العنوان مغرب ثنائي اللغة بين عدالة المطلب وأخطار التفتيت..دسترة الأمازية.. جدلّ لم يُحسم
الكاتب إبراهيم الخشباني
تاريخ النشر الجمعة 20-أبريل-2012
مشاهدات 79
نشر في العدد 1998
نشر في الصفحة 30
الجمعة 20-أبريل-2012
خطاب الملك قبل عام اعتبر الأمازيغية ملكا لجميع المغاربة
منذ دخول الإسلام المغرب ظل الدستور المغربي يؤكد أن الإسلام دين الدولة وبقبول من جميع فئات المجتمع
لم يسبق في تاريخ المغرب أن طرحت قضية اللغة الأمازيغية كما تطرح منذ العقود الأخيرة
هيمنة اللغة الفرنسية في الإدارة والإعلام والأعمال والثقافة والفضاء العام تزداد في المغرب على حساب اللغة الرسمية
اللغة هي في الواقع بصمة رمزية مهمة جدا في كيان الأمم، وعلى المستوى السيكولوجي والاجتماعي فإنها تمثل بالنسبة لفئة ما من الشعب وسيلة تعبير وتواصل، لذلك فاحتدام المشهد في المغرب ليس مستغربا: لأن الأمر يتعلق بهوية وتكوين حضاري واجتماعي ونسيج قومي لأمة، ينص الدستور المغربي الحالي في تصدير ديباجته على أن المملكة المغربية دولة إسلامية ذات سيادة كاملة، لغتها الرسمية هي اللغة العربية، وهي جزء من المغرب العربي الكبير...
هذا التعريف للمغرب نجده في كل الدساتير المغربية منذ أول دستور تم اعتماده سنة ١٩٦٢م، إلا أن الحديث حول مراجعة الدستور المغربي أعاد إلى دائرة النقاش العام قضية اللغة والثقافة الأمازيغية خاصة بعد الخطاب الملكي في التاسع من مارس العام الماضي والذي تضمن ضمن المرتكزات السبعة الواجب أن يتأسس الدستور على أساسها اعتبار الأمازيغية ملكا مشتركا الجميع المغاربة لكونها في قلب الهوية المغربية الغنية بروافدها المتعددة.
يحذر العديد من الخبراء والمفكرين من إقرار صيغة ثنائية اللغة الرسمية في المغرب حيث لا يعقل أن تكون لدولة ما أكثر من لغة رسمية واحدة، ويقدمون كمثال للإخفاق في ذلك ما تعيشه بلجيكا اليوم، التي اعتمدت الغتين رسميتين الفرنسية والفلامانية وأوصلها خيارها هذا إلى الباب المسدود الدرجة أنها اليوم مهددة بالتفكك كما أنهم يرون أن دسترة الأمازيغية كلغة وطنية من باب تحصيل الحاصل، فهي أصلا لغة وطنية يتكلم بها أكثر من ثلاثين في المائة من المغاربة والجدير بالذكر أن المتشبثين باللغة العربية كلغة رسمية يحتجون يكون اللغة الرسمية للدولة لا يمكن أن تكون إلا واحدة وهي اللغة العربية، بما أنها تستمد قدسيتها من كونها لغة القرآن كتاب دين المغاربة منذ أكثر من اثني عشر قرنا بجانب أن الدستور المغربي الحالي الذي يؤكد في الفصل السادس منه وهو الفصل الذي يدافع أغلب الفاعلين على الاحتفاظ به الإسلام دين الدولة، والدولة تضمن لكل واحد حرية ممارسة شؤونه الدينية.
إلا أن الحجج التي يسوقها دعاة وحدة اللغة لم تكن مقنعة لدعاة ترسيم الأمازيغية، وهم يرون أنها ذريعة تخفي وراءها عقلية تسلطية للقوميين العروبيين على المشهد السياسي المغربي ويؤكدون أن ترسيم، الأمازيغية هي خطوة أساسية نحو تطوير وتثبيت التعددية الثقافية التي يرجى من الدستور المرتقب أن يضمنها، ويرى أحمد عصيد رئيس المرصد الأمازيغي للحقوق والحريات، والذي يعتبر من المتحمسين العلمنة المجتمع المغربي أن هناك ضرورة لإعطاء اللغة الأمازيغية وضعية اللغة الرسمية بجانب اللغة العربية من أجل تحقيق المساواة والعدل بين كافة المغاربة باعتبارها الوضعية الكفيلة بضمان الحفاظ على اللغة الأمازيغية، فيما يتسم موقف الأستاذ أحمد بوكوس عميد المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية،على عكس موقف عصيد بغير قليل من الاعتدال، فهو يرى كما العديد من المغاربة الأمازيغ: أن النموذج المغربي لا يتضمن ما وصفه بالتعددية المفرطة، بل هناك لغتان فقط العربية التي تعتبر الآن اللغة الرسمية والأمازيغية باعتبارها الإرث الثقافي والتاريخي، واللغة الأصيلة وهو ما يعني أنهما غير متناقضتين، ويعتبر أن التنصيص على اللغة الأمازيغية يجب الا يقتصر فقط على الصفة الرمزية بل لابد من ظهور هذا القرار، وإدماجه في السياسات العمومية كالتعليم والإعلام والإدارة.
الاحتلال.. وإستراتيجية التفتيت
لم يسبق في تاريخ المغرب أن طرحت قضية اللغة الأمازيغية كما تطرح منذ العقود الأخيرة، فعلى الرغم من كون أغلب المغاربة ينحدرون من أصول أمازيغية فإنهم لم يسبق لهم على مر القرون منذ دخول الإسلام إلى هذه الأرض منذ حوالي ثلاثة عشر قرناً أن شعروا بأي تعارض مع لغة القرآن، كما أن الفاتحين الأولين من العرب لم يفرضوا لغتهم على الأمازيغ، بل إن كتب التاريخ المغربي تحكي أن الآذان ظل يرفع في الصوامع المغربية حتى عهد الموحدين في القرن الثالث عشر باللغة الأمازيغية. ولقد حاول المستعمر دائما أن يستغل مشكل اللغة هذا ليفتت المغرب إلى دويلات بالتفريق بين الناطقين بالعربية والناطقين بالأمازيغية، بل الأمازيغيات التي هي ثلاث لهجات سوسية وريفية وزيانية ولعل أشهر محاولاته الفاشلة ما يعرف به الظهير البربري عندما أصدر المقيم العام الفرنسي سنة ١٩٣٠م ظهيرا يتم بموجبه في المناطق العربية سريان أحكام الشريعة التي كانت مازالت هي المعمول بها في المغرب على أن تسري القوانين الوضعية الفرنسية في المناطق الناطقة بالأمازيغية (البربرية)، وهي محاولة تدخل في منطق فرق تسد...
ولكن المغاربة عربا وأمازيغ أفشلوا هذا الظهير عندما انطلقت من مساجد البلاد كلها مظاهرات بعد كل صلاة تهتف بشعار اللطيف الذي يقولون فيه: يا لطيف، بالطيف الطف بنا فيما جرت به المقادير ولا تفرق بيننا وبين إخواننا البرابر إلا أن ذلك لا يعفي الداخل من المسؤولية عن تفاقم المشكلة، فالبعض يرى أن البذرة الأولى للمشكلة غرسها دون أن يشعروا المسؤولون الأولون عن وزارات التعليم مباشرة بعد استقلال المغرب فرموز الحركة الوطنية المغربية الذين تولوا المسؤولية آنذاك كان أغلبهم مرتبطين أيديولوجيا بحركات وطنية مناضلة من المشرق العربي، ومنهم متأثرون جداً بأفكار الأحزاب القومية العروبية آنذاك، مثل حزب البعث العربي، وبأفكار ميشل عفلق و صلاح الدين البيطار ثم حركة عبد الناصر الوحدوية، هؤلاء عندما تسلموا زمام وزارة التربية الوطنية في بداية الاستقلال جعلوا مناهج تدريس تاريخ المغرب تبتدئ بدرس واحد يؤكد أن سكان المغرب الأصليين هم الأمازيغ.
ثم سرعان ما أغلقوا هذين القوسين الذين وضعوا وسطهما هذا الدرس ليلحقوا المغاربة بتاريخ الجزيرة العربية والمشرق العربي، وكان هؤلاء السكان الأصليين بدائيون لا حضارة لهم ولا تاريخ، وهذا الأمر أشعر الأمازيغ بالتهميش، وبالرغبة في إعدام ثقافتهم، مع أن الانتماء إلى المحيط العربي وإلى الإسلام لا يلغي المقومات الحضارية المعتنقيه، هذا الشعور بالتهميش الذي لم يشعر به الأمازيغ قط طيلة القرون التي جعلوا فيها العربية لغتهم والإسلام دينهم.
الفرنسية خطر يهدد اللغة الرسمية
إن الهيمنة الساحقة للغة الفرنسية في الإدارة والإعلام والأعمال والثقافة والفضاء العام تزداد أكثر فأكثر في المغرب وجدير بالتذكير أن الفرنسية تم فرضها بقوة السلاح من طرف المستعمر، والواقع الحالي يشهد انتشارا واسعا لاستخدام اللغة الفرنسية في المغرب على حساب اللغة العربية كلغة رسمية ويرى السيد موسى الشامي رئيس الجمعية المغربية لحماية اللغة العربية وثقافتها أن المشهد اللغوي المغربي يتخبط في حالة من الفوضى تتسم بضبابية الرؤية، وضعف العزيمة، ونشوب الخصومات المفتعلة، وطغيان كاسح للغة الفرنسية على حساب اللغة الدستورية للبلاد واللغات الوطنية الأخرى وخصوصًا الأمازيغية.
ويضيف الشامي: أن اللغة العربية بالخصوص رغم كونها اللغة الرسمية بمنطوق الدستور ووضعها النظري كأحد ثوابت الوطن والأمة، ورغم النصوص القانونية والإدارية مازالت مهمشة وتهميشها يتفاقم، وفي كثير من الأحيان تحتكر الفرنسية الفضاء العام وتطغى على الإعلام العمومي والقنوات الإذاعية الخاصة والعديد من المصالح والإدارات وميدان الاقتصاد برمته، مما يضرب في الصميم مبدأ استقلالية الدولة ويبرز ضعف الإرادة السياسية لنهج سياسة لغوية واضحة تروم بناء الإنسان المتشبع برصيده الثقافي ورسالته الحضارية وهويته، وقطع الطريق على عناصر التنافر بين مكونات هذه الهوية التي تعايشت وتلاحقت قرونا طويلة وتفاعلت بل أثرت في فضاءات انتماءاتها المتعددة..
هكذا لم يحسم الجدل بعد، ويبقى أن تؤكد أنه ش الواجب احتواء الخصوصيات ضمن رابط جامع يوحدها في مجتمع متضامن، في إطار من الوطنية الموحدة، كما كان المغرب دائما منذ قرون، قبل أن يبتلي بالاستعمار الذي لم يغادرنا حتى زرع بذورا سيئة يجب منعها، وعلينا أن ننظر إلى فشل التعنت في فرض تعددية لغوية متعسفة، وهو الفشل الذي يمثله أمامنا اليوم النموذج البلجيكي الذي ينتظر الكثيرون اندثاره وانقراض دولته.