; دعوة كهذه.. أين رجالها منها؟ | مجلة المجتمع

العنوان دعوة كهذه.. أين رجالها منها؟

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 23-سبتمبر-1975

مشاهدات 1

نشر في العدد 268

نشر في الصفحة 24

الثلاثاء 23-سبتمبر-1975

دعوة كهذه.. أين رجالها منها؟

بقلم: أبو وليد

 

ما أعظم عقيدة الإسلام.. كيف غيرت النفوس.. وبدلت المشاعر والأحاسيس فإذا هي مرهفة صادقة.. وغيرت مناهج التفكير والتبصر فإذا بها قويمة متزنة، ووضعت لكل جارحة في الجسد رسالة.. فإذا بصاحبها يسمو إلى مصافِّ الملائكة.

ولله در أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف تشربوا عقيدة الإسلام.. امتزجت بها دماؤهم وأرواحهم فانطلقوا بها رجالًا مثابرين فإذا بها تهيمن على واقع الحياة والبشرية... واستقرت منهم في الأعماق وفاضت بنورها في الجنبات... فانطلقوا بها أبطالًا فوارس رافعين لواءها في جنبات المعمورة وفي أعماق الحياة البشرية.

لقد سطروا لنا تاريخًا مشرفًا بدمائهم الزكية وأرواحهم السامية التي عبقت بالحب الخالد لله.. والشوق العارم للقائه... دفعهم ذلك إلى الإبداع والأعمال الرائدة.. فاستقبلوا ضربات الموت بالصدور فكأنما هي قبلات الأحباب.

إن عقيدة قدمت في ساحات الوعي وعلى أعواد المشانق أمثال هؤلاء الأفذاذ، لا ترضى اليوم من أبنائها- ممن يدعون الانتساب إليها- إلا من هم على شاكلة أولئك إخلاصًا وفهمًا وحركة.. فليس في دعوة الإسلام متسع لأولئك المتقاعسين الذين يحذقون صنع الكلمات... ولا يحسنون صنع البطولات.. يتشدقون بمناهج التفكير وأساليب الحركة والعمل، ولا يتحركون وراء ذلك خطوة واحدة.. ولا أولئك الذين شغلتهم الدنيا بمغرياتها فلا يقدمون لعقيدتهم إلا حثالة أوقاتهم.. هؤلاء وأولئك غير جديرين بالانتساب إلى الإسلام العظيم فضلًا عن حمله والحركة به.. أولئك جميعًا لهم مكان في ملاجئ المقعدين والعجزة...

إن عقيدة الإسلام تأبى أن تساوي هؤلاء النائمين بأولئك الذين قدمتهم ضريبة للعزة والكرامة وتحقيق وعد الله في الأرض..

وواقع العمل الإسلامي اليوم يشهد أزمة حرجة.. أزمة في الدعاة الربانين المثابرين الذين يتقنون الفهم والتخطيط.. وأزمة أشد في الدعاة الربانيين المثابرين الذين يتقنون الحركة والتطبيق.. فما أكثر الدعاة الذين يجوبون ساحة العمل الإسلامي اليوم، لكن الكثرة منهم ميالة إلى الدعة والراحة.. فهي تقدم للدعوة سـويعات ودراهم معدودة... وللدنيا أيامًا وكنوزًا مخبوءة.. أولئك جعلوا زخارف الدنيا قبلتهم ومنحوها جل جهدهم، وهم يشاركون في الدعوة فينالون نعيمها ولو حدثت فتنة لما صبروا على بلوائها.. لأن العمل للإسلام عندهم أصبح عادة مكررة.. فصلواتهم جافة خلت في أغلب الأحيان من الخشوع، وكذا تلاوتهم ودعاؤهم وسائر ما يفعلون.. لأن القلب منهم انشغل عن الله وعن دعوة الله.. فانطفأ الشوق العارم... وزال الخشوع المهيب... واختفت دموع الخوف والرهبة.. فكيف لا يختفي العمل الدائب والمثابرة؟

أجل هناك أزمة حرجة.. ووجود هذه الأزمة- في رأيي- قرين للعمل المترهل الذي يفقد أرضه الصلبة وأفقه الواسع الممتد، وحركته المتقدة..

صحيح أن ساحة العمل لم تعدم أولئك المثابرين الخلص الذين محضوا ربهم النية والتوجه.. وقدموا لدعوتهم مهجهم وطاقاتهم.. لكنها قلة تحترق من أجل دعوتها، كي تسود الفراغ المتعطش لأمثالهم وكي تنير للآخرين مشاعل الهداية على الدرب الطويل.. 

فعلى المتقاعسين ممن يدعون الانتساب لدعوة الإسلام وأنهم حملة رسالته، أن يتفهموا هذا الأمر جيدًا، وأن يتبينوا خطورة موقفهم، وإلى أي نهاية يتقهقرون.

إنهم يخسرون كثيرًا حين يتنصلون من العمل الجاد، ولا يبقون إلا على المظهر الأجوف والصورة الخرساء.. أقول يخسرون.. نعم يخسرون.. فالدعوة لها رب ينصرها ويقيض لها من هم أهل لحملها والسير بها.. والله قد تكفل بذلك ولا يعجزه شيء.. 

أما هم فيخسرون الكثير... يخسرون لحظات الأنس بالله.. وحلاوة الجهد والتضحية في سبيل المبادئ.. وكل المعاني النبيلة التي لا يستشعرها إلا أصحاب الهمم العالية والعزائم المتدفقة، الذين يعيشـون لمبادئهم ويموتون في سبيلها.. ويؤثرون حياة السمو والمثابرة- مع النصب والتخفف من متاع الأرض- على حياة الدون والدعة- مع الراحة والاستزادة من المتاع.. أولئك يتذوقون طعم الحياة الحقة ويشعرون بها تتجدد في كل لحظة وكل خفقة.. أما هؤلاء فيستسيغون طعمها في البداية ثم يداخل السأم نفوسهم وأرواحهم، لأنها حياة هامدة رتيبة.. تخلو من فوران الدم وخفقان القلوب... وفي اللحظة التي يستشعر أولئك المثابرون بها حياة جديدة، تموت في هؤلاء المتقاعسين معانٍ وطاقات عظيمة.. إنهما شجرتان شجرة تقوى مع الزمن.. امتدادًا في الأرض بجذورها.. واتساقًا في السماء بأغصانها.. وشجرة تذبل رويدًا رويدًا.. فتتهشم أغصانها وينخر السوس ساقها إلى أن تصير في الأرض جثة هامدة.. فشتان ما بينهما..

﴿ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾. (الجمعة: 4)

أبو الوليد- الكويت

 

الرابط المختصر :