العنوان دروس من أحُد
الكاتب منير الغضبان
تاريخ النشر الثلاثاء 25-مارس-1975
مشاهدات 84
نشر في العدد 242
نشر في الصفحة 44
الثلاثاء 25-مارس-1975
ا - أحد: أحد جبل يحبنا ونحبه. هكذا خلد رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الجبل الأشم، أو قل هذا الصديق الأنيس. ومن أجل هذا نتعاطف معه واليوم يتعاطف معنا.
كما نحس بالحنين نحوه يوم تزلزل وكان عليه الرسول القائد وأبو بكر وعمر وعثمان. فناداه الحبيب أثبت أحد فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان. بجانب الشهداء السبعين هناك وعلى رأسهم سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، هؤلاء الشهداء الذين كانوا ثمرة مرة للمخالفة ورمزا رفيعا للصمود على مدى التاريخ.
وسنسير في البحث لنعرض أولا سير المعركة وننتقل ثانيا إلى الدروس والعبر منها من خلال البيان الذي أنزله الله في كتابه الخالد. وأخيرا لقطات من أحد.
قبيل المعركة
1 - أهداف العدو: مشي عبدالله بن ربيعة، وعكرمة بن أبي جهل، وصفوان بن أمية في رجال من قريش ممن أصيب آباؤهم وأبناؤهم وإخوانهم يوم بدر، فكلموا أبا سفيان بن حرب، ومن كانت له في تلك العير من قريش تجارة فقالوا: یا معشر قريش إن محمدا قد وتركم وقتل خياركم فأعينونا بهذا المال على حربه. فلعلنا ندرك منه ثأرنا بمن أصاب منا ففعلوا. فالهدف الأول إذن هو الثأر.
2- الغدر من سيماء الكفر.
صفوان بن أمية لأبي عزة الشاعر: يا أبا عزة إنك امرؤ شاعر فأعنا بلسانك.
أبو عزة: إن محمدا قد من علي فلا أريد أن أظاهر عليه (وكان رسول الله قد أسره يوم بدر ومن عليه بالفداء على أن يكف لسانه عن المسلمين )
صفوان: فأعنا فلك الله علي إن رجعت أن أغنيك، وإن أصبت أن أجمل بناتك مع بناتي يصيبهن ما أصابهن من عسر ويسر.
وهو نفس العرض الذي عرضه صفوان على عمير بن وهب الجمحي بعد بدر كي يمضي إلى المدينة ليغتال محمدا صلوات الله عليه. الغدر والغيلة هي السمة الأساسية لجبناء المشركين ولؤمائهم.
3 - التعبئة المعنوية: مضى أبو عزة الشاعر مع شاعر آخر يحرضان القبائل المجاورة للخروج للثأر من محمد. الشاعر الغادر أبو عزة يذكر كنانة بحلفها مع قريش ويطالبها بالوفاء بالعهد
أيها بني عبد مناة الرزام
أنتم حماة وأبوكم حام
وتعدوني نصركم بعد العام
لا تسلموني لا يحل إسلام
ومسافع بن عبد مناف يركز على الحسب والدين
یا مال، مال الحسب المقدم
أنشد ذا القربي وذا التذمم
من كان ذا رحم ومن لم يرحم
الحلف وسط البلد، المحرم
عند حطيم الكعبة المعظم
وقد نجح هذان الشاعران في مهمتهما حيث اقنعا كثيرا من أفراد قبائل كنانة المجاورة لقريش بالتطوع في جيش مكة لغزو المسلمين.
4 - المخابرات النبوية: كانت تفاصيل الحملة كاملة لدى رسول الله صلى الله عليه وسلم من قلم مخابراته السري عمه العباس بن عبد المطلب وهذا نص رسالة العباس :
إن قريشا قد اجتمعت للمسير. فما كنت صانعا إذا حلوا بك فاصنعه.
وقد وجهوا وهم ثلاثة الاف، وقادوا مائتي فارس، وفيهم سبعمائة دارع وثلاثة آلاف بعير، وقد أوعبوا من السلاح، فهل نعي أهمية المخابرات اليوم التي تكشف مخططات العدو كاملة؟!
5 - السرية: ونغادر الآن معسكر الشرك، ونمضي مع الرسالة إلى المدينة.
في سرية كاملة حيث يقرأ الرسالة أبي بن كعب فكلف بكتمانها مع مضمونها. وفي اليوم الثاني مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أحد قادة الأنصار سعد بن الربيع ونقل له نبأ الرسالة. فقال سعد، واني لأرجو أن يكون خيرا. وحدثت مفاجاة غير متوقعة عندما دخل ابن الربيع على زوجته فقالت له: قد سمعت ما قال لك. فاسترجع سعد وأخذ بيد زوجته يجرها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله إني خفت أن يفشو الخبر فترى أني أنا المفشي له. وقد استكتمتني إياه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خل عنها وبذلك أكد لنا أن زوجته عرضة للمحاكمة والعقوبة لو قرر لهـــــــا رسول الله ذلك. لاطلاعها على سر خاص بزوجها دون علمه وتؤكد الحادثة أن قوام النجاح في المعارك هو السرية الكاملة لا الجمجمة الفارغة.
6 - الإعلام المناسب: استيقظ المسلمون في المدينة على رؤيا رسول الله يقصها عليهم في المسجد: إني قد رأيت والله خيرا. رأيت بقرا لي تذبح، ورأيت في ذباب سيفي ثلما، ورأيت أني أدخلت يدي في درع حصينة فأولتها المدينة. أما البقر فهي ناس من أصحابي يقتلون، وأما الثلم الذي رأيت في ذباب سيفي فهو رجل من أهل بيتي يقتل.
إنه صلى الله عليه وسلم أعطى القدر المناسب من المعلومات وهيأ الجو النفسي للمعركة.
7 - الشورى: الرسول الملهم، الرسول المؤيد بالوحي لا يكتفي برأيه رغم أنه غني عن رأي غيره وبالرغم من وجود رؤيا الدرع الحصينة التي أولها بالمدينة بالرغم ذلك كله عرض الموضوع للمداولة لأن الرؤيا لم تكن ملزمة، ولا نص في الموضوع والرأي: فإن رأيتم أن تقيموا في المدينة وتدعوهم حيث نزلوا. فإن أقاموا بشر مقام وإن هم دخلوا علينا قاتلناهم فيها.
انحاز لهذا الرأي كبار أصحاب رسول الله كأبي بكر وعمر. كما تبناه زعيم المنافقين عبد الله بن أبي
8 - الوعي العظيم: رؤيا الانبياء حق. وما رأي رسول الله رؤيا إلا جاءت كفلق الصبح. ومع ذلك لم يجد شباب الإسلام حرجا أن يعرض رأيا آخر غير الذي يراه الرسول القائد عليه الصلاة والسلام.
إننا حين نضع في أذهاننا أن العربي كان يسافر شهرين من مكة إلى الشام أو اليمن ليأخذ فتوى كاهنة أو رأي عراف ويحيا في عالم من الخرافة والأسطورة. هذا الشاب العربي تحول بالإسلام إلى بؤرة من النور والوعي والتحرر.
ولا يجد حرجا أن يناقش رسول رب العالمين في رأي ارتآه أصوات من المسلمين ترتفع لتقول: يا رسول الله اخرج بنا إلى أعدائنا لا يرون أنا جبنا عنهم وضعفنا وأصوات أخری تردد: يا رسول الله كنا نتمنى هذا اليوم وندعو الله فقد ساقه الله إلينا وقرب المسير. وارتفع صوت حمزة يدوي: والذي أنزل عليك الكتاب لا أطعم طعاما حتى أجالدهم بسيفي خارج المدينة وصوت صحابي آخر يهدر: يا رسول الله لا تحرمني الجنة فوالذي نفسي بيده لأدخلنها قال عليه الصلاة والسلام: بم ؟ فأجاب بأني أحب الله ورسوله ولا أفر عند الزحف.
رسول الله: صدقت
توفزت الأعصاب، وتهيجت المشاعر، وسيطر جو مشحون بالحماس والتوتر يريد الخـــــــــروج خارج المدينة وأعلنت القيادة النبوية تنازلها عن رأيها استجابة لرأي الشباب المسلم.
فأي اعتزاز وأي ثقة نلتموها يا شباب الإسلام أن يتنازل سيد الخلق عن رأيه لرأيكم؟
9- الفوضى: هدأت العواطف الثائرة، وراح الشباب المتحمس يراجع رصيده فيما اقترح، ورأى أنه أگره رسول الله على الخروج.
فلم لا يعلن تنازله عن رأيه لرأي رسول الله صلوات الله عليه ؟ ورسول الله مؤيد بالوحي. خرج عليهم الرسول القائد وقد ظاهر بين درعين ولبس عدة الحرب كاملة وتراجع الشباب عن فورة حماسهم وقالوا: ما كان لنا أن نخالفك ولا نستكرهك على الخروج فاصنع كما شئت، أمكث كما امرتنا.
قال عليه الصلاة والسلام: ما ينبغي لنبي إذا لبس لأمته (أي كامل سلاحه) أن يضعها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه.. وقد دعوتكم إلى هذا الحديث فأبيتم إلا الخروج.
فعليكم بتقوى الله والصبر عند البأس، وانظروا ما آمركم به فافعلوا.
وبذلك وضع عليه الصلاة والسلام حدا فاصلا بين الشورى من جهة، وبين التردد والفوضى من جهة ثانية. انتهى وقت الشورى وابتدأ موعد التنفيذ فلا مجال للرجوع عن الرأي. أخلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الجو أمام طاقات الشباب الملتهبة لتأخذ دورها وفعاليتها، وإن كان هذا الرأي قد نهش قلب زعيم النفاق من الحقد أن رفض رأيه. فانتظر الفرصة المناسبة للانقضاض على الجيش المسلم.
10 - التجمع الوطني: عندما فصل صلى الله عليه بجيشه من المدينة وجاوز ثنية الوداع رأى كتيبة حسنة التسليح لها رجل منفردة عن سواد الجيش. فقال: ما هذا؟؟
فأبلغوه أن الكتيبة من اليهود حلفاء عبد الله بن أبي. وقد ثارت حماستهم الوطنية حين سمعوا بهجوم خارجي وهم يرغبون بقتال المشركين مع المسلمين ليكونوا الصف الداخلي المتراص الواحد.
قال عليه الصلاة والسلام :
أأسلموا؟. قالوا: لا يا رسول الله وفي أيامنا الحاضرة حين نتحدث بالعقيدة في ظروف الحرب. يسمى هذا الكلام تفرقة طائفية - وتمزيقا للصف الداخلي، وتحقيقا لمصالح العدو الخارجي.
ترى. كان على رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا يتعرض للعقيدة حفاظا على التجمع الوطني؟
هذا منطق الوطنية، منطق القومية التي تريد أن تجمع الناس كل الناس بغض النظر عن عقائدهم ودينهم تحت لواء واحد هو لواء الدفاع عن الوطن، والأمة. والكافر والمسلم سواء في ظل هذه الراية. بل حتى قد تكون القيادة بيد الكافر وتكون الطاعة له.
11 - منطق العقيدة. قال عليه الصلاة والسلام عن الكتيبة اليهودية المدججة بالسلاح، التي حركتها عواطف الوطنية لصد العدوان، وحركها حب التراب والأرض للحفاظ عليه.
قال عليه الصلاة والسلام: أأسلموا؟. فقالوا: لا يا رسول الله.
فقال: مروهم فليرجعوا فإنا لا ننتصر بأهل الكفر على أهل الشرك. وبذلك أكد عليه الصلاة والسلام أن الجيش الإسلامي يجب أن يكون بقادته وجنوده من المؤمنين بالإسلام المعتنقين لعقيدته المنفذين
لشرعته.
12 - الخيانة: أرغى عبد الله بن أبي وأزبد. فلقد سفه رأيه مرتين.
مرة يوم خرج المسلمون من المدينة للقاء العدو خارجها. ومرة يوم رد حلفاءه من اليهود، ورفضهم في الجيش الإسلامي. وفي أصعب الظروف، وفي أخطر الحالات، وفي اللحظات العصيبة انفصل عبد الله بن أبي بثلث الجيش عائدا إلى المدينة. وبقي المسلمون الخلص السبعمائة - في ظاهر الأمر، - الذين سيقاومون جيش الشرك الهائل المكون من ثلاثة آلاف مقاتل.
13 - نفسية الأطفال: قرر رسول الله صلى الله عليه وسلم السن الإلزامي للجهاد هو سن البلوغ فعندما وصل الرسول عليه الصلاة والسلام إلى مكان يقال له الشيخان قام باستعراض الجيش. ورد من لم يبلغ الحلم من الأطفال ومنهم زید بن ثابت وعبد الله بن عمر والبراء بن عازب وأبو سعيد الخدري. وأجاز رافعا وسمرة.
اما رافع بن خديج فقد كان ماهرا في رماية النبل. وفي بعض الأقوال أنه كان يقف على رؤوس أصابعه ليبدو كبيرا بين الرجال. وأما إجازة سمرة فقد تمت لأنه قال لأمه: إن رسول الله أجاز رافعا وأنا أصرعه. فعلم رسول الله بذلك، وتصارعا أمامه. فصرع سمرة رافعا فأجاز الاثنين معا.
14 - نفسية الشيوخ: عمرو بن الجموح كان أعرجا شديد العرج. وكان له بنون أربعة مثل الأسد يشهدون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم المشاهد. فلما كان يوم أحد أرادوا حبسه وقالوا له: إن الله عز وجل قد عذرك. فأتى رسول الله فقال: إن بني يريدون أن يحبسوني عن هذا الوجه والخروج معك. فوالله اني لأرجو ان اطأ بعرجتي هذه الجنة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم له: أما أنت فقد عذرك الله. وقال لبنيه: ما عليكم ألا تمنعوه لعل الله أن يرزقه الشهادة. فخرج معه فقتل يوم أحد
15 - نفسية الرجال: الرسول القائد عليه الصلاة والسلام، والعيون
ترنو اليه. وقف بين الصفوف وقد أمسك سيفا بيده وهو يقول: من يأخذ هذا السيف بحقه ؟
وتحرك الأبطال الصناديد علي بن أبي طالب، الزبير بن العوام، عمر بن الخطاب يقول كلا منهم: إنا نأخذه بحقه یا رسول الله. ويمسك رسول الله السيف عنهم جميعا ويكرر السباق: من يأخذ هذا السيف بحقه ويتحرك من بين الصفوف صاحب عصابة الموت أبو دجانة ويسأل: وما حقه يا رسول الله ؟ قال: أن تضرب به العدو حتى ينحني. وعرف أبو دجانة الشرط القاسي وقال مع ذلك:
أنا آخذه بحقه یا رسول الله.
وسلم رسول الله السيف لأبي دجانة فانشد مغتبطا:
أنا الذي عاهدني خليلي
ونحن بالسفح لدى النخيل
أن لا أقوم الدهر في الكبول
أضرب بسيف الله والرسول
16 - العزيزة الهابطة: بينما يتناهى إلى سمعنا من المعسكر الآخر معسكر المشركين أصوات نسائهن وعلى رأسهن هند بنت عتبة. تحرك فيهن غريزة النخوة:
وبها بن عبد الدار
وبها حماة الأدبار
ضربا بكل بتار
وتحرك فيهن غريزة الجنس :
إن تقبلوا نعانق
ونفرش النمارق
والمد في المفارق
أو تدبروا نفارق
فراق غير وامق
ونحبس أنفاسنا بين الصفين لنشهد المعركة في خطواتها المتلاحقة.
في ساح المعركة
17 - المشركون يهاجمون المسلمين: ورغم عنف الهجوم من الشرك وشدته، فقد باء بالفشل نظرا لاختيار المسلمين مواقعهم الحصينة. ونظرا لأن الرماة كانوا قادرين على رمي النبال في وجوه الخيل وادى ذلك إلى إعادة المغامرين على أعقابهم خاسرين.
18 - ابتدأ الهجوم الإسلامي المضاد وقد سار على خطتين مهمتين
الخطة الأولى: تركيز الهجوم على حملة لواء المشركين حيث يتجمع عنف القتال وصناديد الأبطال.
الخطة الثانية: خلخلة صفوف المشركين بالهجوم المكتسح من أبطال المسلمين.
19 - إبادة حملة لواء المشركين: فلقد تساقط حملة اللواء واحدا تلو الآخر.
الأول: طلحة بن أبي طلحة وكان يسمى كبش الكتيبة. حيث دعا إلى البراز حتى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هم أن يخرج لمبارزته لولا أن خرج إليه الزبير، ويصف لنا الأستاذ باشميل تلك المبارزة وكأنما نرمقها بأم أعيننا، وقد وضعنا يدنا على قلوبنا إشفاقا من النتيجة. فيقول: فأحجم الناس عنه ولكن الزبير بن العوام أجابه إلى البراز، ولما كان طلحة راكبا جملا لم يمهله الزبير حتى ينزل الأرض.
بل وثب إليه وثبة الليث حتى صار معه على جمله، ثم اقتحم به الأرض وبرك عليه ثم عاجله بطعنة من سیفه فصلت راسه عن جسده، وعاد الزبير بعد مقتل قائد حملة اللواء، فسلمه رسول الله وساما أدخله مع الخالدين. وكان الوسام إن لكل نبي حواري وحواريي الزبير.
الثاني: أبو شيبة عثمان بن أبي طلحة، برز له حمزة، وحمل عليه حمزة بن عبد المطلب فضربه على عاتقه ضربة بترت يده مع كتفه حتى وصلت إلى سرته فبانت رئته و بعد أن قضى عليه رجع وهو يقول أنا ابن ساقي الحجيج. وثالث الإخوة أبو سعيد بن أبي طلحة رماه سعد بن أبي وقاص بسهم فأرداه قتيلا وتتابع بعدها على حمل اللواء أولاد طلحة بن أبي طلحة كبش الكتيبة جلاس ومسافع وكلاب. فسقط ثلاثتهم صرعى بسيوف المسلمين.
20 - إیمان بالله. وبعد تساقط الستة أبناء البيت الواحد تتابع بنو عبد الدار على حمل اللواء فقتل أربعة آخرون. إلى أن استلم اللواء (صواب) وهو غلام حبشي لبني عبد الدار فأبدى من ضروب البسالة ما فاق العشرة الكبار من بني عبد الدار. فقد ذكر ابن كثير أن هذا الغلام لما أخذ اللواء صــــــار يقاتل حتى قطعت يداه، ولئلا يسقط اللواء في الأرض برك عليه بصدره وعنقه وهو يقول: اللهم هل أعززت (أي هل أعذرت)؟!
إنها نقطة تستحق الوقوف والتفكير الطويلين فصواب هذا ضحى بما لم يضح به أحد قبله.
وختم حياته وهو يخاطب الله رب العالمين قائلا: اللهم هل أعززت ومع ذلك كان من أهل النار وكبار المشركين.
إن كلمة الإيمان بالله التي يطرحها اليوم دعاة القومية المعتدلين. لتجمع اليهود والنصارى والمسلمين والمجوس والمشركين تحت لواء واحد. ثم التخلي عن شريعة الإسلام.
وإيهام الناس أن هؤلاء القوميين مؤمنون. إن هذا الطرح مرفوض في منطق الإسلام. ولو كان مجرد كلمة- الإيمان بالله- على عمومها كافية لشعار يتجمع تحته الناس وأتباع الأديان.
لكان أبو جهل فرعون هذه الأمة شهداء الإسلام لأنه التجأ يوم بدر إلى الله رب السماء والارض وقال: اللهم أضل الفريقين وأقطعنا للرحم وآتانا بما لا يعرف فاضه الغداة.
ولكان صواب حامل لواء المشركين شهداء الإسلام لانه فقد يديه واكب على اللواء بعنقه وصدره وهو يقول عند قتله، ويذكر اسم الله عاليا: اللهم هل أعززت
يا شباب الإسلام كونوا عينا لهذه المناورة. واعلموا أن طرح شعار الإيمان بالله على غير الصورة التي عرضها الإسلام- مقابل التخلي عن الإسلام هو سبيل الشيطان والطاغوت نحن نريد الإيمان كاملا والإسلام كاملا. ونقول لأولئك المناورين.
أنتم جنود أبي جهل، أنتم جنود صواب الذين قبلوا الإيمان بالله ورفضوا شريعة الإسلام.
﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (ال عمران:85)
ولئن كانت أصنام المناورين القدامى من الخشب والتمر والحجر. وأصنام المناورين الجدد من الأرض والوطن والقوم والبشر. كلها في مفهوم الإسلام أصنام ووثنية، وكلها في مفهوم الإسلام طواغيت وجاهلية.
﴿ الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ ۖ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ (النساء:76).
21- خلخلة صفوف المشركين ومثل هذه الخلخلة أربعة من الصناديد الأبطال.
أولهم حمزة بن عبد المطلب، أسد الله وأسد رسوله. الذي قاتل يومها وقيل إنه قتل ثلاثين رجلا من المشركين، وكما وصفه وحشي قاتله (رأيته في عرض الناس كأنه جمل أورق، يهد الناس بسيفه ما يليق به شيئا) إذ تقدمني إليه سباع بن عبد العزى فقال له حمزة.
هلم إلي يا ابن مقطعة البنطور فضربه ضربة فكان ما أخطأ رأسه.
البطل الثاني: علي بن أبي طالب، وبعد أن خاض في صفوف المشركين يقتل ويضرب. كان لواء المسلمين عرضة للخطر بعد أن قتل مصعب بن عمير رضي الله عنه بين يدي رسول الله وهو حامل لواء المسلمين.
انضوی رسول الله تحت راية الأنصار، واستدعى عليا وقلده اللواء. وأمره أن يتقدم الصفوف أمام المسلمين. (فتقدم علي فقال أنا أبو القصم ردا على حامل لواء المشركين القائل: أنا قاصم من يبارزني قال أبو سعد بن أبي طلحة: أن هل لك يا أبا القصم في البراز من حاجة؟ قال: نعم فبرز بين الصفين فاختلفا ضربتين، فضربه علي فصرعه، ثم انصرف عنه ولم يجهز عليه. فقال له أصحابه: أفلا أجهزت عليه؟ قال إنه استقبلني بصورته فعطفتني عنه الرحم، وعرفت أن الله عز وجل قد قتله.
البطل الثالث: أبو دجانه ولندع صاحب الوسام الخالد، حواري رسول الله الزبير يحدثنا عن أبي دجانة يقول: وجدت في نفسي حين سألت رسول الله السيف وأعطاه أبو دجانة وقلت: أنا ابن صفية عمته، ومن قريش وسألته إياه قبله فأعطاه أبا دجانة وتركني.
والله لأنظر ما يصنع فاتبعته فأخرج عصابة حمراء فعصب به رأسه، فقالت الأنصار: اخرج ابو دجانة عصابة الموت، فجعل لا يلقى أحدا إلا قتله، وكان في المشركين رجل لا يدع جريحا الا ذفف عليه فجعل كل واحد منهما يدنو من صاحبه فدعوت الله أن يجمع بينهما فالتقيا فاختلفا ضربتين. فضرب المشرك ابا دجانة فاتقاه بدرقته فعضت بسيفه و ضربه أبو دجانة فقتله.
و قال كعب بن مالك: كنت فيمن خرج من المسلمين فلما رأیت تمثيل المشركين بقتلى المسلمين قمت فتجاوزت، فإذا رجل مـــن المشركين جمع للأمة (عدة الحرب) يجوز المسلمين وهو يقول: استوسقوا كما استوسقت جزر الغنم، وإذا رجل من المسلمين ينتظره وعليه لأمته، فمضيت حتى كنت من ورائه، ثم قمت أقدر المسلم والكافر ببصري، فإذا الكافر أفضلهما عدة وهيئة. فلم أزل انتظرهما حتى التقيا، فضرب المسلم الكافر ضربة فبلغت ورکه وتفرق فرقتين، ثم كشف المسلم عن وجهه وقال: كيف تری يا كعب أنا أبو دجانة.
الرابط المختصر :