العنوان المحاسبة الذاتية: حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا
الكاتب د. حسين شحاتة
تاريخ النشر الثلاثاء 30-نوفمبر-1982
مشاهدات 73
نشر في العدد 597
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 30-نوفمبر-1982
من أهم سمات النفس المؤمنة الورعة الوجلة المحاسبة الذاتية على التصرفات والأفعال ما ظهر منها وما بطن؛ وذلك حتى تتأكد من أنها تسير على الطريق المستقيم الذي حدد معالمه القرآن ووضحه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وسار عليه السلف الصالح ومن والَاهُم، وحتى يبين لها الخطأ والانحراف عن ذلك الطريق فتتبين السبب فتعالجه ثم تعود إلى ذلك الطريق وتتمسك به حتى لا تضل فتشقى.
والمسلم الحقيقي هو القادر على محاسبة نفسه والتحكم في تصرفاته وأفعاله، وهو القوي على لوم نفسه وعتابها إذا ما أخطأت لأنه يخشى يوم الحساب الأعظم أمام الله الحسيب الرقيب.
وسوف أبين للقارئ الكريم في هذه المقالة الموجزة مدلول المحاسبة الذاتية في ضوء القرآن والسنة، وكيف أنها كانت من خلق رسول الله وخلق الصحابة والمسلمين السابقين، ثم بعد ذلك أعرض أهم مقوماتها وركائزها وكيف يحاسب الإنسان نفسه بنفسه من خلال نموذج للمسألة اليومية، هذا وأخيرًا أذكر المسلم بيوم الحساب لعل الذكرى تنفع المؤمنين.
محاسبة النفس في القرآن:
لقد أمرنا الله سبحانه وتعالى بمحاسبة النفس أولًا بأول عن سلوكها وتصرفاتها ما ظهر منها وما بطن، حتى يكون الإنسان على بصيرة من أمره ويقوِّم نفسه بنفسه قبل فوات العمر وانقضاء الأجل، ويكون ذلك عن طريق المساءلة المستمرة والمناقشة الذاتية والعتاب واللوم لنفسه حتى ترتدع وتهتدي إلى الطريق المستقيم الذي حدده الله سبحانه وتعالى، وبينه لنا الرسل، وسار عليه المسلمون السابقون ومَن والَاهُم.
والقرآن الكريم حافل بالآيات القرآنية التي توجب المحاسبة الذاتية وتحث النفس عليها، فيقول الله سبحانه وتعالى: ﴿بَلِ الْإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ﴾ (القيامة: 14-15)، وقوله جل وعلا: ﴿وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ (الحشر: 18)
محاسبة النفس في السنة الشريفة:
ولقد ربى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- المسلمين الأوائل على المحاسبة الذاتية، وكان يحذرهم من شدة حساب الآخرة، فعرف هؤلاء أن الله لهم بالمرصاد وأنهم سوف يحاسبون يوم القيامة عن كل شيء، ولا ينجيهم من ذلك إلا المحاسبة الذاتية وصدق المراقبة، فمن حاسب نفسه قبل أن يُحاسب خف يوم الحساب حسابه، وحضر عند السؤال جوابه، وحسن منقلبه ومآبه، ومن لم يحاسب نفسه دامت حسراته وطالت يوم القيامة وقفاته.
فقد رُوي عن عبادة بن الصامت، أنه عليه الصلاة والسلام قال لرجل سأله أن يوصيه ويعظه، قال: «إذا أردت أمرًا فتدبر عاقبته، فإن كان رشدًا فارتضه، وإن كان غيًّا فانتهِ عنه». كما روى شداد بن أوس عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «الكيِّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والأحمق من اتبع نفسه هواها وتمنى على الله».
كان الصحابة أشد محاسبة لأنفسهم:
لقد امتثل الصحابة والمسلمون ومن والاهم لأمر الله ووجوب المحاسبة الذاتية، واقتدوا برسول الله -صلى الله عليه وسلم- واهتدوا بهديه فكانوا أشد الناس محاسبة لأنفسهم، فها هو عمر بن الخطاب -رضي الله عنه وأرضاه- يقول: «حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوها قبل أن توزن عليكم، وتهيؤوا للعرض الأكبر». كما أنه كَتب إلى أبي موسى الأشعري يقول له: «حاسب نفسك في الرخاء قبل حساب الشدة».
مقومات المحاسبة الذاتية
تُعد المحاسبة الذاتية من أهم سمات وخلق المسلم التقي الورع الذي يخشى الله في السر والعلن، وهي ترتكز على مجموعة من المقومات، من أهمها:
(1) العقيدة القوية والإيمان الراسخ الثابت الصادق بأن الله سبحانه وتعالى يراقب تصرفات وسلوك البشر وسوف يحاسبهم عنها يوم القيامة، مصداقًا لقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا ۖ وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا ۗ وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ﴾ (الأنبياء: ٤٧). وقوله جل وعلا: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا ۚ أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ ۚ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (المجادلة: 6).
(۲) الفهم الصحيح للإسلام والالتزام بأحكام وقواعد العبادات والمعاملات التي وردت في القرآن الكريم، الدستور الشامل الذي يهدي للتي هي أقوم، فالإنسان يجب أن يقيس تصرفاته وسلوكه وأفعاله على ما ورد في القرآن والسنة، وأصل ذلك قول الله سبحانه وتعالى: ﴿ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (المائدة: 16)، فالقرآن والسنة هما أساس المحاسبة، ونجد ذلك في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم «تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدًا، كتاب الله وسنتي».
(۳) التربية الإسلامية والعمل وفقًا لنهج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والاقتداء بالسلف الصالح من السابقين والتواصي بالحق والتواصي بالصبر، فإن تربية النفس من الصغر على المحاسبة الذاتية من أعظم الأمور، والالتزام بمنهج الرسول أفضل السبل حتى لأفضل الطريق ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ (الممتحنة: 6).
كيف تحاسب نفسك أيها المسلم:
تتم محاسبة النفس بأن يقوم الإنسان بمساءلة نفسه قبل أن يهم بأي عمل: هل هذا مطابق لما أمرنا الله به ويتفق مع هدْي رسوله الكريم؟ ثم مرة أخرى يسأل نفسه بعد الأداء ليتأكد مرة أخرى إنه لم يضل الطريق ولم ينحرف عن السبيل السوي المستقيم، وتتم المساءلة في كل لحظة زمنية، كما يأتي التقييم عند الهدوء والسكينة، مثلًا عند النوم أو عند الخلوة بنفسه متذكرًا الموت والحشر والحساب.
وتتم المحاسبة الذاتية لكل تصرفات الإنسان وسلوكه وأفعاله سواء أكانت متعلقة بالعبادات أو بالمعاملات وما يتفرع عنهما، فعلى سبيل المثال: يجب على الفرد أن يسأل نفسه دائمًا مجموعة من الأسئلة ويتذكر أصولها من القرآن والسنة، منها على سبيل المثال ما يلي:
(1) هل أقمت الصلاة في مواعيدها وفي جماعة؟ وهل تذكرت ثواب ذلك وعقاب من لم يقمها؟ وهل كانت صلاتك في خشوع واطمئنان؟
(۲) هل أديت الزكاة فيما استخلفك الله من مال؟ وهل عرفت أن هذا حق معلوم وواضح لمستحقيه تُسأل عنه يوم القيامة؟ وهل علمت أن الزكاة هي الركن الثالث من أركان الإسلام؟
(۳) هل أديت فريضة الحج إن كنت قادرًا؟ وهل أديتها ابتغاء رضوان الله وتلبية لندائه؟
وهل أخلصت في المناجاة والدعاء؟
(٤) هل صمت رمضان ابتغاء رضوان الله؟ وهل تعلم أنه من السنة الشريفة أن تصوم يومين في الأسبوع أو ثلاثة أيام في الشهر؟
(٥) هل أحسنت إلى والديك أحياءً وأمواتًا؟ وتذكرت قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ (الإسراء: 23)، وهل عرفت ثواب ذلك وعقاب من يعق والديه؟
(6) هل أحسنت إلى جيرانك وتذكرت قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنبِ﴾ (النساء: 36)، وتذكرت وتدبرت حديث رسول الله: «من أذى جاره فقد أذاني»؟
(۷) هل طهرت قلبك من الكبر والرياء والحقد والحسد؟ وهل تذكرت حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر»؟
(۸) هل نظفت لسانك من الكذب والغيبة والنميمة والجدل واللغو؟ وهل تذكرت قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا﴾ (الحجرات: 12)، وقوله: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ (هود: 18)؟ وهل تدبرت حدیث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يستقيم إيمان العبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه»؟
(۹) هل طهرت كسبك ومالك من الربا وكل ما هو حرام؟ ألم تقرأ قول الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ (البقرة: 278) هل نسيت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لعن الله آكل الربا ومؤكله وشاهديه وكاتبه»؟ هل تدبرت حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أيما أمرئ نبت لحمه من حرام فالنار أولى به»؟
(۱۰) هل اتقيت الله في نفقاتك وتجنبت الإسراف والتبذير والبذخ والترف؟ ألم تقرأ قول الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ ۖ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ (الإسراء: 27) ألم تعلم أن من أسباب هلاك الأمم الإنفاق الترفي؟ فإن لم تكن تعلم فاقرأ قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ (الإسراء: 16) وهل تذكرت وتدبرت حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تزال قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن جسمه فيما أبلاه، وعن عمله ما عمل به، وعن ماله من أین اكتسبه وفيما أنفقه»؟
(۱۱) هل أحصيت وفهمت أخطاءك؟ فأنت في حاجة إلى الاستغفار والتوبة الخالصة الصادقة.
هل تذكرت قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (النور: 31) هل تدبرت حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها»، وقوله صلى الله عليه وسلم: «ما من شيء أحب إلى الله من الشاب التائب»، وقوله: «التائب من الذنب كمن لا ذنب له»؟
أيها الناس، حاسبوا أنفسكم
أيها المسلمون تذكروا قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (النحل: 93)، وقوله سبحانه وتعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ (التكاثر: 8)، وقوله جل وعلا: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ (الإسراء: 36).
أيها المسلمون تذكروا يوم الحساب الذي قال الله فيه: ﴿ يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ (عبس: 34-35-36-37 )، يوم يقول الناس: ﴿يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَٰذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا ۚ وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا ۗ وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ (الكهف: 49).
أيها المسلمون حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، وتهيؤوا للعرض الأكبر.
والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل