الزوائد 274/7.
(179) البداية والنهاية 65/9.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل