; دعوة للتغيير.. نظام الامتحانات.. أمسى عقيماً.. ومحطماً للشباب | مجلة المجتمع

العنوان دعوة للتغيير.. نظام الامتحانات.. أمسى عقيماً.. ومحطماً للشباب

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 12-يونيو-1973

مشاهدات 12

نشر في العدد 154

نشر في الصفحة 10

الثلاثاء 12-يونيو-1973

       ·  البديل: مدرس ثقة يقدر - بحرية - مستويات تلاميذه

حين يلتقي الإنسان في هذه الأيام ببعض تلاميذ المدارس الذين تخلفوا في امتحانات العام الدراسي المنتهي ولم يوفقوا في النجاح أو الذين وفقوا فيه ولم ينالوا من الدرجات ما يتفق مع تطلعاتهم، أو أولئك الذين تقدموا إلى الامتحانات ولكنها جاءت على خلاف ما توقعوا وفي غير ما كرسوا جهودهم له..

حين يلتقي الإنسان بمثل هؤلاء التلاميذ يسمع منهم ما يشعر بالسخط على الامتحانات وعلى واضعيها وعلى مراقبيها وعلى مصححيها وحتى على الذين درسوهم ووجهوهم خلال العام الدراسي.. وتتلاحق عباراتهم المعبرة عن التبرم بوضعهم وعدم الرضا عن نتائجهم وطرح أسباب ذلك كله على المتصلين بتربيتهم وتعليمهم.

وحين يلتقي الإنسان بالمربين والمعلمين يسمع منهم ما هو أكثر غرابة من ذلك.. يسمع قصصًا عن تلاميذ أذكياء كانوا هم الأوائل خلال العام الدراسي.. لكنهم انتكسوا في الامتحانات ولم يحققوا أدنى نتيجة مما كان يتوقع أمثالهم.. ونسمع عن تلاميذ آخرين أمضوا سنتهم الدراسية بالعبث وقلة الاهتمام.. وخاضوا الامتحانات برصيد ضئيل من المعرفة.. ولكنهم استطاعوا تحقيق نجاح غير متوقع.. ونسمع أيضاً أن تلاميذ ينتقلون من سنة إلى سنة بنجاح فإذا بدأ العام الدراسي كشفت الممارسة العملية في الدروس عن غباء تخلف عقلي مريع يجعل المدرس يذهل لهول ما يرى ويستغرب كيف استطاع هذا التلميذ اجتياز كل هذه السنوات والوصول إلى هذه المرحلة المتقدمة دون أن يكون عنده من العلم أو المعرفة أو حتى الذكاء ما تؤهله لاجتياز أي من المراحل السابقة.

وإذا سألت المشرفين على المراقبة في الامتحانات أو التصحيح وجدت أن كثيرًا من التلاميذ يعتمدون الغش في تقديم الامتحان كطريقة سهلة للنجاح.. كما تجد شكاوى من عدم الدقة في تصحيح أوراق الامتحان وإعطاء الدرجات دون دراسة واعية للمادة المكتوبة لأسباب قد تكون منها ضغط العمل أو سوء التهوية في مكان التصحيح أو كثرة الضجة فيه أو انشغال المصحح بمعاملات السفر أو استعجاله لانتهاء العمل.

إذن في نظام الامتحانات ما يستحق النظر. وإذا تحدثنا عن الامتحانات فلا يمكن أن يكون هذا الحديث منفصلًا عن الحديث عن الغاية من العلم والمعرفة ومن وجود المدارس نفسها.

إذا كانت الغاية من المدارس هي إيجاد حرفة يستطيع الطالب بها أن يجد له عملًا يعيش منه.. ولا يمكنه أن يجتاز هذه الحرفة إلا بعد أن يجتاز امتحانات ويحصل على شهادة.. إذا كانت هذه هي الغاية -والحقيقة أنه غاية يستبطنها كثير من المدرسين وتظهر في توجيهاتهم للطلاب وطريقتهم في الامتحانات -حتى إذا كانت هذه هي الغاية فإن من واجبنا أن نخرج أصحاب حرف قد أجادوها وبرعوا فيها وأصبحوا مؤهلين لاحتراف حرفهم هذه تأهيلًا حقيقيًّا يجعلهم ينجحون في سوق العمل المتاح.

أما إذا كانت الغاية هي تربية أبناء أمتنا تربية تجعلهم يفهمون أنهم أمة قائدة من واجبها أن تسارع لتسلم زمام هذه القيادة من العالم وتعيد بناء حضارته من جديد على أساسين من توجيه -الله سبحانه في إعمار الكون وبناء الحضارة وإخضاع العباد لرب العباد وحده وتحريرهم من عبودية البشر وإطلاق العقل من عقاله ليحقق في هذا الإطار كل ما يمكن تحقيقه من سعادة للإنسان في أي مكان كان.

إذا كانت هذه هي الغاية من إيجاد المدارس ومن إشراف وزارة التربية فإن الأمر يختلف.. وينبغي بعد ذلك أن نفكر في وسائل عصرية ومناسبة تؤدي إلى هذه الغاية.. وطبيعي حين نقتبس الوسائل من هنا أو هناك سنجد أنفسنا مساقين إلى غايات لم تكن في حسابنا إذا لم نكن بالغي اليقظة والحذر.

إن الاستفادة من تجارب الآخرين ووسائلهم أمر ممكن.. لكن أخذ هذه التجارب والوسائل وتطبيقها كما هي قوالب جامدة، لا يمكن أن تؤدي بنا إلا إلى تشويه غاياتنا بل والابتعاد عنها لنسير في طرق متعرجة ملتوية لا تؤدي بنا إلا إلى الضياع والعدم، فلا بد لكل من يقتبس أو يبتكر في الوسائل أن يضع دائمًا الغايات نصب عينيه ويخطط بحيث يصل إليها بأقرب طريق وأبسط طريق وأشرف طريق.

المدرس.. التلميذ.. المنهج

أمامنا في عملية التربية ثلاثة أمور: المدرس.. والتلميذ.. والمنهج، وأهم هذه الأمور المدرس.. إذ هو المربي، والموجه.. والمنفذ للمنهج.. والملقن للعلم.. والمحقق للغاية التي اتفقنا عليها.. فإذا استطعنا أن نجد المدرس المناسب حالفنا النجاح في كل شيء.

فالمدرس أولًا ينبغي أن يؤمن إيمانًا عميقًا بالغاية من عمله ويندفع بحماس واع لتنفيذ هذه الغاية.. ولا بد أن يكون مسلحًا بالعلم والثقافة التي تعينه على أداء واجبه.. ولا بد أن يكون مرنًا في وسائله يختار ما يجده أنسب لبلوغ الغاية بتلاميذه فيُحدَّد له حدود ومعالم يكون حر التصرف في إطارها.

ولما كان المدرس هو العنصر الفعال والمهم في العملية التربوية فلا بد أن يقوم بقيمته الحقيقية ويقدر بقدره الطبيعي.. ويعطى من الصلاحيات ما يمكنه من تنفيذ مخططاته هو الذي يؤمن به وينفعل له ويتحمس لإبرازه.

انطلاقًا من هذه الفرضيات.. لا بد أن تقل الرقابة على المدرس إلا في الحدود التي يحتاجها هو من استرشاد أو استفسار أو طلب لتوجيه أو اطلاع على تجارب جديدة أو مناظرات ومناقشات في طرق أخرى للتدريس.

ولا بد أن يكون تقدير المدرس أيضًا مستندًا إلى ما قدم من جهد وما أنتج من تلاميذ وما حقق من نجاح على طريق الغاية المحددة.

ولما كان المدرس له كل هذه الأهمية.. ونريد أن نعطيه أقصى حرية ممكنة في الحركة والعمل التربوي، فلا بد أصلًا أن يكون أهلًا لهذه الثقة التي نوليه إياها.. وإذا كنا لا نستطيع بسهولة أن نجد هذه النوعية من المدرسين فلا بد أن نعمل على إيجادها، إن في بناء المدرس بادئ ذي بدء أو في اختياره من بين المجموعات التي تقدم طالبة العمل في هذا المجال الذي نريد.

فإذا استطعنا أن نجد المدرس الكفء.. وإذا أوضحت الغاية من عملية التربية والتي ستوضع المناهج الدراسية والطرق التربوية بوحي منها.. فإن التلميذ خامة طيعة تستطيع الاستجابة والتفاعل.. بل وتحقيق الذات من خلال هذا العمل المتكامل.

ومن الطبيعي ألا يكون هذا العمل في مجتمع تتناقض الأعمال في مؤسساته المختلفة.. وليس هنا مجال للحديث عن ضرورة تعاون هذه المؤسسات في سبيل الوصول إلى غاية واحدة، بل إن النقد الذي يمكن أن يحدث في التوجيه سيهدم كل ما يمكن بناؤه في محيط المدرسة.

وإذا كنا قد أعطينا المدرس ثقتنا ومنحناه حرية الحركة والعمل مع تلاميذه في الإطار المتفق عليه.. فإن الوسائل سيدخلها تغير كثير ويحدث فيها تطوير سريع، ولن نجد بعد ذلك مثل هذه المشكلات التي قدمنا بها إلى هذا الموضوع.

إن عمليات الامتحانات التي تدخل الرعب والهلع في قلوب التلاميذ وتضيع الثمين من أوقاتهم وترهق المدرسين ووزارة التربية.. كل ذلك ودون أن تكون وسيلة مثالية لتقويم التلاميذ.. عمليات الامتحانات هذه سيتناولها التغيير والتطوير.. وسيدخل المدرس الكفء المخلص الأمين الذي أردناه عنصرًا أساسيًّا في تقدير تلاميذه ومنحهم إجازة النجاح والانتقال من سنة إلى سنة أو حجب هذه الإجازة ومطالبتهم ببذل مزيد من الجهد حتى يصبحوا في مستوى لائق بالمرحلة التي يريدون اجتيازها.

● إن هذا المدرس الأمين يرافق تلاميذه طيلة عام دراسي كامل وقد يكون معهم في أعوام سابقة؛ لذلك يكون هو بالذات وليس غيره أقدر على فهم تلاميذه وأدق في تقديرهم، وله حق آخر أيضًا في أن يختار الطريقة الناجحة يقتبسها أو يبتكرها ليتأكد من صحة هذا التقدير وسيكون هو وحده فقط المسؤول عن هذا التقدير، وسيقال حينئذ إن هذا الرجل هو تلميذ فلان من الأساتذة، أجازه فلان من المدرسين فتتحدد المسؤولية ولا تتبدد الجهود.

أما إذا بقينا على هذه الطرق التقليدية.. فإننا سنظل نعاني من تخريج تلاميذ يحملون شهادات فقط مع كره متأصل للعلم والمعرفة ونفور عميق من الكتاب والقلم ورغبة ملحة في البحث عن العمل بهذه الشهادة المدعاة.

الرابط المختصر :