; دعائم النصر وأعمدة الفوز | مجلة المجتمع

العنوان دعائم النصر وأعمدة الفوز

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الثلاثاء 03-أكتوبر-2000

مشاهدات 62

نشر في العدد 1420

نشر في الصفحة 45

الثلاثاء 03-أكتوبر-2000

لا شك أن للجهاد في سبيل الحق تكاليف وأن للكفاح مع الباطل ثمنًا، وأن للصراع مع الفساد تضحيات، يتحملها الداعون إلى الحق، والمتعرضون لإزاحة الباطل، والمصارعون للفساد، والمفوضون لدعائمه، ولكن العاقبة لهم: والنصر في ركابهم، وصدق الله: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (سورة الأعراف: ١٢٨).

ولا شك كذلك أن للمناوئين للإصلاح والمعادين للإيمان، والمؤلبين على الدعاة، والمعذبين للمجاهدين من الطغاة والجبابرة والمتسلطين معاناة، وآلامًا ومنغصات، من هذا الصراع المحتوم وهذا الحق الصائل، وذلك الكفاح المؤمن، ولكنهم لا يرجون نصرًا أو عزًا أو استقرارًا وصدق الله: ﴿إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ ۖ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (سورة النساء: ١٠٤).

﴿وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَىٰ بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ (سورة النساء: 45) إن وقوع المعركة بين جند الحق وجند الباطل، واستعلاء سلطان الحق في عالم الواقع بعد استعلائه في عالم الضمائر، يحتاج إلى تعاليم للعصبة المسلمة، وإيحاءات لحشد الطاقات المؤمنة وتوجيهها نحو النصر، والفوز بالثبات عند لقاء الأعداء، والتزود بزاد النصر، والتأهب بأهبته، وقد حدد القرآن ذلك في صدق كأنها المعادلات الرياضية التي لا تختلف نتائجها، ولا تضطرب أرقامها، ومن أصدق من الله قيلًا وذلك في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِم بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ (سورة الأنفال: ٤٥: ٤٧) عوامل النصر الحقيقية: الثبات عند لقاء العدو، والاتصال بالله وذكره، والطاعة لله والرسول، وتجنب النزاع والشقاق، والصبر على تكاليف المعركة، والحذر من البطر والرياء والبغي.

1- فأما الثبات: فهو بدء الطريق إلى النصر، فأثبت الفريقين أغلبهما، وما يدري الذين آمنوا أن عدوهم يعاني أشد مما يعانون، وبألم كما يألمون، ولكنه لا يرجو من الله ما يرجون، فلا مدد له من رجاء في الله يثبت أقدامه وقلبه، لأن المؤمن لا يتزعزع- ولا يتردد ولا يهن ولا يضعف أبدًا، لأنه لا ينتظره إلا إحدى الحسنيين الشهادة أو النصر، ولا يتوقع إلا ما كتب الله له، ولو أن أهل الأرض جميعًا اجتمعوا على أن ينفعوه لم ينفعوه إلا بشيء قد كتبه الله له ولو اجتمعوا على أن يضروه لم يضروه إلا بشيء قد كتبه الله عليه، وأشد ما يحرص الناس عليه آجالهم وأرزاقهم، فهما أشد ما يدعوهم إلى التردد والضعف والخوف على الأعمار أن تقصر بالموت، والخشية على الأرزاق أن تنقص بالنفقة والمؤمن واثق تمام الثقة أن الأجل والرزق بيد الله وحده، لا سلطان عليهما لأحد غيره، ففيم التردد والخوف، والضعف والوهن، إن المؤمن ثابت لا يلين، قوي لا يضعف، وكثيرًا ما كان الفرق بين الهزيمة والنصر ساعة من الثبات، وصدق الله ﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ (سورة آل عمران: ١٤٦).

2- وأما ذكر الله تعالى: فهو أمان الخائفين، وأمل اللاجئين، والمؤمن يعلم تمام العلم ويوقن أعمق اليقين، بأن قدر الله أعظم القدر، وأن قوة الله أجل القوى.. ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (سورة يوسف: ٢١)، فإذا أحاطت به عوامل اليأس، وهتفت به هواتف الهزيمة من كل مكان، وأحدقت به قوى الأعداء من كل جانب ذكر صادقًا، أن وراء ذلك كله قوة القوي القدير العلي الكبير، الذي له ملك السموات والأرض، ومن فيهما جميعًا عباده، بيده ملكوت كل شيء وهو على كل شيء قدير، له مقاليد السموات والأرض: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ ۚ﴾ (سورة المدثر: ٣١)، ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ (سورة يس: ٨٢).

فماذا عسى أن ينال من نفسه تهويل المهولين، أو قوة المتكاثرين أو عدة المعتدين؟ لا شيء أبدًا.. ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ (سورة آل عمران: ١٧٣).

3- طاعة الله ورسوله: فلا قتال إلا لغاية ولا عمل إلا في حدود، وإذا كانت الغاية مرضاة الله ورسوله، وإذا كانت الحدود حدود الله ورسوله، وما وضع العليم الخبير لعباده من نظم ومناهج وأحكام وقواعد، تبصرهم بالخير وتأمرهم به، وتحذرهم من الشر وتنهاهم عنه، كانت تلك ولا شك أنبل الغايات، وأشرف المقاصد، يهون في سبيلها البذل، ويطيب من أجلها الكفاح.. ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ ۖ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ (سورة النساء: ٧٦).

4- الوحدة والإخاء: في العاطفة والقيادة والجندية، والقول والعمل، والشعور والروح، والمقصد والغاية، والوحدة في كل شيء على أساس القوة، وملاك العزة، وما تفرق قوم إلا ضعفوا، وما اختلف نفر إلا ذلوا، والوحدة صميم الإيمان، والتفرقة من معاني الكفر، ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (سورة الحجرات: ١٠).

5- والصبر وهو أصل الثبات: فلا ثبات إلا للصابرين، والثبات مظهر وعمل، والصبر عاطفة وخلق، والصابرون يوفون أجرهم بغير حساب في الدنيا بالنصر والظفر، وفي الآخرة بالمثوبة والأجر: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ (سورة البقرة: 155) ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ (سورة البقرة: ٤٥) ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا ۖ وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ (سورة السجدة: ٢٤).

6- تصحيح النية وطهارة المقصد: فلا يكون الغرض عدونا على أحد، أو إبطالًا لحق، أو إحقاقًا لباطل، أو تهجمًا على آمنين، أو اغتصابًا بالآخرين، بل يكون دفاعًا مشروعًا، أو حماية لمثل عليا: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِم بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ (سورة الأنفال: ٤٧) والعصبة المؤمنة تخرج متجردة من حظ نفسها في المعركة فلا يكون لها من النصر والغلبة إلا تحقيق طاعة الله في تلبية أمره، وإقامة منهجه في الحياة، وإعلاء كلمته في الأرض، والتماس فضله ورضاه.

وبعد: فهذا وعد الله وهذا حديثه وكلامه وما بقي إلا أن يعلم الله من نفوسنا خيرًا ومن أعمالنا صدقًا، ومن عزائمنا صبرًا، حتى يتنزل نصر الله وما هو منا إن شاء الله ببعيد، نسأل الله الثبات والعون والتوفيق.. آمين آمين

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 4

167

الثلاثاء 07-أبريل-1970

مجليات 4

نشر في العدد 10

203

الثلاثاء 19-مايو-1970

كيف ربّى النبي جنده؟

نشر في العدد 17

157

الثلاثاء 07-يوليو-1970

لعقلك وقلبك - العدد 17