; دروس وخبرات أم جهلة ورياسات؟ | مجلة المجتمع

العنوان دروس وخبرات أم جهلة ورياسات؟

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الثلاثاء 27-أبريل-1999

مشاهدات 3

نشر في العدد 1347

نشر في الصفحة 49

الثلاثاء 27-أبريل-1999

معالم على الطريق



خاض العلم اليوم في كل شيء، وفتح مجالات ومغاليق كانت موصدة على مر التاريخ وسبر أغوارًا وغاص في أعماق من المجهولات والمحميات، ليكشفها ويلقي عليها الأضواء ليستفيد منها إنسان العصر، وينهل منها راغبو الصلاح والإصلاح، ويستثمر نعم الله في الأشياء، ويستخرج من كنوزها ما يحب ويهوى ويتحاشى ما يضر ويهلك.

وكان هذا هو سر نهضات الأمم ورخائها وفوزها وسعادتها.

ولم يستعص على فتوح العلم فن من الفنون، أو صناعة من الصناعات، أو سياسة من السياسات إنسانية أو اقتصادية، أو عسكرية، وقد استغل العلم استغلالًا حسنًا في إعداد الكوادر القادرة على فهم اتجاهات الحياة واتجاهات الناس، واتجاهات السياسات والخبرات وقيادتها في كل شؤون الحياة، وألفت في هذا المؤلفات الكثيرة وأعطيت في ذلك الدورات المكثفة للقادة والرؤساء، والموجهين والخبراء حتى يصلوا إلى كفاءة معينة في قيادة المجموعات والأمم وريادة الشعوب والدول، وأصبح هذا شيئًا بدهيًا لا بد منه لكل من يفكر في رئاسة أو ريادة في أي أمة لها كرامة وتحترم العقل والزمان والعلم والنهضة.

ولقد أقبل «بوش» الابن- حاكم تكساس الأمريكية والمرشح المفضل حتى الآن للحزب لجمهورى عشية انطلاق حملته للترشيح - على التركيز على دراسة مكثفة عنوانها: «ما عليك معرفته كي تصبح رئيسًا» وغداة إعادة انتخابه حاكمًا لولاية تكساس بدأ بوش الابن الاستعداد بالاستعانة بنخبة من أبرز المفكرين لإعطائه بعض الدروس والدورات الخاصة في مختلف الموضوعات والقضايا ذات الصلة بالحملة والمعركة المقبلة بصورة عامة، ويقول السياسيون على مستوى الحزبين إنهم لم يروا من قبل مثل هذا التحرك المكثف في هذا الوقت المبكر.

وتهدف هذه المساعي والدورات لمعالجة بعض أوجه القصور بالنسبة لبوش، وبالتحديد ما يتعلق بفهمه للسياسة العالمية لأن تجربته السياسية وخبرته لا تتعديان ولايته تكساس، كما أنه يفتقد إلى تصور شامل لما يرغب القيام به في حال فوزه بدخول البيت الأبيض.. ولقد عُرض بوش على الخبراء، فقال كل من: «إليزابيث دول» الحاكم السابق لولاية «تينيسي لامار الكسان»، إنه في حاجة إلى دورات في القضايا الوطنية، وقال جورج شولتز وزير خارجية الولايات المتحدة الأمريكية خلال إدارة الرئيس الأسبق «ريجان» إنه يعتقد أنه لا يوجد من يدرك كل صغيرة وكبيرة مما يجري في العالم، لذا ينبغي على الشخص أن يكمل نفسه ويلم قدر الإمكان بهذه الأمور، ويريد بذلك أن بوش ممكن أن يتدارك ما ينقصه في ذلك. هذا وبدأ الخبراء في دراسة شخصية بوش من صغره، حتى توضع النقاط على الحروف فيما يعالج في شخصيته من قصور:

١- وجدوا أن بوش يعرف عنه أسلوبه العملي المتميز كحاكم وليس ذكاؤه وتمتعه بالرغبة في البحث في دقائق وتفاصيل السياسات مثل الرئيس «بيل كلينتون».

٢- كما وجد الخبراء أن بوش يتمتع بالثقة بالنفس ولا يتظاهر أنه يعرف أكثر مما يعرفه وليس مغرورًا.

٣- لا توجد عند بوش مشكلة في الحديث مع الناس الأكثر ذكاء وسرعة في التفكير بعكس الآخرين.

٤- عنده جاذبية في الحديث مع الناس ومألوف يستطيع أن يتعامل بسلاسة مع الآخرين.

٥- يحتاج إلى دورات اقتصادية لأنه كان لا يهتم بالاقتصاد كثيرًا، ولا يزال يحتاج إلى الإلمام بالكثير من جوانبه، لكنه في الوقت الحاضر عنده استعداد لاكتساب الكثير من ذلك.

وبدأت دورات تعليم بوش ما ينقصه وأعد لذلك فريق من الخبراء في كل تخصص ووكل تنظيم كل فريق إلى كبير الاختصاصيين في كل فرع من فروع المعرفة.

فتولى «ليندساي» تنظيم الدورات الاقتصادية وإعداد الخبراء في ذلك وتحديد الأوقات، وتولى «إنديانابوس ستيفن جولد سميث» مسؤولية السياسة الداخلية والإعداد لذلك، وتولى «رايس» مجال السياسة العسكرية والسياسة الخارجية وهكذا بدأت كل الفرق تعمل في الإعداد، وعادة كان كل فريق يتكون من ثمانية خبراء في كل مجال، يلتقون ببوش في جلسات مدة الجلسة في كل مجال ثلاث ساعات، وكثيرًا ما يمتد اللقاء إلى أكثر من ذلك يتخلله نقاشات ثم راحة ثم مواصلة الحوار، فمثلًا: قدم جولد سميث في فبراير الماضي جلسات حول الرعاية الصحية بدأت بمقدمة ثم نقاش حول نظام التأمين مع بحوث في مجال الرعاية للمرضى والحالات المستعصية، وانتشار التكنولوجيا، وتطور العلاج الروائي، واستمر النقاش حول مستوى الرعاية الصحية الذي يمكن ضمان توفيره، إلخ.

وهكذا كانت تطرح المشكلات والإمكانات واقتراحات الحلول، حتى يعرف بوش كيف يزيد من كفاءته في كل ناحية، ثم يعلن عن حلقات نقاش مع الجمهور، حتى يكون هذا تدريبًا عمليًا لاختبار بوش ومعرفة حسن تصرفه ومقدرته وكفاءته في فهم الأمور وإدارتها والتصرف أمامها. هذا في الدول التي تختار حكامها وتنتقي الأكفاء منهم، إذ لا بد من أن يعمل الحاكم على أن يكون قادرًا على إدارة الأمور ولا مانع عنده أن يتعلم ويستكمل نقصه في ذلك، وتطمئن الأمة أنه أصبح مثل ماكينة الصاروخ ينطلق بها إلى آفاق التقدم والريادة.

أما أمم العالم الثالث، فحدث عنها ولا حرج فإنه يكفي أن يكون «فتوة»، أو عصبجي، أو صاحب عنتريات، أو تاجر سلاح أو مخدرات أو.. أو، ويأتيها من حيث لا تدري ولا تحتسب، ولا تستطيع له دفعًا، تسنده قوى غيبية أو جنية، ومع هذا فإنه الملهم، والعبقري، بدون علم أو معرفة أو تجربة أو دراية، والويل لمن ينصح أو يوجه أو يفتح فمًا، وتجري وراءه الجموع لاهثة طلبًا لرضاه، وحبًا في لقياه ورغبة في مناجاته، فماذا لو بحث عن هؤلاء صغارًا أو عما كانوا يتمتعون به؟ ثم ماذا لو عرض هؤلاء على خبراء في أي علم أو مجال أو فن؟ وكيف يكون الحال لو عقدت بينهم وبين الجمهور مناقشات أو محاورات أو مداولات حول المفهومات أو المعقولات أو المظنونات في شؤون الأمة، أو العالم، وفي أي رتبة أو مجال سيأتي تصنيفهم في الحياة من خلق الله؟ لا نستطيع إلا أن نقول لتلك الأمم: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَومٍ حَتّى يُغَيِّروا ما بِأَنفُسِهِمٍ (الرعد: ١١).
صدق الله العظيم وبلغ رسوله الكريم ونحن على ذلك من الشاهدين.







الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 112

178

الثلاثاء 08-أغسطس-1972

سيد قطب وتراثه الأدبي والفكري

نشر في العدد 497

130

الثلاثاء 16-سبتمبر-1980

يا سيد.. ما نسينا أنت قد علمتنا