; دروس من التجربة السودانية أهمية التربية المتكاملة والمستمرة | مجلة المجتمع

العنوان دروس من التجربة السودانية أهمية التربية المتكاملة والمستمرة

الكاتب د. عصام العريان

تاريخ النشر الثلاثاء 11-أبريل-2000

مشاهدات 44

نشر في العدد 1395

نشر في الصفحة 34

الثلاثاء 11-أبريل-2000

منذ أحداث الرابع من رمضان في السودان والتي أطلق عليها الدكتور الترابي «الانقلاب الدستوري»، وسماها الرئيس البشير «حركة التقويم» سال مداد كثير من الأقلام من كل الاتجاهات ما بين شامت ومبتهج أو أمل في انهيار التجربة السودانية الإسلامية، وقد كتبت -منذ ما يزيد على خمس سنوات- أدعو العاملين بالحقل الإسلامي والمنشغلين بالدعوة الإسلامية للاهتمام بالتجربتين الإيرانية والسودانية في الحكم والإدارة والسبب في ذلك: شعوري المتزايد بأن الدعاة إلى الله ينشغلون بالدعوة والوعظ والإرشاد والتربية والتعليم، وكل ذلك حسن ومطلوب، بل نريد المزيد منه، ولكنهم ينصرفون عن الاهتمام بما سيكون عليه الحال في دولة ينظم أمورها الإسلام، ولعل السبب في ذلك، هو الشعور المتزايد بأن الطرق مسدودة أمام قيام دولة تكون مرجعيتها الإسلام في كل شؤونها.

فلما انتصرت الثورة الإيرانية عام ۱۹۷۹م وحدث الانبهار بها، وبدأت التجربة بين الخطأ والصواب، كان جل الاهتمام في الدائرة الإسلامية ينصب على الثورة وأدبياتها، وعاش البعض أحلام استيراد الثورة أو تصديرها، ولم يدركوا أن الثورات لا تستورد ولا تصدر، وواكب ذلك انصراف الدعاة عن الاهتمام بالطريقة التي تدار بها الدولة أو العثرات التي واجهتها. 

وكان البعض -بل الأغلبية- يجد العذر في أن التجربة لها لون مذهبي خاص هو المذهب الشيعي الإمامي الاثنا عشري الجعفري، مما جعلها ذات طبيعة خاصة، مع أنه كان أحد أسباب ثرائها الفقهي والفكري.

وجاءت ثورة الإنقاذ في الثلاثين من يونيو ۱۹۸۹م أي بعد عشر سنوات من قيام الدولة الإيرانية، ليبدد هذا العذر، فها هي دولة سنية تقوم، وعلى يد أبناء تربوا في الحركة الإسلامية، وإن تباعدوا عنها بعد ذلك، إلا أن السنين الطوال التي عاشوها داخل الحركة لا يمكن إغفال تأثيرها عليهم، وإن كان الانبهار بالانقلاب في السودان جاء فاترًا بالقياس للحدث الإيراني، لأن تلك كانت ثورة شعبية، بينما جاء هذا انقلابًا عسكريًا في زمن ولت فيه الانقلابات.

ولعله أيضًا لأن إيران ليست السودان، ثراءً وعددًا وتأثيرًا في محيطها الإقليمي والدولي، رغم الأهمية المتزايدة للسودان، بوابة إفريقيا، وسلة غذاء العالم العربي والإسلامي.

وكرر السودانيون -بتسرع- تجربة إيران في محاولة الظهور بالحاضن لكل الحركات الإسلامية، في تجربة «المؤتمر الشعبي الإسلامي» قبل أن يدركوا أن هذا ليس أوان مثل تلك التجارب.

ومع الترحيب الفاتر لم يهتم العاملون للإسلام بمتابعة التجربة السودانية هل لشعور البعض بالقلق على استمرارها، فكان جل الاهتمام موجهًا إلى مدها بأسباب البقاء، أم لأسباب أخرى؟ 

لذلك تنقصنا دراسات تفصيلية تقويمية المسار للتجربتين الإيرانية والسودانية تكون تحت سمع وبصر العاملين من أجل نصرة الإسلام، بحيث لا تتكرر التجارب الصعبة ذاتها.

ولعل ما حدث في الجزائر يبين لنا بوضوح مدى عدم الاستفادة بالدروس والتجارب.

أبرز الدروس

ذلك التقويم سيفيد كل من يشتغل بالعمل العام، ومن أبرز الدروس السودانية، استحالة أن ينفرد تيار سياسي أو فكري وحيد بالساحة أو يتصور أنه بإمكانه حسم ملفات مصيرية وتاريخية بمجرد التفويض الشعبي أو الأغلبية البرلمانية دون الحاجة إلى توافق وطني، وهذا حديث آخر، ولكن حديثنا اليوم عن درس أهم يتعلق بأهمية التربية المتكاملة المستمرة.

كان انشغال السودانيين عامة بالنقاش والجدل السياسي، سمة لفتت أنظار المراقبين في الساحة الإسلامية، وانغمست الحركة الإسلامية هناك بهذا النشاط الدؤوب سعيًا إلى الاستقلال بداية وعملًا من أجل الدستور في «جبهة الميثاق»، ثم انضواء تحت مظلة الاتحاد الاشتراكي في عهد النميري وصولًا إلى التخطيط للانقلاب من أجل القفز على السلطة في ثورة الإنقاذ استباقًا لانقلاب آخر.

وتناقل البعض غمز ولمز البعض في أهمية التربية المتكاملة، ولعل معظم النقل كان غير صحيح، إلا أنه يدل في النهاية على تعظيم الدور السياسي للحركة الإسلامية على حساب الإعداد التربوي والمتمثل في الارتباط بالله تعالى، والصلة بكتابه وذكره على الدوام، والانشغال بتزكية النفس وتنقيتها من الشوائب وتعظيم حقوق الأخوة في الله وحقوق المسلمين عامة.

وكان مظهر ذلك الخلل هو الإقبال على النشاط السياسي، والاهتمام بحضور لقاءاته ونشاطاته المختلفة مع الرغبة عن حضور اللقاءات الأخرى التي تهتم بالقرآن والسنة والصلاة والذكر والدعاء والمدارسة، أو القيام بالواجبات الأخوية كعيادة المرضى وحضور الجنائز، إلخ، أو الفتور في ممارستها.

غدر السياسيين

ويترتب على ذلك أن يشعر الفرد بتفرده وتميزه على أقرانه ويعمل من أجل مصلحته هو قبل مصلحة المجموع أيًا كان هذا المجموع، دولة، أو شعبًا أو حزبًا أو جماعة.

وقد يلجأ في سبيل ذلك إلى أساليب تتسم أحيانًا بالغدر حتى بأقرب الناس إليه، ممن يجاوره في الصف، أو يتقدم عليه من أجل تحقيق مكانة أو الوصول إلى منصب مثلما نرى في الساحة السياسية من غدر السياسيين والحزبيين بعضهم ببعض على حساب القيم والمثل والمبادئ.

وإذا كان لابد للإسلاميين من دخول الحلبة السياسية كواجب شرعي وديني، فإنه عليهم ألا يتأثروا بالأساليب اللاأخلاقية التي تتسم بها هذه الساحة، بل عليهم أن يمارسوا السياسة وفق ضوابط شرعية وأخلاقية ولن نصل إلى بلورة هذه الضوابط إلا بالممارسة والخطأ والصواب مع الاستفادة من الأخطاء والتصحيح المستمر، وليس بالابتعاد عنها.

يقول الدكتور حسن الترابي في حديثه لمجلة الوسط اللندنية عدد (٤٢١) في ٢٠٠٠/٢/٢١م «بالطبع البشير هو رأس الدولة وليست له أطماع شخصية كبعض المجموعات التي تعمل في الخفاء وهمها وضع مصالحها فوق كل الاعتبارات»، «فعلًا أحسست هذه المرة بألم سكاكين ذوي القربي، ولكن أشد إيلامًا، وكانت من الذين نرجو فيهم الخلافة ويمكن القول إن الناس يمكن أن يسكروا بالسلطة وهذا ما حدث عندنا في السودان، حتى المتدينين أسكرتهم السلطة، والمفكر قد يسكر من السلطة» انتهى كلام الترابي بكل ما يحمل من مرارة. 

ومما استفدته من تجربة المعيشة المشتركة الطويلة خلف الأسوار أننا تعرفنا إلى بعضنا البعض بصورة جيدة، فانكشفت نفوسنا بما يجعلنا على بصيرة بحقيقة قدراتنا وإمكاناتنا، ومعرفة بضرورة تصحيح عيوبنا، قبل أن تسكرنا السلطة فتظهر هذه العورات، مما يصيب الممارسة الإسلامية السياسية بطعنات قد تكون في مقتل أو تؤخر التطبيق السليم للمشروع الإسلامي.

من هنا ينبغي علينا أن نستعيد كلام الإمام الشهيد حسن البنَّا: أيها الإخوان «إني لا أخشى عليكم الدنيا مجتمعة ولكني أخشى عليكم أنفسكم»، ورسالته إلى الإخوان حول أركان الرباط الذي يربط بين الإخوان وهي التعارف والتفاهم والتكافل وبيانه أن فكرة الإخوان تضم كل المعاني الإصلاحية، فهي دعوة سلفية، وطريقة سنية، وحقيقة صوفية، وهيئة سياسية، وجماعة رياضية ورابطة علمية ثقافية، وشركة اقتصادية، وفكرة اجتماعية.

ويشرح الدكتور يوسف القرضاوي في كتابه القيم «الإخوان المسلمون ۷۰ عامًا في الدعوة والتربية والجهاد» في الباب الثاني: خصائص ومميزات الإخوان المسلمين.

ويبينها في العناية بالتكوين المتكامل: التثقيف العقلي، والإيقاظ الروحي والترابط الأخوي، فمن أراد الاستزادة فليرجع إليه، وإلى رسائل الإمام البنا.

التكيف التربوي

ومن الأهمية بمكان أن تتجدد الصياغة التربوية، ويتم التكيف التربوي مع متطلبات الاتصال السياسي، كما يقول محمد أحمد الراشد في «المسار»، فإن انتقال الدعوة إلى مرحلة الانفتاح والعمل العام من شأنه أن يوجد حاجة لا لتكييف التنظيم فقط، بل لتكييف تربية أنفسهم لهذا العمل أيضًا.

فما كان يصلح في البدايات، قد لا يجدي هنا في هذه المرحلة، حيث اختلفت الحاجات التربوية.

ولابد من الالتفات إلى أن الوقاية خير من العلاج، فلا ننتظر حصول الأزمة وحلول الحاجة وكما يقول الراشد: «إنها تربية عملية في علم متكامل نحتاجهما في المراحل المتقدمة، ولا بد أن تردف العلوم الإسلامية بثقافة عامة في السياسة والاقتصاد والتاريخ والأدب».

إن الحل الوقائي يتم بالأخذ بالمنهج النبوي المتكامل في تغيير النفوس، وتزكية الأرواح، وتقوية الروابط الأخوية، واستشعار المسؤولية، مع التجرد لله تعالى، ولعل في تجديد الوسائل التربوية للحركة الإسلامية لتواكب كل المراحل ولتلبي كل المتطلبات مع الأخذ في الاعتبار أن العاملين للإسلام لن يظلوا على الدوام في دائرة الاستضعاف، بل ستصيبهم آفات التمكين.

والله الموفق والمستعان وإلى لقاء مع درس آخر من دروس التجربة السودانية، التي ما زالت مستمرة.

الرابط المختصر :