; زمن التجرؤ على كل الثوابت درويش كتب.. ومارسيل غنى آية من سورة يوسف! | مجلة المجتمع

العنوان زمن التجرؤ على كل الثوابت درويش كتب.. ومارسيل غنى آية من سورة يوسف!

الكاتب جمال الدين شبيب

تاريخ النشر الثلاثاء 19-أكتوبر-1999

مشاهدات 77

نشر في العدد 1372

نشر في الصفحة 41

الثلاثاء 19-أكتوبر-1999

دار الفتوى: إدخال آية من القرآن الكريم في الغناء أمر محرم وغير جائز

أثار القرار الظني الصادر عن قاضي التحقيق الأول في بيروت عبد الرحمن شهاب الذي طلب عقوبة السجن للمغني اللبناني اليساري «مارسيل خليفة»، من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات بجرم إقدامه على تحقير الشعائر الدينية، وذلك بإدخال آية من القرآن الكريم من سورة يوسف ملحنة ومتلوة على أنغام موسيقية ردود فعل متفاوتة.

دار الفتوى في لبنان أوضحت الموقف الشرعي من المسألة في بيان صدر عنها دون أن يسمي خليفة، أو يتعرض لمساءلته قانونيًا، فيما اعتبر بعض الأوساط أن القضية محض سياسية، فلا مصلحة لخليفة في تجريح الأديان، ولا هو انتبه أساسًا إلى أن تلحين قصيدة لمحمود درويش سيوقعه في مأزقه الحالي.

وكانت هذه القضية قد أثيرت عام ١٩٩٦م بكتاب وجهته المديرية العامة للأمن العام إلى النيابة العامة الاستئنافية في بيروت، التي ادعت على خليفة بتهمة تحقير الشعائر الدينية، وقد تدخل أنذاك رئيس الحكومة السابق «رفيق الحريري»، وطلب من وزير العدل وقف ملاحقة «خليفة»، لكن قاضي التحقيق «سعيد ميرزا» كان قد أمسك بالملف، واستجوب «مارسيل خليفة»، الذي نفى أن يكون قد احتقر شعائر الدين الإسلامي حين عنى الآية ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ (يوسف: 4)، وهي واردة في ديوان الشاعر الفلسطيني «محمود درويش».

القاضي ختم التحقيق، وأحاله إلى النيابة العامة لإبداء مطالعتها بالأساس، وعاد الملف إليه، لكنه لم يصدر فيه أي قرار.

ونامت القضية في الأدراج أربع سنوات حتى استلم القاضي عبد الرحمن شهاب هذه الدائرة، وأصدر قراره الظني بعد ساعات من استلامه الفعلي لمهامه فأصبحت محاكمة خليفة إلزامية.

ومما جاء في وقائع هذا القرار أن مارسيل أقدم على تحقير الشعائر الدينية، وذلك بإدخال آية من القرآن الكريم من سورة يوسف ملحنة ومتلوة على أنغام موسيقية في كاسيت «ركوة عرب»، وقد وردت الآية مغناة وبرفقة التخت الموسيقي.

قضية مدبرة..

مارسيل خليفة دافع عن نفسه في أحاديث صحفية، فقال: «أنا لست ممن يقدمون على تحقير الشعائر الدينية، هذا ليس واردًا عندي، ثم إنني لم أفكر يومًا في حياتي بمثل هذه التهمة، وهي تهمة مخيفة ونافرة، يتبعها تحقيق وملاحقة جنائيان»، وردًا على سؤال: لماذا لحنت القصيدة التي كتبها محمود درويش؟ أجاب خليفة: «لأنها تستعيد قصة يوسف الصديق كمجاز للإنسان العربي المعاصر».

دار الفتوى

دار الفتوى في لبنان تعاملت مع القضية بحذر، واكتفت بإصدار بيان يوضح الموقف الشرعي دون أن تسمي المغني بالاسم، ودون أن تتعرض لملاحقته قانونيًا، واكتفت بتناول القضية من حيث المبدأ.

وجاء في بيانها: «إن اقتباس آية أو آيات من القرآن الكريم وإدخالها في المواعظ والخطب، والثناء على الله، والدعاء، والأعمال الأدبية التوجيهية، والبحث العلمي هو أمر جائز شرعًا، لاندراجه في دائرة تعظيم كتاب الله- عز وجل- القرآن الكريم.

وأما إدخال أية أو آيات من القرآن الكريم في الغناء المعروف والشائع- ويصرف النظر عن النوايا والمقاصد- فهو أمر محرم، وغير جائز مطلقًا لا عقلًا ولا نقلًا، أما عقلًا فإن القرآن الكريم هو للتلاوة، والتعبد، والتفكر، والتشريع لحياة الناس، وتزكية نفوسهم، وأما نقلًا فإن المراجع الفقهية الشرعية حافلة بتحريم قراءة القرآن الكريم بالمعازف، وعلى غير الوجه المعهود في التلاوة وفقًا لقواعد التجويد في الشريعة.

والمغني الذي قام بإدخال آيات من القرآن الكريم في أغنيته- وليس قارئًا قرأ أو يقرأ القرآن حسب قواعد التجويد- وإنما هو مغن أدخل آيات القرآن الكريم في أغنية غناها بالمعازف كسائر الأغاني الشائعة على وجه يعتبره فقهاء الإسلام-بصرف النظر عن النوايا والمقاصد- استخفافًا وتحقيرًا، وتهاونًا غير لائق بكلام الله تعالى، وهو ليس من الاقتباس الجائز الذي أشرنا إليه أنفًا.

وهذا التحريم لا علاقة له بمصادرة الحريات، وحرية التعبير والمساس بها؛ لأن القرآن الكريم وهو كلام الله- عز وجل- يجب أن يكون خارج دائرة الغناء الشائع مهما كانت طبيعته وموضوعه.

فإن للحرية حدودًا وضوابط وللحق حدودًا، وإلا انقلب معنى الحرية إلى التعدي والإساءة، ومعنى الحق إلى سوء الاستعمال والتعسف. وسبق أن أثير هذا الموضوع في مصر منذ سنوات عدة، وأفتى الأزهر بتحريمه ومنعه».

اليسار اللبناني

الحزب الشيوعي اللبناني اعتبر القرار بحق «خليفة»، قرارًا طائفيًا ومتزمتًا (...) يمس الحريات العامة، وفي مقدمتها حرية الرأي والتعبير، فيما استنفرت الأقلام اليسارية لتشن حملة منظمة على القرار القضائي على الرغم من عدم تحديد موعد المحاكمة، ودون أن يتم توقيفه حتى الآن.. وشنت هجومًا واسعًا على التيار الإسلامي في لبنان، والمؤسسات الدينية الرسمية، واتهمتها بـ «الظلامية» والتضييق على الحريات.

 وتساءلت مصادر سياسية مسؤولة في حزب الله، عن أسباب تكبير الموضوع في حين أنه مسألة قضائية، وأوضحت أن أحد المسؤولين الأساسيين في السفارة الأمريكية في لبنان يقوم بالتحرك لدى رموز اليسار في لبنان لإقناعها بأن المناخات الصراعية التي قامت بين الولايات المتحدة والحركات اليسارية قد انتهت، وبرز الآن عدو مشترك هو «الأصولية»، وقاعدة مواجهتها تقوم على يد أهل الاختصاص من العلمانيين، وحذرت المصادر أنه في الوقت الذي تسعى فيه الولايات المتحدة إلى إقفال ملف الصراع العربي- الإسرائيلي، فهي تسعى إلى فتح كل ملفات الصراعات الداخلية، سواء كانت بين العلمانيين والأصوليين، أو بين القوميين الوحدويين والكيانيين اللبنانيين.

 مصادر مراقبة ربطت بين تحريك هذه القضية ضد «خليفة» في هذا الوقت بالذات، وبين تحرك الحكومة الحالية لفتح ملفات كل من يمت إلى رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري المعارض حاليًا، والجدير ذكره أن مارسيل خليفة كان قد غنى مؤخرًا في احتفالات «خان الإفرنج» في صيدا التي نظمتها مؤسسة الحريري.

ويبقى السؤال مطروحًا: إلى أي مدى ستندفع السلطة في قرارها الظني؟ ومتى سيحاكم «خليفة»؟ وما طبيعة الحكم الذي سيصدر بحقه؟ مع العلم أن الاعتقاد السائد يقول: إن ملفًا استغرق أربع سنوات ليتحرك من غير المتوقع أن يصدر فيه أي حكم قبل عدة سنوات أخرى.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 976

77

الثلاثاء 31-يوليو-1990

المجتمع الإسلامي (العدد 976)