; المجتمع التربوي.. عدد 1567 | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي.. عدد 1567

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر السبت 06-سبتمبر-2003

مشاهدات 75

نشر في العدد 1567

نشر في الصفحة 54

السبت 06-سبتمبر-2003

دعائم النهضة ومعالم النصر..  وضوح الرؤية

يا له من نصر وتمكين لو أن المسلمين في هذا العالم يملكون (وضوح الرؤية) كما قال الله في كتابه ﴿قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ۖ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (يوسف: 108)، إذ إنهم مطالبون بأن يصارحوا الناس بهدفهم وغايتهم ويضعوا أمامهم منهجهم العملي وأن يوجهوا إليهم دعوتهم في غير لبس ولا غموض أضوأ من الشمس وأوضح من فلق الصبح وأبين من غرة النهار.. وإذا كان ذلك كذلك، فمن حق الناس عليهم أن يجعلوهم في الصف الأول. 

وما دام المنهج الإسلامي، والمشروع الإصلاحي يهدف إلى بناء جيل إسلامي فريد يتسم بسمات الفئة المؤمنة وينبعث من مكارم النبوة، ويسمو فوق الخلافات، وينبذ العنف والإرهاب، فلماذا تتأخر هذه الفئة وتتكاسل؟ ولماذا تُحَارب ويضيق عليها وتستبعد دومًا من الصف الأول ولا يرضي الكارهون بأن يفسحوا لها الطريق؟ خاصة وأنهم يحملون دينًا مخلصًا للأمة ومنظمًا لشؤونها، وهم جميعًا يعرفونه ويؤمنون به ويدينون بأحقيته ويعلمون أن فيه خلاصهم وإسعادهم وراحتهم، وأنه دين منزل من عند الله، وأن التجربة وحكم التاريخ أثبتا صلاحيته للخلود وأهليته لإصلاح الوجود. 

لعل الخلل الذي تعاني منه الأمة اليوم أن المسلمين فئتان: فئة عاملة مجاهدة وأخرى متكاسلة مثبطة، وأن الفرق بين الفئة العاملة والمتكاسلة هو الرؤية الواضحة والسعي لإيقاظ الإيمان المخدر النائم في نفوسهم، ولأنهم يفهمون الإسلام فهمًا صحيحًا واسعًا ينظم شؤون الدنيا والآخرة وليس مقصورًا على دروب من العبادات أو مواسم الذكر والتهليل، ولأنهم يحملون مشروعًا إسلاميًّا على منهاج النبوة كما كان في الرعيل الأول، فهم متميزون عاملون مجاهدون. 

وهذا المشروع الإصلاحي الإسلامي هو جزء من الهوية الإيمانية التي يتميزون بها ويشار إليهم من خلالها، وهو مشروع مرتبط بمهمة المسلمين في الحياة التي لخصتها الآية الكريمة في قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ ۚ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ۚ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ ۚ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَٰذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ۚ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ ۖ فَنِعْمَ الْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ النَّصِيرُ (الحج:77، 78).

وإن وضوح هذه الرؤية هو الكفيل بتحديد میدان المعركة الرئيسة وسط ميادين المعارك لتعرف من عدوك بالتحديد وماذا يريد منك، وما غايته، وما أهدافه ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا

(البقرة: 217) وهو الكفيل بتبيان العدو الحقيقي وسط التابعين والمتداعين والمأجورين والمستعملين والمرتزقة ﴿وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ (البقرة: 120) وهو الكفيل بترجيح منهج للتغيير من بين المناهج المعروضة في الساحة الإسلامية، يوم أن كثرت المناهج والأفكار ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ  (الرعد: 11). وهو الكفيل بتحديد رأس الأفعى من بين حبالهم وعصيهم التي تبدو وكأنها تسعى حتى لا نصرف الضربة إلى حبال وعصي تاركين الأفعى الحقيقية.

وهو الكفيل بجمع شتات هذه الأمة على كلمة سواء، وتوحيد صفوفها، والربط على قلبها وإزاحة الركام عن نفسها، والنهوض بمقومات الأمة المتاحة إلى أعلى مراتب النمو والتقدم، وتحقيق الأمن والأمان للشعوب الإسلامية كافة. وبالتالي فنحن مطالبون بأن نفهم حقيقة المعركة التي لم تنته بعد- وربما تطول رحاها سنوات طويلة لا يعلمها إلا الله- ومن هنا يجب علينا فهم الذات جيدًا أولًا ومعرفة حقيقة وجودنا على الأرض ثانيًا، ثم فهم طبيعة الواقع الذي نعيشه ثالثًا.. إدراك حجم المعركة الناشبة وأثرها على ديننا ومجتمعاتنا، وكذلك حجم التحديات المستمرة للإسلام والمسلمين، وربط الناس بدينهم. والعودة الصادقة لله، ولا خلاص لنا إلا بمساندة وتنمية المشروع الإسلامي الإصلاحي (من الحكام والشعوب أفرادًا وجماعات) ذلك هو عزنا وفيه خلاصنا.. ولقد أعزنا الله بالإسلام فإن ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله.

أنواع العلاقات الإنسانية

عبد الله بن علي السعد الريمي

كثيرة هي العلاقات التي تمر علينا... ومنها ما يترك أثرًا عميقًا في حياتنا لا تمحوه الأيام، ولربما تنقضي عشرات السنين والواحد منا يتذكر موقفًا لعلاقة من هذا النوع العميق الذي يؤثر في نفسه ويوجه حياته توجيهًا ظاهرًا. والعلاقات الاجتماعية التي تمر بالإنسان في مختلف مراحل حياته- وتتنوع بحسب كل مرحلة- يمكن ضبطها بهذه الصورة:

1- علاقات مؤقتة: وهذا النوع من العلاقات يمكن أن يكون دائمًا ببعض الشروط والضوابط التي ستتضح من خلال الكلام في تفاصيل الأنواع، ويميز هذا النوع من العلاقات: 

- أنها علاقة غير مستمرة، بل آنية تنتهي بانتهاء الحاجة أو بالتباعد بين أفرادها. 

- لا توجد فيها مرحلية تربوية في التوجيه والتلقي بسبب عدم وجود الارتباط والمتابعة فيها، وعدم الاستمرارية. 

- غير محددة وغير واضحة ولا تخضع لقوانين العلاقات ولربما استمرت العلاقة فترات طويلة ثم تفاجأ بأن الناس يجهلون أسماء بعضهم البعض.

2- علاقات مستمرة:

ومن مميزات هذا النوع من العلاقات أنها: 

- علاقة منهجية سواء في التوجيه والتلقي أو في نوعية الارتباط.. كما أنها تكون مرتبطة بالمنهج، ويمكن أن يكون أفرادها في مناطق متباعدة ولكن تستمر العلاقة بينهم لوجود أصل الرابط بينهم. 

- التدرج التربوي فيما يتعلق بالتوجيه والتلقي.

- علاقات عملية أي تدفع أصحابها إلى العمل والإنجاز.

3- علاقات غير مستمرة (منقطعة):

أي أنها تنقطع انقطاعًا كليًّا والسبب وجود خلاف في المنهج غالبًا، ويسبب انتهاءها عدم وضوح العلاقة من البداية لأسباب منها:

- عدم إدراك طبيعة العلاقة منذ البداية. 

- عدم وجود ضوابط لتكوين العلاقة. 

وهذه الأمور ناتجة عن الضعف التربوي لدى الأفراد. وغياب المنهجية.. والارتجالية فيما يتعلق بأمور الحياة. 

إذًا يحتاج الواحد منا إلى تحديد نوع علاقته بمن حوله.. وتحديد ضوابط تلك العلاقات والمعرفة الصادقة بحاجته لهذه العلاقات.. ومن خلال هذا الوضوح يمكن أن تؤسس علاقات اجتماعية ناجحة ومثمرة، كما يحتاج إلى الصدق مع النفس عند المتابعة أو الدراسة، ومن خلال هذه الخاصية سيعرف حتمًا نوعية ارتباطاته وجدواها التربوية. 

الأمر سهل، فقط يحتاج لهمة وتخطيط. وتوضيح أهدافه المستقبلية بدقة.

الرسول وصناعة التفاؤل

عبد الله يوسف المهيني

إلى من أوقف نفسه وحياته لخدمة هذه الدعوة المباركة فسخر طاقته وجهده ليرفع عن أمته ما جثم عليها من ذل وهوان: نعيش هذه الأيام لنسمع ونرى كيف يمطر الأبرياء بنيران الظلم، فيتساقط القتلى والجرحى وتملأ المستشفيات والمقابر بمن لا ذنب لهم. ومع تكرار تلك المشاهد على ابن الصحوة، قد يؤثر ذلك عليه سلبًا، فيقلل من عزيمته، فتلمس في عباراته الهوان والاستسلام للواقع، ولمثل هذا أقول: انتبه رعاك الله.. ولا يغلبنك الشيطان. وانظر إلى المصطفى ﷺ كيف كان يزرع ويصنع التفاؤل في نفسه ونفوس أصحابه في أحلك الظروف وأقساها، فها هو ﷺ يعيش أيام غزوة الخندق بكل أمل وتفاؤل وبروح لم تستسلم للواقع، مع أن الظروف لم تكن لصالح المسلمين فهم محاصرون في منطقة صغيرة يعانون الجوع الشديد والبرد القارس، وقلة العدد والعدة، والخوف وتثبيط المنافقين ولوم يهود بني قريظة التي نقضت العهد، ولنتخيل النساء شدة الموقف وهوله فقد جمع ﷺ النساء والأطفال في حصن حسان بن ثابت ولم يكن في استطاعته ﷺ أن يضع أدنى حراسة لقلة عدد المسلمين. ولكن كان عنده ﷺ ثقة في نصر الله. وإن شئت فارجع بذاكرتك مئات السنين... هناك في مكة.. عندما كان ﷺ يمر على آل ياسر وهم يعذبون فلم يكن باستطاعته أن يفعل لهم شيئًا غير الدعاء والتثبيت والبشارة لهم بقوله: «صبرًا آل ياسر فإن موعدكم الجنة»!!.. هذا ما كان باستطاعة الإسلام أن يقدمه في تلك الفترة لأمثال هؤلاء، ولبلال وخباب رضي الله عنهم أجمعين وها نحن نمر بقريب من هذه المرحلة فلنصبر ولنعمل بقدر ما هو متاح لنا، كما فعل ﷺ حتى إذا سنحت الفرصة لتقديم الأفضل كنا الأوائل، كما حدث لأبي بكر عندما اشترى بلالًا وأعتقه، واعلم أن الإسلام منتصر رغم شراسة الهجمات عليه.. هذا وعد الله تعالى. 

ورغم كل مظاهر ضعف المسلمين فها هو الإسلام ينتشر في مشارق الأرض ومغاربها.. وها نحن نرى اليوم مظاهر الحجاب على الساحة وكذلك زيادة مراكز تحفيظ القرآن الكريم وبداية رائدة للإعلام الإسلامي، والشريط الإسلامي ينتشر والكتاب الإسلامي، وهناك زيادة في اللجان الخيرية، وتنوع في أنشطتها.. وغيرها من المبشرات كثير.

لماذا لا نقبل الحكمة؟

المسترشد بالله محمد

ورد في الأثر: الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق الناس بها، فماذا لو وجدت الحكمة لدى فاسق أو مترخص أو مبتدع؟ 

عليه أن يأخذها عنه لأن الحكمة ملك المؤمن فإن وجدت لدى الفاسق أو الكافر أو غير المؤمن عمومًا، فهي مجرد حيازة عارضة. 

فما بالنا قد ترسخ فينا التكبر عن أخذ الحكمة وإن كان هذا الرفض يأتي من العوام فإنه طبيعي ومقبول ولكن الداء منتشر بين العوام والخواص، بين المدعو والداعي حيث نجد منا من يرفض الحكمة لأنها صدرت من مؤمن ولكنه فيه حدة أو غلظة، والغلظة طبعًا مرفوضة ولكن الحكمة ضالتي هل أرفضها لأن مقدمها لم يقدمها بالأسلوب الحسن؟ 

وكثيرًا ما نرى بعض الحركات والجماعات والشعوب والهيئات تستهين بوجهة نظر قيلت في وقت سابق وتم تجاهلها وضاعت على الأمة مكاسب جمة وقد تبتلى بخسائر عظيمة، ويبرر ذلك بأن من صدرت منه وجهة النظر لم يستحسن الأسلوب أو لم يختر الوقت أو لم يحسن العرض أو لم يوف البيان، وترانا نبالغ في مطالبتنا للناصح بأن يكون على أكمل هيئة وأفضل أسلوب، ووجب عليه أن يكون، ولكن في كل الأحوال فإن غلظة الناصح أو شدته أو حدته أو نقص بيانه كل هذا ليس مبررًا لأي أحد كائنًا من كان ألّا يسمع النصيحة؛ فقد كان سلفنا الصالح يلتقطون النقد البناء من شتائم أعدائهم وقد اعتبروه بابًا لإصلاح النفس حيث رأوا أن العدو هو الأبصر بالعيب والأوضح في النقد لأن عين السخط تبدي المساويا كما قال الشاعر

وعين الرضا عن كل عيب  كليلة *** ولكن عين السخط تبدي المساويا

فكما ننصح الناصح أن يكون لينًا رفيقًا لينال تمام الأجر فإننا ننصح المتلقي أن يقبل النصيحة على أي وجه كي يتوقى الكوارث فالناصح ناج- إن شاء الله- مادام قد رزق الإخلاص، بينما المتلقي هالك إن لم يفتح أذنه للنصح وقد صدق القائل: يعرف الرجال بالحق، ولا يعرف الحق بالرجال.

الداعية بين الحلم والواقع

أحمد زهران[1]

  • الدعوة إلى البر.. والمخالفة في سلوك الداعية.. الآفة التي تصيب النفوس بالشك.. لا في الدعاة وحدهم بل في الدعوات ذاتها.

  • الداعية الحق إن صدق وأخلص أحيا الله به النفوس من الموات.. كما يحيي بالماء الأرض الهامدة. 

  • لن ينجح داعية ما لم  ترسخ عقيدته وتهذب سيرته وتستقيم أخلاقه.

من رحمة الله سبحانه وتعالى بالبشرية أنه كلما ضلت طريقها، وانحرفت عن مسارها، أرسل إليها أنبياء ورسلًا، يدعونها إلى الله ويردونها إلى الصراط المستقيم يقول تعالي: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَىٰ ۖ كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ ۚ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُم بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ ۚ فَبُعْدًا لِّقَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ (المؤمنون: 44).

ولما كان محمد هو خاتم الأنبياء والمرسلين كان العلماء والدعاة في رسالته هم ورثته وورثة الأنبياء من قبله: «العلماء ورثة الأنبياء وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا وإنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر» (رواه الخمسة وصححه ابن حبان والحاكم). وهم بهذه الوراثة يقومون بمهام الأنبياء والرسل، يقول الإمام ابن القيم (رحمه الله): «الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم يدعون من ضل إلى الهدى، ويبصرون من هم على الأذى يُحيون بكتاب الله الموتى ويبصرون بنور الله العمي، فكم من قتيل لإبليس أحيوه، وكم من ضال تائه قد هدوه فما أحسن أثرهم على الناس وما أقبح أثر الناس عليهم».[2]

وهناك تلازم بين الداعية والعالم، فكلاهما لا ينفصل عن الآخر فالداعية ينبغي أن يكون عالمًا بما يدعو إليه، والعالم ينبغي أن يتجسد صفات الداعية في علمه وسعيه، يقول الدكتور السباعي رحمه الله: «مصيبة هذا الدين في جميع عصوره بفئتين: فئة أساءت فهمه وفئة أتقنت استغلاله، تلك ضللت المؤمنين به وهذه أعطت الجاحدين حجة عليه».[3]  

والدعاة إلى الله يدعون إلى دينه وشرعه وإلى اتباع هداه وتحكيم منهجه في الأرض، وإفراده سبحانه وتعالى بالوحدانية والعبادة والاستعانة به والطاعة له والبراء من كل الطواغيت التي تطاع من دون الله وإحقاق ما أحق الله وإبطال ما أبطل. والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد في سبيل الله[4].

الداعية الأول

ولقد كان رسول الله ﷺ-  قدوة الداعين ورائدهم- ملتزمًا بأصول الدعوة ومنهجها، فكانت الحكمة وسيلته، والموعظة الحسنة حواره، والمجادلة بالتي هي أحسن طريقة إقناعه، علّمنا كيف يتحرك الداعي في دعوته مرحليًا، وكيف يستشهد بالملموس والمجسد ويبتعد عن الاعتباطية والعفوية مهما كانت صلاحية الكلمة. 

علمنا أيضًا رسول الله ﷺ أن سلامة المنطلق في دعوة ما- مهما كانت على حق- لا تكفي في حد ذاتها، بل لا بد من التحرك بمنهج واعٍ يضمن صلاحية التطبيق ليؤكد صحة المنطلق. 

التزم رسول الله ﷺ بالدعوة قبل أن يُلزِم بها، فكان قرانًا يمشي على الأرض أو بين الناس، كما وصفته السيدة عائشة (رضوان الله عليها) وهي تصف خلقه ﷺ. 

ما استعمل رسول الله ﷺ لفظًا نابيًا في دعوته، ولا كان فظًا غليظ القلب، وإنما كان يواجه برحابة الصدر، وصدق الكلمة وواسع العفو وجميل المغفرة ﴿وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (آل عمران: 159).

أربعون عامًا عاشها بينهم رسول الله ﷺ قبل البعثة، فما وجدوا سبيلًا إلى غمزه بماض قريب أو بعيد، يقول تعالى ﴿قُل لَّوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُم بِهِ ۖ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِّن قَبْلِهِ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (يونس: 16). وحتى قبل البعثة تشهد له زوجه السيدة خديجة: «كلا والله لا يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكلّ، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق». ويتنزل القرآن راسمًا قاعدة أخرى ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْوَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ  (المدثر: 1- 6). إنها مجموعة من «الأوامر البسيطة الساذجة في الظاهر ولكنها بعيدة المدى والغاية قوية الأثر والفعل في الحقيقة ونفس الأمر.. فما أبسطها من أوامر في صورتها الظاهرة، وما أروعها في إيقاعاتها الهادئة الخلابة، ولكن ما أكبرها وأفخمها وأشدها في العمل، وما أعظمها إثارة لعاصفة هوجاء تحضر جوانب العالم كله وتتركها يتلاحم بعضها في بعض».[5]  وهكذا كانت اللبنات الأولى إنها قواعد التأسيس للداعية. ينطق بها القرآن، ويعلنها في قوة للعالمين، أنه لن ينجح داعية ولن يكون ما لم تتهذب سيرته وتستقيم أخلاقه، وترسخ عقيدته، ما لم يكن مجتمعه شاهدًا له لا عليه، قبل دعوته، وبعدها ﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِّن قَبْلِهِ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (يونس: 16).

التربية قبل الدعوة

إن الدعاة إلى الله يعيشون مع الجماهير المسلمة في مواقعها، يحملون همومها. ويعاونون في حل مشكلاتها، ويشاركونها مسراتها وأحزانها، ويعبرون عن آلامها وآمالها، وليس ذلك صدقة منهم على الناس وإنما هو واجب ملقى على عواتقهم أن يرشدوا البشرية الضالة إلى معالم الطريق الصحيحة، وأن يأخذوا بحجزها لئلا تتساقط تساقط الفراش على النار وذلك لأن الداعية روح مفعمة بالحق والنشاط والأمل واليقظة، فمهمته العظمى أن يرمق الحياة بعين ناقدة وبصر حديد. حتى إذا رأي فتورًا نفخ فيه من روحه ليقوى، وإذا رأی انحرافًا صاح به ليستقيم، إنه في المجتمع

ناقوس الخطر يدق من تلقاء نفسه كلما عرض لتعاليم الإسلام ما يعكر صفوها، ويعوق انطلاقها.[6] والدعاة الصادقون يعلمون أنه لا سبيل لهم إلى الدعوة إلا بالتربية، تربية نفوسهم على العطاء والصبر والحلم «ذلك لأن الإسلام رسالة تربية قبل أن يكون رسالة تشريع، ورسالة خلق قبل أن يكون رسالة جهاد، ورسالة سمو وقيم قبل أن يكون كثرة واتساعًا فجوهر رسالته خلق وإحسان، ووسيلتها قدوة وتربية، وأول ميادينها النفس والقلب».[7]  والداعية الذي ينتظر نجاحًا لدعوته، وخفقانًا لرسالته لا بد أن تستقيم سيرته، وتحسن سمعته قبل أن يدعو الناس إلى ما يجب أن يدعوهم إليه. وإلا كانت سيرته المعوجة وسمعته السيئة تكأة للتشهير به ودعوة الناس إلى الاستخفاف بشأنه. والداعية يعني بنفسه، يراقب حركاتها وسكناتها، إنه يسير على هدى من الله معه زاده وراحلته ودليله، فأما زاده فهو القرآن وصلاة القيام وأما راحلته فهي الذكر والاستغفار، وأما دليله فمعية رب العالمين سبحانه، والاستقامة على طريق الرسل والأنبياء ﴿وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (الأنعام: 153). 

وهو صادق مع نفسه، صریح معها لا يخادعها، وكذلك هو مع الناس لا يرائيهم ولا ينافقهم، يقول ابن السماك (رحمه الله): «كم من مذكر بالله ناس لله. وكم من مخوف بالله جريء على الله، وكم من مقرب إلى الله بعيد عن الله، وكم من داع إلى الله فار من الله، وكم من تال لكتاب الله منسلخ عن آيات الله»[8]. والداعية يترسم خطى الدعوة في شؤونه العامة والخاصة ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (الأحزاب: 21)، إنه يبدأ بنفسه قبل أن يبدأ بغيره حتى لا يصيبه الوعيد الشديد ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (البقرة: 44) يقول الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: «من نصب نفسه للناس إمامًا، فليبدأ بتعليم نفسه قبل تعليم غيره وليكن تهذيبه بسيرته قبل تهذيبه بلسانه، ومعلم نفسه ومهذبها أحق بالإجلال من معلم الناس ومهذبهم»، ورُوي أن الله تعالى أوحى إلى عيسى عليه السلام «یا ابن مریم عظ نفسك، فإن اتعظت فعظ الناس، وإلا فاستحي مني»[9].

يا واعظ الناس قد أصبحت متهمًا  *** إذ عبت فيهم أمورًا أنت تأتيها

أصبحت تنصحهم بالوعظ مجتهدًا  ***  فالموبقات لعمري أنت جانيها

تعیب دنیا وناسًا راغبين لها             ***    وأنت أكثر منهم رغبة فيها

ويقول آخر:

مواعظ الواعظ لن تقبـــلا    ***              حتى يعـيـهـا قلبه أولا

يا قوم من أظلم من واعظ  ***             خالف ما قد قاله في الملا

أظهر للناس إحسانه               ***            وخالف الرحمن لما خلا[10]

يقول الأستاذ سيد قطب، مصورًا الحالة التي يحدثها من يتخذ الدين حرفة لا أمانة: «إن آفة رجال الدين حين يصبح الدين حرفة وصناعة لا عقيدة جادة دافعة، إنهم يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم، يأمرون بالخير ولا يفعلونه، ويدعون إلى البر ويهملونه، ويحرفون الكلم عن مواضعه ويؤولون النصوص القاطعة خدمة للغرض والهوى ويجدون فتاوى وتأويلات قد تتفق في ظاهرها مع ظاهر النصوص، ولكنها تختلف في حقيقتها عن حقيقة الدين لتبرير أغراض وأهواء من يملكون المال أو السلطان كما كان يفعل أحبار يهود». 

«والدعوة إلى البر والمخالفة عنه في سلوك الداعين إليه هي الآفة التي تصيب النفوس بالشك لا في الدعاة وحدهم، وإنما في الدعوات ذاتها، وهي التي تبلبل قلوب الناس وأفكارهم لأنهم يسمعون قولًا جميلًا ويشهدون فعلًا قبيحًا، فتتملكهم الحيرة بين القول والعمل وتخبو في أرواحهم الشعلة التي توقدها العقيدة، وينطفئ في قلوبهم النور الذي يشعه الإيمان ولا يعودون يثقون في الدين بعدما فقدوا ثقتهم برجاله»[11].

برهان الله

والداعية الأصيل تتمثل فيه صفات النبيين وأخلاق المؤمنين وزهد الحواريين، فهو صاحب فطرة سليمة ونفس طيبة وقلب رحب فسيح، هين لين بشره في وجهه وحزنه في قلبه، يصبح وهمه الشكر، ويمسي وهمه الفكر، نفسه منه في عناء والناس منه في راحة. أتعب نفسه لآخرته، وأراح الناس من نفسه.

عظم الخالق في نفسه، فصفر ما دونه في عينه.. ذلك لأن الداعية رجل يعيش لأمته قبل أن يعيش لنفسه، والناس في حاجة إلى قلب كبير وكنف رحيم.. في حاجة إلى قلب يسعهم وحلم لا يضيق بضعفهم وجهلهم، قلب يعطيهم ولا يحتاج منهم إلى عطاء. 

الداعي إلى الله يحيي الله به- إن صدق وأخلص- النفوس من الموات كما يحيي الأرض الهامدة. إذا ما أنزل عليها الماء اهتزت وربت. 

الداعية الحق إذا دخل قرية أشرقت أرضها بنوره واهتز أهلها لمقدمه فيهرعون إليه ويعكفون عليه، ويجدون فيه الدليل إلى الله، فمصافحته عهد لا ينقض وإشارته كلام لا يرد، ودعوته بركة لا تنقطع، وكنا في ذلك العهد أحداثًا ننظر إلى الشيخ وهو في المجلس كأنه «برهان الله» يُعبّر وهو صامت ويؤثّر وهو ساكن، والقوم من حوله مطرقون مستغرقون قد فرغت قلوبهم من مطامع الدنيا، وخلت صدورهم من وساوس الشيطان، فإذا ترك القرية خلف بها عهد الله يتصل به ما انقطع من الأسباب، ويقوى عليه ما وهن من المودة؛ ذلك لأن الشيوخ يومئذ كانوا يسمتون سمت الأنبياء، دينهم ودنياهم وحدة لا تتجزأ فإذا قالوا وعظوا، وإذا فعلوا أرشدوا وإذا أشاروا كانوا كأعلام البر تدل بالإشارة، أو كمنائر البحر تهدي بالشعاع، فلما تشوف العلماء إلى زهرة العيش واستشرفوا لعزة المنصب انطفأت من حولهم هالة الورع، فأصبحوا كالناس يفعلون فيُرمون بالرياء، ويقولون فيُتهمون بالكذب».[12] 

إن التزام الداعية بأخلاق الإسلام قولًا وعملًا فعلًا وتركًا، ل ابد أن يصحبه بل ويسبقه روح متصلة بالله كلما ضلت طريقها هرعت إليه، وكلما زلت في اتجاهها آبت إليه حتى ترى «وراثات النبوة في خلقه وسلوكه وعبادته وجهاده، وتضحيته وكبريائه على الدنيا، ومقاومته لفتنتها».[13] إنه لحري بالدعاة أن يطبقوا منهج الإسلام وتعاليمه على أنفسهم أولًا، أن يدعوا الناس بالحال قبل المقال كما فعل رسول الله ﷺ وحينئذ تستقيم الخطى ويتحقق الهدف ويؤمن الناس، ويدخلون في دين الله أفواجًا- التزامًا وسلوكًا وعبادة- وحينئذ نكون قد وضعنا أيدينا على أول الطريق الموصلة إلى رضوان الله وجنته.

___________________________________

[1]سكرتير تحرير مجلة الرسالة- القاهرة.

[2]أعلام الموقعين عن رب العالمين لابن القيم الجوزية ج1، ص9.

[3]الدعوة قواعد وأصول للأستاذ جمعة أمين ص29، ط3، دار الدعوة بالإسكندرية- مصر.

[4] السابق ص 39، 40.

[5]الرحيق المختوم للمباكفوري ج1، دار الوفاء، مصر، ص 83،84 بتصرف.

[6]مع الله: دراسات في الدعوة والدعاة لفضيلة الشيخ محمد الغزالي (رحمه الله) ص 219.

[7]منهج القرآن في التربية للأستاذ محمد شديد ص 25.

[8]مشكلات الدعوة والدعاة للأستاذ فتحي يكن، ط مؤسسة الرسالة، بيروت ص 78.

[9]إحياء علوم الدين للإمام الغزالي (رحمه الله) ج1، كتاب العلم، طبعة دار الشعب- مصر.

[10] السابق.

[11]في ظلال القرآن للشهيد سيد قطب، ج1 ص 56.

[12]مجلة الدعوة المصرية العدد 41 السنة 28 غرة ذي القعدة 1399هـ، أكتوبر 1979م، والكلام للكاتب الكبير أحمد حسن الزيات.

[13]مع الله.. مرجع سابق ص 219.

الرابط المختصر :