; دعاةٌ وهُداة.. أم جهلة وعصاة؟ | مجلة المجتمع

العنوان دعاةٌ وهُداة.. أم جهلة وعصاة؟

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الثلاثاء 27-أكتوبر-1998

مشاهدات 67

نشر في العدد 1323

نشر في الصفحة 49

الثلاثاء 27-أكتوبر-1998

دعوة الناس وهدايتهم إلى ملة أو نحلة ليست عملًا سهلًا يستطيعه الضعفاء، أو يقدر عليه فقراء النفوس وجهلة العقول، وإقناع الجماهير وتغيير اتجاه الأفكار، لم يكن في يوم من الأيام ملهاة للصغار، أو ملعبة يلهو بها العابثون والكسالى، ونصرة المبادئ ورفعة الدعوات يحتاج إلى جـهد ويتطلب صبرًا لا يتحمله المتسكعون والمرتزقة، وتبليغ المناهج والتخطيط للأعمال الكبار، لابد له من بصيرة نافذة، وعقول نابهة، وعزائم قوية، وقدرات علمية ومواهب إبداعية، ورؤى حضارية، فأني لأصفار الثقافات، وعُمْي البصائر، وعجزة العزائم، وفارغي المواهب، وفاقدي الرؤى الحضارية أن يبلغوها، أو يقاربوا منازلها، إن تأليف القلوب وإرضاء النفوس، وكسب الود، والتأثير في الأفراد والشعوب، وفتح مغاليق القلوب عمل عظيم، وأمر خطير يحتاج إلى خفض الجناح ونفحات من الرحمات، لا إلى كِبر وبطر وغرور، كما يلزمه دراية بالنفوس والأساليب، ومعرفة للأمراض والعلل، وقدرة على تشخيص الداء ووصف الدواء، كان هذا هو أسلوب المسلمين في الهداية، وخطتهم في فتح مغاليق القلوب، وعملهم في نشر هداية السماء، وتبليغ رحمة الله إلى خلقه، وصدق الله: ﴿قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى﴾ (البقرة: 263) ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ (النحل: ١٢٥) ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ (فصلت: 34).

وهكذا كان فعل الرسول ﷺ في سماحته وهديّه، يروي جرير بن عبد الله البجلي- رضي الله عنه- إنه جاء إلى النبي ﷺ -وهو في بيت مزحوم فقام بالباب- فنظر النبي ﷺ يمينًا وشمالًا فلم ير برحاء «يعني متسعًا» فأخذ النبي ﷺ رداءه، فلفه ثم رمى به إليه فقال: «اجلس عليه، فأخذه جرير فضمه ثم قبّله ثم رده على النبي ﷺ، وقال: أكرمك الله يا رسول الله كما أكرمتني، فقال ﷺ: «إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه»، فينظر الإنسان إلى فعل الرسول وهو من هو، في فتح القلوب وإكرام الناس، هل يفعله اليوم أحد من هؤلاء وأولئك، فإن الناس يأسرهم التقدير ومراعاة أقدار الناس، ويدنيهم الإحسان والمعروف.

يقول أبو راشد بن عبد الرحمن، قدمت على النبي ﷺ في مائة رجل من قومي، فلما دنونا من النبي ﷺ، وقفنا وقالوا لي: تقدم أنت، فإن رأيت ما تحب رجعت إلينا حتى نتقدم إليه، وإن لم تر مما تحب شيئًا، انصرفت إلينا حتى ننصرف، فأتيت النبي ﷺ فأكرمني، وقال لي: «ما اسمك ومن أنت؟» فقلت أبو معاوية بن عبد اللات والعزى، فقال لي ﷺ: «بل أنت أبو راشد بن عبد الرحمن» وزاد في إكرامي، وأجلسني إلى جانبه وكساني رداءه وأعطاني نعله، ودفع إلى عصاه، وأسلمت» ورجع الرجل إلى قومه وأسلموا، هكذا تكون أساليب الهداية. 

نعم إنه رسول الله ﷺ الداعية والرحمة المهداة، وصدق الله: ﴿وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْر﴾ (آل عمران: ١٥٩) ولقد سار السلف الصالح رضوان الله عليهم على هذا النهج العظيم، فعن عبد الله بن أبي حدود الأسلمي -رضي الله عنهما- قال: لما قدم عمر رضي الله عنه إلى الجابية، إذا هو بشيخ من أهل الذمة. يستطعم فسأل عنه، فقيل: هذا رجل من أهل الذمة كبر وضعف، فوضع عنه عمر -رضي الله عنه- الجزية التي في رقبته، وقال: كلفتموه الجزية حتى إذا ضعف تركتموه يستطعم؟ فأجرى عليه من بيت المال عشرة دراهم، وفي رواية أنه قال: ما أنصفناك، كنا أخذنا منك الجزية في شبيبتك، ثم ضيعناك في كبرك، ثم أجرى عليه من بيت المال ما يصلحه، هذا بلاشك وأمثاله من المواقف العظيمة كان له مع تعاليم العقيدة السمحة أكبر الأثر في انتشار الإسلام في بقاع الأرض، وهذا من الدعوة العملية بجانب الدعوة القولية والعقدية، ونحن اليوم رغم ما بنا من حاجة إلى رد الهجمة الحاقدة عن ديننا نضرب المثل تلو المثل على عکس ذلك حتى مع بني قومنا وأهل ملتنا الذين أصبحوا فريسة سهلة للنفاق الحضاري والعقائد الباطلة والجمعيات التبشيرية.

يروي الدكتور الهواري، فيقول: بينما أنا في مدينة بروكسل في بلجيكا، إذ بي أجد قطارًا على الرصيف المقابل لنا قد أحتشد فيه عدد كبير من الأطفال، وعلى الرصيف نفسه عدد من الرهبان يودعونهم، ولفت نظري هذا المنظر، وباستطلاع الأمر تبين أن هؤلاء الأطفال هم من أبناء عائلات إسلامية تعمل في شمال فرنسا في عدد من المعامل والمناجم في أوضاع معيشية سيئة ووضيعة، ويعاني أبناؤها نقصًا كبيرًا في التغذية والرعاية الصحية، وتنبهت لهذا الأمر جمعيات تبشيرية تعمل في فرنسا وبلجيكا، فاتصلت بهذه الأُسر وأقنعتهم بضرورة إرسال أولادهم إلى بيوت نصرانية تستقبلهم وتعتني بهم ويتغذيتهم وترفيههم خلال فترة الصيف، وبعد انقضاء فترة الصيف رجع الأولاد وفي أيديهم الحلوى ولذائذ الطعام وهؤلاء الرهبان يودعونهم عند رجوعهم لأهليهم، وقد اغرورقت عيون كثير من الأطفال أسفًا على فراق الطعام واللهو واللعب والإقامة المريحة، ملوحين بأيديهم ومودعين لرهبان الجمعيات التبشيرية. 

ثم يقول الدكتور: وقفت جانبًا مع صديق لي نبكي هذه الحالة التي وصل إليها المسلمون حتى أصبحوا لقمة سائغة وفريسة سهلة لكل من يتربص بهم الدوائر، فهؤلاء الأطفال المساكين مستعدون لتقبل أي أفكار بعد ذلك تعلى عليهم من قِبَل هؤلاء المبشرين، وستتفاعل نفسياتهم بمقارنات شعورية بين معيشتهم، وما كانوا عليه، وبين معاملة هؤلاء الناس ومعاملة المسلمين، وسيقوم العامل النفسي بدوره في بلورة أفكارهم وإثارة اهتماماتهم نحو النصرانية التي تنبهت إلى بؤسهم وقدمت لهم العون، وسيقوم القوم بإكمال الحلقة بالمحاورات والقصص والأحاديث العاطفية التي كانت تُتلى عليهم خلال إقامتهم الطويلة في تلك البيوت المُعدة لذلك.

وهذا كله يصب في مشاعر وعواطف الأطفال بغرض تحقيق الهدف النفسي لإخراجهم عن دينهم إن استطاعوا، هذا وقد نشطت هذه الجمعيات في مجالات أخرى في ديار المسلمين، واستغلت الحروب لتحويل الأطفال إلى المراكز التبشيرية المتعددة، فكثير من أطفال البوسنة والهرسك والصومال، وبلاد المسلمين التي تتعرض للجفاف قد أوجدت حقولًا غنية وينابيع فياضة لتلك المراكز، والسؤال الآن، أين الجمعيات الإسلامية؟ وأين رجال الدعوات؟ وأين المسلمون؟ وأين أموال الزكوات والخيرات؟ وهل نحن دعاة أم مدعوُّون؟ وهل نحن دعاة وهداة أم جهلة وعصاة؟ نسأل الله الهداية والتوفيق.. أمين. 

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 299

86

الثلاثاء 11-مايو-1976

واجب المسلم تجاه عقيدته

نشر في العدد 692

94

الثلاثاء 20-نوفمبر-1984

الدعوة المسؤولة...والالتزام