العنوان دروس من الأسرة الصديقية
الكاتب عبد الباري محمد الطاهر
تاريخ النشر السبت 07-أبريل-2001
مشاهدات 69
نشر في العدد 1445
نشر في الصفحة 47
السبت 07-أبريل-2001
عرفت معنى السمع والطاعة وتعلم كل فرد فيها كيف ينفذ مهمته في دقة وإتقان وأدركت أن الغاية النبيلة يلزمها فعل حسن
رضي الله عن أبي بكر الصديق وآل بيته الذين لم يدخروا جهدًا في نصرة الإسلام ورجاله.
وصدق رسول الله ﷺ القائل: «لو كنت متخذًا خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا....» والقائل: «ما من أحد آمن علي من أبي بكر الصديق...... ».
فإذا كان هذا هو أبو بكر . رضي الله عنه- .. فماذا عساه يكون قد ربّى أسرته؟
تعال معي - أخي القارئ- نلتقط صورة من منزل الصديق - رضي الله عنه- في رحلة الهجرة النبوية، لنرى كيف كان فعل التربية الإسلامية في هذا البيت وما دور هذه الأسرة في نجاح الهجرة النبوية؟
لقد كان لكل فرد في أسرة الصديق المباركة مهمة خاصة أداها بدقة تامة، وذكاء خارق وجندية عالية، وانضباط كامل، وروح قوية وصلابة شديدة، وإيمان صادق، وتضحية كبيرة فكان النجاح الباهر.
أسرة على هذا المستوى من الإتقان والدقة والجندية والذكاء والانضباط والإيمان تعد مثلًا يحتذى، لكل أسرة ينبغي أن تربى على الطاعة لله ورسوله، والتضحية في سبيل نشر هذا الدين، ولنترك أم المؤمنين عائشة بنت الصديق -رضي الله عنهما- تروي لنا قصة الهجرة التي اشترك فيها بيت أبي بكر -رضي الله عنه- ثم نتبع ذلك بتعليق نستلهم به دروسًا تربوية من القصة:
روى البخاري في صحيحه عن عائشة -رضي الله عنها- قالت .. «فبينما نحن يومًا جلوس في بيت أبي بكر في نحر الظهيرة، قال قائل لأبي بكر هذا رسول الله متقنعًا في ساعة لم يكن يأتينا فيها.
فقال أبو بكر فداء له أبي وأمي، والله ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر.
قالت: فجاء رسول الله ﷺ فاستأذن فأذن له، فدخل، فقال النبي ﷺ لأبي بكر: أخرج من عندك، فقال أبو بكر: إنما هم أهلك بأبي أنت يا رسول الله.
قال: فإني قد أذن لي في الخروج، فقال أبو بكر: الصحابة بأبي أنت يا رسول الله.
قال رسول الله ﷺ: نعم.
قال أبو بكر: فخذ - بأبي أنت يا رسول الله- إحدى راحلتي هاتين.
قال رسول الله: بالثمن.
قالت عائشة: فجهزناهما أحث الجهاز وصنعنا لهما سفرة في جراب، فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها، فربطت به علی فم الجراب، فبذلك سميت ذات النطاقين.
قالت: ثم لحق رسول الله ﷺ وأبو بكر بغار في جبل ثور.. فكمنا فيه ثلاث ليال، يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر، وهو غلام شاب ثقف لقن، فيدلج من عندهما بسحر، فيصبح من قريش بمكة كبائت، فلا يسمع أمرًا يكتادان به إلا وعاه، حتى يأتيهما بخير ذلك حين يختلط الظلام.
ويرعى عليهما عامر بن فهيرة -مولى أبي بكر- منحة من غنم.. فيريحها عليهما حين تذهب ساعة من العشاء، فيبيتان في رسل -وهو لبن منحتهما ورضيفهما- حتى ينعق بها عامر بن فهيرة بغلس، يفعل ذلك في كل ليلة من تلك الليالي الثلاث.
واستأجر رسول الله ﷺ وأبو بكر رجلًا من بني الديل وهو من بني عبد بن عدي - هاديًا خريتًا «والخريت الماهر بالهداية» قد غمس حلفًا في آل العاص بن وائل السهمي، وهو على دين كفار قريش، فأمناه فدفعا إليه راحلتيهما، وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال براحلتيهما صبح ثلاث.... ».
وهكذا اتضحت مهمة كل فرد من أفراد أسرة الصديق -رضي الله عنه- فرب الأسرة عليه إحضار الراحلتين والاتفاق مع من يأتي بهما بعد ثلاث ليال، ثم متابعة الخطة بإحكام، وكذا الصحبة المباركة الميمونة التي شرفها الحق سبحانه وتعالى بجعلها قرأنا يتلى إلى يوم القيامة: ﴿إِذۡ أَخۡرَجَهُ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ ثَانِیَ ٱثۡنَیۡنِ إِذۡ هُمَا فِی ٱلۡغَارِ إِذۡ یَقُولُ لِصَـٰحِبِهِۦ لَا تَحۡزَنۡ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَاۖ﴾ (التوبة: ٤٠).
وأم المؤمنين عائشة مع اختها أسماء -رضي الله عنهما- تحددت مهمتهما في تجهيز الراحلتين بأفضل جهاز لأفضل راكبين، جهاز يليق برحلة طويلة مباركة، رحلة سيكون بنجاحها خير كثير يعم الأرض كلها؛ فعائشة - رضي الله عنها - تجهز لزوجها رسول الله ولأبيها الصديق -رضي الله عنه-. وأسماء تجهز لرسول الله زوج أختها، ولأبيها، فعائشة وأسماء -رضي الله عنهما- تدركان أبعاد الموقف وحاجة الطريق، وعظيم المسؤولية، فلا تبخلان بشيء.
ثم تظهر نباهة أسماء، وحسن تصرفها، وسرعة تجاوبها مع الموقف، حين لا تجد شيئًا تربط به فم الجراب فتعمد إلى نطاقها -حزام ظهرها- فتشقه نصفين ثم تربط فم الجراب بأحدهما، وتنتطق بالآخر. فاستحقت لقب ذات النطاقين، وقد سجل التاريخ ذلك اللقب دليلاً على المرأة الواعية الذكية، التي تحسن التصرف.
إن سرعة البديهة، وحسن التصرف والإحساس بالمسؤولية، وخطورة الموقف وضيق الوقت كل ذلك دفع أسماء -رضي الله عنها- إلى شق نطاقها؛ فالأمر لم يكن يحتمل التأخير، بل كان لا بد من العمل الجاد السريع؛ لذلك دعا لها رسول الله أن يبدلها الله تعالى بنطاق في الجنة، جزاء ما بذلت وقدمت.
وأما عبد الله بن أبي بكر - رضي الله عنهما-.. الغلام الشاب الثقف اللقن، فلم يضيع وقتًا، فقد جهز كل حواسه لاستيعاب كل ما يدور في مكة يخص الكيد برسول الله وصاحبه -رضي الله عنه- فهو قد حدد ما يأخذه من أخبار، فليس كل ما يسمع يكون ذا فائدة، ولا كل كلام لا بد أن يسمع، فهو ليس ناقل أخبار مكة، ولكنه ناقل أخبار كيد أهل مكة برسول الله وصاحبه، ومن هنا كان لا بد أن يكون شديد اليقظة، عالي الهمة دقيق الملاحظة رهيف الحواس، أمين الكلمة، يتحلى بالسرية التامة والذاكرة القوية، وانضباط المشاعر، وخفة الحركة، فلا ينبغي أن يلفت إليه الأنظار، ولا يحدث أمرًا يثير به الشكوك حول نفسه أو حول مهمته الجليلة، ولا بد من تكبد المشاق فهو طوال الليل مستيقظ، يجلس مع رسول الله ووالده في الغار، يخبرهما بما وصلت إليه مسامعه من أخبار الكيد، ثم يرجع إلى مكة كالبائت فيها، وهذا يعني أنه لا يظهر أثر التعب والسهر والمشقة التي عاناها.
إن مثل هذه الأعمال الكبيرة تحتاج إلى رجل تدرب على السرية، والكتمان وانضباط المشاعر والتضحية بالراحة البدنية في سبيل ما هو أسمى منها، فضلًا عن الدقة، والأمانة والموضوعية والخفة واليقظة والفطنة، ولقد توافر كل هذا في عبد الله بن أبي بكر الغلام.
إننا في حاجة إلى غلمان من هذا الطراز الراقي، يكونون رجالاً وهم لا يزالون بعد في مهيعة الصبا، يعرفون قدر أنفسهم، ويدركون حجم المسؤولية الملقاة على عاتقهم منذ نعومة أظفارهم، ومما لا شك فيه أن للوالد دورًا كبيرًا في تحقيق ذلك.
وتأتي مهمة عامر بن فهيرة، فهو مولى أبي بكر -رضي الله عنه- منتسب إلى أسرته بالولاء ومهمته محددة في إطلاق بعض الأغنام تروح صوب الغار، وتقدم ما في ضرعها من لبن للصاحبين، ثم ترجع إلى عامر الذي يسير بها فوق أقدام عبد الله بن أبي بكر - رضي الله عنهما- ليضيع آثار الأقدام التي تأتي في المساء، وترجع قبل أن يسفر وجه النهار.
وكأني بهذه الأغنام العجماء وهي أيضًا تتبع بيت أبي بكر -رضي الله عنه- كأني بها قد عرفت هي الأخرى المهمة الموكلة إليها، وواجبها في إنجاح هذه الرحلة المباركة، فيالها من أغنام سعيدة، تلك التي اشتركت في تحقيق هدف الرحلة التي غيّرت وجه التاريخ.
ونعود مرة أخرى إلى الأسرة الصديقية، تلك الأسرة التي ما قامت بهذه المهام على هذا الوجه إلا بعد تربية راقية؛ فالأب هو ذلك الصديق المحب لرسول الله الذي يقدم قوله لرسول الله بكلمة فداك أبي وأمي، ويسمع ذلك أبناؤه، ويصطحب كل ماله معه، وأبناؤه يعلمون ذلك، ويجهز الراحلة للرسول قبل أن يعرف أنه سيكون في صحبته وأبناؤه يرون ذلك، بل رأوه واقعًا حيًّا متمثلًا في أبيهم، وعرفوا معنى التضحية بكل شيء بالمال والوالد والولد من أجل الرسول، لقد أدركوا معنى السمع والطاعة في المنشط والمكره، وتعلموا كيف ينفذ كل فرد مهمته في دقة وإتقان، وأن يكون حسن التصرف قوي الملاحظة، شديد الحرص مدركًا للمسؤولية، وفوق ذلك عرف هؤلاء الأبناء أن الغاية النبيلة يلزمها فعل حسن نبيل.
فأين لنا بمثل هذه الأسرة الإيمانية اليوم؟
إننا في حاجة إلى إيجاد أسرة بهذا المستوى في عالمنا المعاصر، أسرة راقية الشعور عالية الهمة موصولة بربها تعرف حدود مسؤولياتها، محبة لله ورسوله، تعرف حقيقة التضحية في سبيل الله والإخلاص لهذا الدين، وتحسن استخدام حواسها، فتجعلها كلها في طاعة الله تعالى ونصرة دعوته.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل