العنوان دروس وعبر من سيرة خير البشر
الكاتب د. جاسم المهلهل آل ياسين
تاريخ النشر الثلاثاء 17-سبتمبر-1985
مشاهدات 66
نشر في العدد 733
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 17-سبتمبر-1985
هكذا كانوا...
كان الصحابة
رضوان الله عليهم يعلمون أبناءهم المغازي والسير كما يعلمونهم السور من القرآن،
لأنها تمثل المعالم الحقيقية لمسيرة الدعوة والدروس العملية لخطوات الحركة،
والبناء في الصرح الإسلامي، ومقالنا اليوم يتحدث عن طريق من طرق الدعوة- طريق
الهجرة- لنستلهم منه المعالم والعبر، والطريق كلما عظمت مهمته عظمت معالمه، يهتدي
بها السائرون ويحتمي بها المطاردون، طريق مسافته طويله، عهده قديم، معالمه بارزة،
سراجه مزكى، معالمه مجددة، فإلى هذا الدروس...
الدرس الأول:
بين الفردية والجماعية السياسية
كانت دعوة النبي
صلى الله عليه وسلم في أول أمرها قائمة على الاتصال الفردي المحدود بأبعاده
وأعيانه وكان ذلك في العهد السري بداية الأمر، ثم كان الاتصال الفردي بجموع الحجاج
والقبائل طلبًا للنصرة، وهذا كله كان قبل الهجرة، فإذا ما كانت الهجرة تبلورت
الدولة الإسلامية في إطارها السياسي المتكامل بقيادته ومؤسساته وأفراده، فكان هذا
التأصيل العملي الذي يؤكد أن الإسلام دين ودولة، وحكومة ونظام، وجهاد وسيف، كما هو
عقيدة صادقة وعبادة صحيحة، وبهذا تتهافت أصنام الفكر العلماني وتتساقط زبالات
ونحاتات الفصل المادي بين الدين والسياسة.
ولأهمية هذا
التأصيل نرى أن الفاروق رضي الله عنه رفض أن يؤرخ لهذه الأمة بتاريخ فارس أو الروم
أو مولد النبي صلى الله عليه وسلم أو بعثته بل أرخ للمعلم الواضح بين عهدين في
المسيرة الإسلامية، الدعوة الفردية والدولة السياسية.
الدرس الثاني:
بين التخطيط والعفوية في العمل الإسلامي:
حياة النبي صلى
الله عليه وسلم في جميع مراحلها محطات تفكر للقائمين بالعمل الإسلامي تحسم الخلاف
الذي قد يستغله الكائدون للإسلام لإفساد ذات البين بين الدعاة لله سبحانه، ومن
الأمور التي نحسمها من خلال معلم الهجرة هو ضرورة التخطيط في المسيرة الإسلامية
فالنبي صلى الله عليه وسلم عندما أراد المسير أكمل عناصر الخطة في مسيرته وهي:
1-
تعيين الهدف:
فالنبي صلى الله
عليه وسلم قبل مسيره عين المكان الذي سيذهب له فهو ليس هروبا مطلقا ولا مسيرة إلى
مجهول، ولا تبرئة للذمة فقط، بل هو خروج من مكان معلوم إلى مكان مرسوم، وكذلك
أصحاب الدعوة الإسلامية لا بد أن يعينوا ماذا يريدون وما هو هدفهم المرحلي والعام
من تجمعهم وعملها، فوضوح البداية يؤدي إلى سلامة النهاية.
2- اختيار الرفيق:
إن مسيرة الدعوة
ليست سفرًا قاصدًا ولا نزهة قصيرة، ولكنها حياة دائمة وملاصقة مستمرة، ولهذا كان
لا بد من التمحيص والاختيار لإخوان الطريق، وإن أدى ذلك إلى قلة العدد وطول
الانتظار، فالنبي صلى الله عليه وسلم وبعد طول الانتظار يأتي إلى الصديق وقت
الظهير ليبشره بأن الاختيار قد وقع عليه فتكون الأخوة والمحبة والفرحة بين القائد
ومن معه في الطريق لتستمر المسيرة بطهارة ونقاء.
3- تعيين الجند في الحركة:
إن القائد من
غير الجنود كالجنود من غير قائد، فعملية الدعوة هي تكامل بين القيادة والجندية،
قيادة توجه وجندية تنفذ من غير طلب لمغنم أو مكسب، فعبادة القيادة بالنصح وعبادة
الجندية بالطاعة ولا يضر بعد ذلك إن كان المكان في المقدمة أو كان في الساقة...
وخير مثال على ذلك جندية علي بن أبي طالب رضي الله عنه الذي ضرب قمة الجندية في
امتثاله لأمر قائده صلى الله عليه وسلم في النوم مكانه في مركز تحدي المشركين،
واختيار النبي صلى الله عليه وسلم لعنصر الشباب في علي رضي الله عنه إنما هي لفتة
للسن والعمر الذي يرتضي بالجندية ويتمثل للطاعة.
4- التموين والبناء المالي:
فكل مشروع لا بد
له من المال فهو عصب الحياة، ومن أكبر المشاريع بالنسبة للمؤمن، الدعوة إلى الله،
لذلك كان لا بد للدعوة الإسلامية أن تضع للجانب المالي الاهتمام الذي يليق به،
ويكون وسيلة لاستمرارية الدعوة لا غاية في ذاته، ومن هذا المنطلق عين النبي صلى
الله عليه وسلم أسماء ابنة الصديق رضي الله عنها وعن أبيها لتقوم بهذا الواجب،
فقامت رضي الله عنها بحمل الأمانة وإن كان ذلك على حساب مالها الخاص- فرحم الله
ذات النطاقين- قدمت ولم تأخذ.
5- الجهاز الأمني:
ليس من الكياسة
في شيء أن الإنسان يزرع حديقة ويتعب بها ثم يتركها نهبًا للصوص والدواب، فالذي
يزرع ويبني لا بد أن يحمي الذي قام به، ومن هذا المنطلق كان تعيين عبد الله بن أبي
بكر ليأتي بالأخبار، وعامر بن فهيرة لعملية التمويه وتعمية الأخبار. هذه هي عناصر
الخطة المتكاملة في مسيرة الهجرة خططها المصطفى صلى الله عليه وسلم وقام بالإشراف
على تنفيذها ولم ينقص ذلك من أن يكون سيد المتوكلين صلى الله عليه وسلم، ولكن هنا
لا بد من ملاحظة أن التخطيط لا يعدو أن يكون سببًا من الأسباب، ولكن السبب الأساسي
هو الاعتماد على الله سبحانه والتبري من الحول والقوة، وذلك بالدعاء والرجاء،
ولهذا كان الرسول الكريم حين خروجه من البيت يقول:
﴿وَقُلْ
رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي
مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا﴾ (الإسراء:80).
وهكذا هذه
الحقيقة تتكرر في القرآن لتبين جنود الله الذين نصر الله بهم عباده.
الدرس الثالث:
متطلبات الدعوة الإسلامية
إن للحركة
متطلبات كثيرة معروضة في هدي محمد صلى الله عليه وسلم وموضحة في القرآن الكريم..
نحتار منها:
أ- حب الجندي
للقائد: وهذا يتضح من خلال رحلة الصديق من مكة إلى المدينة، ومن خلال قصة خبيب بن
عدي.
ب- حب القائد
للجندي: فقد كان صلى الله عليه وسلم يسهر ليناموا، ويتعب ليستريحوا، ويجوع ليشبعوا.
ج- الثقة بنصر
الله: فقد خرج الرسول الكريم طريدًا، ومع ذلك كان واثقًا بنصر الله فها هو يقول
لسراقة بن مالك مع أنه كان لا يملك من أمر الدنيا شيئًا: "كيف بك يا سراقة
إذا أنت لبست سواري كسرى"
د- الترفع عما
في أيدي الناس، فهو لم يطمع فيما يمكله الآخرون وهذا واضح من وعده لسراقه.
هـ- الدعوة في
جميع الظروف، فقد كان يتابع الدعوة وهو في ظروف الهجرة الصعبة لقد دعا بريدة بن
الحصيب مع قومه إلى الإسلام وتم له ذلك.
و- الحركة في
الأيام الأولى لها ميزاتها، وهذا واضح في قولة عمر في فضل الصديق رضي الله عنه:
لليلة من ليالي الصديق بغار ثور تعدل آل الخطاب.
ز- الهجرة بداية
النصر وهذا واضح بدليل قوله تعالى: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ
إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ
إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ (التوبة: 40).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل