العنوان قاعدة أخف الضررين في عملية الإنكار
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر الثلاثاء 10-سبتمبر-1985
مشاهدات 76
نشر في العدد 732
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 10-سبتمبر-1985
إن معرفة هذه القاعدة أصبح ضروريًا أكثر من أي
وقت مضى لشباب الحركة الإسلامية نظرًا لشراسة الباطل، وحتى يكسبوا القاعدة الأكبر
إلى جانبهم.
ماذا سيجني دعاة الحق عندما يقاطعون التعليم
الحكومي بحجة أن فيه أشياء تخالف شرع الله أكثر من إعطاء الفرصة لأصحاب الأفكار
الهدامة ليتسلموا دفة التوجيه التربوي؟
يجب ألا يتضمن الأمر بالمعروف فوات أكثر منه،
أو حصول منكر فوقه، ولا يتضمن النهي عن المنكر حصول أنكر منه أو فوات معروف أرجح
منه.
عقلها حين ضيّعها الآخرون
إن الشعور بالعقاب والثواب الرباني عنصر مشترك
لكثير من الأخلاق الإسلامية، لذلك كثر ذكر هذا الأمر في الكتاب والسنة، وبذلك فهو
لا بد وأن يكون أحد العناصر البارزة المعينة على ممارسة قاعدة
"المحاسنة". الأمر الذي حدا بالإمام الحسن البصري أن يهدي طبقًا فيه
رطبًا لرجل قد اغتابه وأساء إليه. وأمام دهشة الرجل المسيء، لهذا التصرف غير
المتوقع، وقبل أن يسأل عن مبرر هذا الإهداء، يقول له الحسن: "أهديت إليَّ
باغتيابك لي حسناتك، فاستحيا الرجل ولم يعد يذكره"
(160).
ورأى الحسن يومًا رجلين يسب أحدهما الآخر
"فقام المسبوب وهو يمسح العرق عن وجهه ويتلو ﴿وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ
ذَٰلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُور﴾ (الشورى: 43).
فقال الحسن: -لله دره- "عقلها والله حين
ضيعها الجاهلون" (161).
القاعدة الحادية عشرة: أخف الضررين
لوط مع قومه
يقول تعالى ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا
سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَٰذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ، وَجَاءَهُ
قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِن قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ ۚ
قَالَ يَا قَوْمِ هَٰؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ ۖ فَاتَّقُوا اللَّهَ
وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي ۖ أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ﴾ (هود: 77-78) (162).
يقول الإمام الشوكاني: "لما خرجت الملائكة
من عند إبراهيم، وكان بين إبراهيم وقرية لوط أربعة فراسخ، جاءوا إلى لوط، فلما
رآهم لوط وكانوا في صورة غلمان حسان مرد "سيء بهم" أي ساءه مجيئهم،
"وضاق بهم ذرعًا" والمعنى أنه ضاق صدره لما رأى الملائكة في تلك الصورة
خوفًا عليهم من قومه، لما يعلم من فسقهم وارتكابهم لفاحشة اللواط ﴿وَقَالَ هَٰذَا
يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ أي شديد" (163).
إن لوطًا يواجه الآن منكرًا بيّنًا، وهو لا
يملك العدد ولا العدة حتى يردهم عما يريدون من منكر، فكل رجال القرية جاءوا إليه
"يهرعون". وأمام هذه الفورة المحمومة لا بد له أن يُنكر بحكمة بالغة، كي
يتجنب ما يمكن أن تسببه حدة الإنكار، والرفض الجازم من مضاعفات. إنه أمام قوم قد
انسلخوا من فطرة الإنسان وأصبحت حتى البهائم خيرًا منهم. ومع علمه بسوء أخلاقهم
وانحراف فطرتهم، نراه يعرض بناته الطاهرات العفيفات واللاتي تربين في بيت النبوة،
يعرضهن لقومه للزواج، ويقبل بهم كأزواج لبناته مع سوء خلقهم، حتى يتجنب ضررًا
ومنكرًا أبلغ وأعمق من ضرر زواج بناته بقوم لهم مثل هذه الصفات، ﴿يَا قَوْمِ
هَٰؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾.
إن معرفة هذه القاعدة أصبح ضروريًا أكثر من كل
وقت مضى لشباب الحركة الإسلامية نظرًا لشراسة الباطل، وحتى يكسبوا القاعدة الأكبر
إلى جانبهم ليكونوا لهم الحماة والقواعد في الغد المشرق.
أمثلة من الواقع
هذا الواعظ المفوه الذي يجتمع إليه آلاف
المستمعين، وتتعطل حركة المرور إذا حان موعد الموعظة، والذي يهتدي بتوجيهاته
ومواعظه العشرات من الناس، وتجمع الآلاف من الأموال بعد كل محاضرة للفقراء
والأرامل والمجاهدين واليتامى والمشاريع الإسلامية، ماذا عساه أن يجني عندما يقوم
بالإنكار الصريح دون استخدام التلميح على فرد من أصحاب النفوذ أو وضع يخالف الشرع؟
ماذا عساه أن يجني أكثر من فوات كل هذه المصالح التي ذكرناها؟
وهذه المجلة الإسلامية الملتزمة، والتي يقرؤها
آلاف المسلمين في بقاع الأرض فيتصلوا من خلالها بقضاياهم الإسلامية، ويهتدي بسببها
الكثير منهم، والتي تقوم بتعديل الكثير من الأفكار المتطرفة وغير المتزنة عند بعض
المسلمين، والتي تزول كثير من المناكر بسبب مواضيعها، وغيرها من المصالح الكثيرة
التي تسببها، ماذا عساها أن تجني عندما تجاوز الحد في نقدها لمنكر لأحد الأنظمة أو
أحد الأفراد المتنفذين أكثر من فوات كل هذه المصالح التي تسببها؟
إن بعض الأفكار المطروحة والتي تحرم الالتحاق
في التعليم الحكومي في بلد ما، بحجة أن هذا النظام لا يحكم بما أنزل الله ولهذا
فهو نظام كافر لا يجوز إعانته ومشاركته بشيء، أو بحجة أن الكثير من المناهج
التربوية في بعض بلادنا الإسلامية تصنع في مناهجها أمورًا تخالف العقيدة، وتدرسها
على أنها حقائق مسلمة كنظرية دارون وبعض نظريات فرويد وكبعض الأطروحات الإقليمية
وغيرها من الأفكار المخالفة للشرع. ترى ماذا سيجني دعاة الحق عندما يقاطعون التعلم
الحكومي؟ أكثر من إعطاء الفرصة لأصحاب الأفكار الهدامة لأن يتسلموا دفة التوجيه التربوي
فيزداد بذلك المنكر على ما كان عليه، وتخلو المناصب المؤثرة في المؤسسات الحكومية
من أصحاب الحق فيكثر نشر الباطل، ويتفشى الفساد الإداري بجميع صوره المرعبة. إننا
مع علمنا أن بعض ما يوضع في مناهجنا مخالف للشرع وهذا بلا شك ضرر في ميزان الشرع
ولكن أليس هذا الضرر أخف بكثير من الضرر المترتب على مقاطعة التعلم الحكومي والذي
يسبب فوات تلك المصالح التي ذكرناها؟!
ابن تيمية يوضح القاعدة
يقول الإمام ابن تيمية: "فإن الأمر والنهي
وإن كان متضمنًا لتحصيل مصلحة، ودفع مفسدة، فينظر في المعارض له، فإن كان الذي
يفوت من المصالح، أو يحصل من المفاسد أكثر لم يكن مأمورًا به بل يكون محرمًا إذا
كانت مفسدته أكثر من مصلحته. لكن اعتبار مقادير المصالح والمفاسد هو بميزان
الشريعة" (164).
ويقول في موضع آخر: "بحيث لا يتضمن الأمر
بمعروف، فوات أكثر منه، أو حصول منكر فوقه. ولا يتضمن النهي عن المنكر حصول أنكر
منه أو فوات معروف أرجح منه" (165).
ومن تطبيقات هذه القاعدة قول ابن النحاس:
"من هذا النوع لو وجدنا رجلًا يرقب امرأة ليفسق بها إذا مرت فرأى خمرًا
فاشتغل بشربه ولو منعناه منه لامتنع ولكن يتنبه للمرأة ولا نقدر على دفعه عنها
فإننا لا نمنعه من شرب الخمر إذا كان شربه يشغله عن منكر أعظم منه وفي عكس هذه
المسألة نمنعه قطعًا" (166).
ويذكر في مسألة ثانية لو رأى رجلًا على ساحل
البحر يغصب دجاجة لرجل ولو دفعه عنها لاندفع ولكن يعلم أنه يقطع البحر إلى الساحل
الآخر ويأخذ شاة لرجل آخر. إن نظرنا إلى المعصية من حيث هي فإنا لا ندفعه عن
الدجاجة لأن دفعه عن هذه المعصية سبب لمعصية أعظم منها، وإن نظرنا إلى أن الإنكار
منوط بالاستطاعة قلنا ندفع عن الدجاجة، وأما الشاة فليس في الاستطاعة الدفع عنها،
وقد يحول القدر بينه وبينها، والأول أقرب إلى القواعد والله أعلم (167).
أما إن تساوى المعروف والمنكر عند شخص أو
مجموعة، بحيث يفعلوهما جميعًا أو يتركوهما جميعًا، فيقول الإمام ابن تيمية:
"إذا كان الشخص أو الطائفة جامعين بين معروف ومنكر، بحيث لا يفرقون بينهما بل
إما أن يفعلوهما جميعًا، أو يتركوهما جميعًا لم يجز أن يؤمروا بمعروف ولا ينهوا عن
منكر، بل ينظر فإن كان المعروف أكثر أمر به وإن استلزم ما هو دونه من المنكر ولم
ينه عن منكر يستلزم تفويت معروف أعظم منه بل يكون النهي حينئذ من باب الصد عن سبيل
الله، والسعي في زوال طاعته وطاعة رسوله -صلى الله عليه وسلم- وزوال فعل الحسنات" (168).
الهوامش
160- الحسن البصري 19
161- الحسن البصري 24
*لا بد أن يراجع مبحث درجات الإنكار
162- هود 77-78
163- فتح القدير 2/513
164- الحسبة 122
165- الحسبة 124
166- تنبيه الغافلين 100
167- تنبيه الغافلين 100
168- الحسبة 122-123