العنوان دروس ومعان عظيمة من القصة الخالدة للذبيح وأبيه
الكاتب د. إيمان مغازي الشرقاوي
تاريخ النشر السبت 18-نوفمبر-2006
مشاهدات 111
نشر في العدد 1727
نشر في الصفحة 55
السبت 18-نوفمبر-2006
تأملات في قصة الفداء
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾
عندما تسطع شمس الحب على أفئدة المتحابين فتغمرها بأشعة النور الدافئة وحينما يصعد ذلك الحب العظيم سلم القلوب درجة درجة بتؤدة وثبات مخترقًا شغافها حتى يبلغ منتهاه، يعتلج بالصدور ساريًا بين العروق والأوصال والدماء، حتى يفيض خيره على صاحبه ويتنسمه كالهواء، فتجده قوي الفؤاد ثابت الجأش، طاهر الجنان يتخطى كل الصعاب ليحيا به ويعيش معه الحقيقة التي لا ينخدع أمامها بالسراب.
وحين يعترض السراب طريق السائرين ويوهمهم بالأمل الكاذب ويطمس أعينهم عن فرية الزيف والضلال لتضعف عن الإبصار وتنخدع بالبريق واللمعان، يعمل حب الله عمله في النفوس فيحييها من بعد موات ويقويها بعد ضعف ويعزها بعد ذل.
نعم.. إنه الحب الذي يفعل - كما ولون – المعجزات!
البشارة والابتلاء:
لقد قص الله تعالى علينا قصص أنبيائه ورسله الكرام، وأطلعنا في كتابه الكريم على دلائل حبهم العظيم له عز وجل حبًا ملك عليهم كل ذرة في أجسادهم الشريفة وملأ قلوبهم الطاهرة، فلا مكان فيها لأحد سواه سبحانه حبا تجسد في أقوالهم وأفعالهم... وفي حركاتهم وسكناتهم، بل في أنفاسهم فراتهم، حتى صار علمًا على نبوتهم عظيمة ودرجتهم الرفيعة ومنزلتهم التي لا يساميها أو يصل إليها أحد غيرهم.
ومما قصه الله تعالى علينا في القرآن نظيم قصة الفداء التي اشتهر بها خليله إبراهيم عليه السلام، حيث اختبره وابتلاه في أعز ما يملك الإنسان من متاع الحياة وزينتها.. ولده وفلذة كبده – إسماعيل عليه السلام - الذي رزقه الله إياه بعد صدق دعاء وطول مكث وانتظار، وهبه إياه بعد شوق كبير وحرمان، وقد بلغ من الكبر عتيًا، وكان مولده في هذه السن وفي هذا العمر آية من آيات الرحمن، فحين دخلت عليه الملائكة الكرام وبشروه بالغلام قائلين: ﴿إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾ قال لهم إبراهيم - عليه السلام: ﴿قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَىٰ أَن مَّسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾(الحجر:54). وقد تعجبت زوجه هي الأخرى فقالت: ﴿قَالَتْ يَا وَيْلَتَىٰ أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَٰذَا بَعْلِي شَيْخًا ۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ (هود:72).
الطاعة بحب:
وها هو الولد.. الأمل والفرح والحياة المتجددة.. البهجة والأنس والسعادة.. ها هو وقد قرت به العين وسعدت، واطمأنت به النفس وهدأت وازدانت به الحياة وحسنت... ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (الكهف: ٤٦). لكن الخليل لا يرضى من خليله أن يزاحمه معه في الحب أحد، ومن هنا ابتلاه، وكانت الرسالة الأبوية من الخليل لولده بأمر الله: ﴿يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ ﴾. تفيض رقة وعطفًا وأبوة وشفقة، وتشع نورًا ويقينا، وإيمانًا وتسليمًا لأمر الله، فيأتيه الجواب من الابن المؤمن البار الذي يعي مضمون الرسالة، فهي وحي من الله تعالى وليست كغيرها من رسالات الناس، تمامًا كما أنهم ليسوا كسائر البشر فهم الأنبياء المعصومون الأصفياء.
يجيب الابن بكلمات ممتزجة باليقين تعلوها ثقة لا شك فيها بالوعد الصادق أن ما عنده سبحانه خير وأبقى من هذه الحياة، وتدوي كلمات حبه لله قوية تتبع من الفؤاد: ﴿قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ (الصافات:102). وصدق الله العظيم ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِۗ﴾ (البقرة: ١٦٥). إننا جميعًا نقرأ هذه الآيات ونؤمن بها وتعرف تلك القصة العظيمة وتنقلها لأبنائنا ونحكيها كما جاءت في قرآننا، ولا سيما في موسم الحج وعيد الأضحى والفداء، نشي فيها على خليل الله نجاحه في الامتحان وحصوله على أعلى وسام ﴿يَا إِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا ۚ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ﴾ (الصافات: 105- 106)، وكلنا يتذكر جائزة الفداء العظمى ونزولها من السماء و﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ (الصافات: 107). حيث نجدد ذكراها كل عام بذبح الأضاحي والتقرب بلحومها إلى الله.
وفي هذه السلسلة تأملات في قصة الفداء نعيش معا - إن شاء الله - ونتنقل بين أنواع مختلفة من الفداء التي يمثل حب الله فيها دافعًا أساسيًا له، ونأخذ معاني عظيمة من تلك القصة الخالدة التي جسدت هذا الحب في أعلى صوره، وتوجت أفعال المحبين وتوجهاتهم، نعيشها في الماضي وتربطها بالحاضر، ونستضيء بها في المستقبل بمشيئة الله عز وجل.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل