; دروس تربوية من الثورات الشعبية (٢) .. البيت يريد إصلاح النظام | مجلة المجتمع

العنوان دروس تربوية من الثورات الشعبية (٢) .. البيت يريد إصلاح النظام

الكاتب أ. د. سمير يونس

تاريخ النشر السبت 26-مارس-2011

مشاهدات 62

نشر في العدد 1945

نشر في الصفحة 46

السبت 26-مارس-2011

أقبل علي ابني وابنتي وأنا عاكف على كتبي وأوراقي، كان كل منهما ينظر إلى الآخر ويبتسم، ويقدم كل منهما الآخر ليخبرني بشيء، هكذا قرأت ما يريدان، وما هي إلا لحيظات إلا وتقدما معًا وهتفا في صوت واحد بأدب البيت: يريد إصلاح النظام!! ثم كرر الهتاف سلمية.. سلمية... إلخ.

تأملت فيما قاله ابني وأكدته ابنتي، وفكرت فيه مليًا، ثم قلت: الحمد لله أنهما قالا: البيت يريد إصلاح النظام، ولم يقولا: البيت يريد إسقاط النظام، وقلت في نفسي: للثورات إيجابيات وسلبيات، وربنا المستعان، وعليه التكلان. 

استمعت إليهما وأنصت جيدًا، وقلت لهما: ماذا تطلبان لنجري إصلاحات؟ فإذا بهما يقدمان قائمة مطالب، وهي:

١-لا نجدك في البيت إلا قليلًا، نريد أن تجلس معنا، كما كنت تجلس معنا في الصغر، تحكي لنا القصص، وتسألنا ونسألك الآن قليلا ما نجدك، نشتاق إليك، وربما ننام بشوقنا، ولا نراك إلا صباح اليوم التالي ونحن نغادر البيت إلى المدرسة. 

2-كنت-ونحن صغيران-تساعدنا في دراستنا توضح لنا ما يغمض علينا، وتشرح لنا ما يحتاج إلى شرح كي نفهمه ونستوعبه، والآن نفتقدك، ونحتاج إليك لا نجدك، كنت في صغرنا تقترب عند الحاجة دون دعوة منا، والآن ندعوك فلا نجدك، وكنت تلبي دون طلب منا، والآن نطلبك.. فأين أنت؟ 

3-تكون معنا-أحيانًا-بالبيت، ولكنك حاضر غائب، نكلمك فترد علينا بكلمات قليلة، وأملنا ونحن نكلمك أن تبسط حديثك معنا، فنجد منك ردًا مختصرًا، ولسان حالك يقول: كفى ثرثرة، أنا مشغول، لا وقت عندي لا تحدث معكم، فلنؤجل حديثنا إلى وقت لاحق، ونلتمس لك الأعذار، لكثرة أعبائك، ثم نحاول المرة تلو الأخرى أن نفوز بحوار معك، ولكن هيهات لنا، فضيوفك كثيرون ومكالماتك الهاتفية متتالية، وعندما تعكف على أوراقك ينقطع اتصالنا بك، وتنشغل بالأخبار والبرامج في التلفاز، أو بقراءاتك على شبكة الإنترنت، حتى أصابتنا الغيرة من التلفاز والفضائيات والكتب والحاسوب.. وكدنا نفكر في وسائل مأمونة للتخلص من كل هذه الأشياء والجاذبات التي تأخذك منا. 

4-المطالبة بحقنا في الفسح والتنزه، فمنذ أسابيع ونحن نشتاق إلى البحر، ونحلم بالتنزه على شاطئه معك وفي صحبتك، كم حدثتنا ونحن صغار عن نعمة الله سبحانه التي جعلها في البحر، وكنا نلمس، ذلك تستريح أعيننا وتستمتع وهي تنظر إلى المياه الممتدة وتستمتع بجمال صنيع الخالق، نحن نشتاق أيضًا إلى أن نتجول في الحديقة، نرى الخضرة والأشجار والورد تنطق بإبداع الخالق، نحن ضقنا بالحبس داخل الجدران.

 5-نريد مرونة في السماح لنا بأن نخرج مع أصدقائنا، فلا نحن نخرج في صحبتك للتنزه، ولا يسمح لنا كلما استأذناك في أن نخرج مع أصدقائنا، لا ننكر أنك تسمح لنا بذلك أحيانًا، لكننا نريد مزيدًا. 

6-نريد مزيدًا من اللعب واستخدام الحاسوب والإنترنت، نحن نشعر أحيانًا بالتضييق على الحريات في هذه المجالات. 

لذلك كله رفعنا شعار:«البيت يريد إصلاح النظام»..

أدركت من مطاليب ابني وبنتي أنني مقصر لا شك في ذلك، وإن كنت أرى أنهم يبالغون في بعض ما طلبوا، لمنحهم مزيدًا من الوقت في اللعب وصحبة الحاسوب والإنترنت، وقد ناقشتهم في ذلك كله، وبينت لهم وجهة نظري فيما لهم فيه حق وأنا مقصر فيه واعترفت، وفيما هم يبالغون فيه وحاورتهم بهدوء.

رسالة إلى الأولاد

جميل أن نربي أولادنا على النقد وإبداء الرأي، والأجمل أن يتدربوا على النقد في ذوق وأدب، وأحمد الله على أن الموقف الذي كان بيني وبين ابني وبنتي أكد أن لديهما قدرة على النقد وإبداء الرأي في ذوق وأدب، ولذلك أدعو الآباء إلى أن يعمقوا قيم الحرية والشورى وإبداء الرأي والنقد البناء في نفوس أولادهم.

بيد أن أولادنا يجب أن يدركوا الفروق بين شعب ظلم ونهبت ثرواته، وسيم سوء العذاب، فهب ثائرًا يطالب بحقوقه، وينفض غبار الذل والهوان، ويقول بملء فيه: «لا » لمن ظلمه وقهره.. وبين آباء يكدون ويتعبون ليرتاح أولادهم، وأمهات يعطين بلا حدود ودون انتظار جزاء.

الحق أن قياس حال البيوت بأحوال الشعوب فيه إجحاف للآباء والأمهات، فالزعيم الذي يظلم شعبه ويقسو عليه ليس كالأب الذي يحنو على أولاده، ويحبهم وإن كان حازمًا في معاملته لهم، لذا فقد علم سلفنا الصالح قدر الوالدين، فتعبد الله عز وجل ببرهما.

بر أبكى عمر

كان «أمية الكناني» رجلًا من سادات قومه، وكان له ابن يسمى «كلابًا»... هاجر كلاب إلى المدينة في خلافة عمر بن الخطابt، فأقام بها مدة، ثم لقي بعض الصحابة ذات يوم فسألهم: أي الأعمال أفضل في الإسلام؟ فقالوا: الجهاد. فذهب كلاب إلى عمرt يريد الجهاد، فأرسله عمر إلى جيش ببلاد الفرس، فلما علم أبوه بذلك تعلق به، وقال له:«يا بني، لا تترك أباك الشيخ وأمك العجوز الضعيفين، ربياك صغيرًا، حتى إذا احتاجا إليك تركتهما؟».. فقال كلاب:«أترككما لما هو خير لي».. ثم خرج غازيًا بعد أن أرضى أباه، فأبطأ في الغزو وتأخر.. وكان أبوه وأمه يجلسان يومًا في ظل نخل لهما، وإذا بحمامة تدعو فرخها الصغير، وتلهو معه، وتروح وتجيء، فرآها الشيخ فبكى، ورأته زوجته العجوز يبكي فبكت.. ثم أصاب الشيخ ضعف في بصره، فلما تأخر ولده كثيرًا في الجهاد ذهب إلى عمر بن الخطابt ودخل عليه المسجد، وقال: «والله يا ابن الخطاب لئن لم ترد علي ولدي لأدعون عليك في عرفات» .

فكتب عمرt برد ولده إليه، فلما قدم كلاب ودخل على عمر قال له عمر:«ما بلغ برك بأبيك؟».. فأجابه كلاب:«كنت أفضله وأكفيه أمره، وكنت إن أردت أن أحلب له لبنًا أجيء إلى أغزر ناقة في إبله فأريحها، وأتركها حتى تستقر، ثم أغسل أحلافها-أي ضروعها-حتى تبرد، ثم أحلب له فأسقيه»!! 

فبعث عمر إلى أبيه، فجاء الرجل، ودخل على عمر وهوt يتهاوى، وقد ضعف بصره، وانحنى ظهره، فقال له عمرt: كيف أنت يا أبا كلاب؟ قال: كما ترى يا أمير المؤمنين. فقال: ما أحب الأشياء إليك اليوم؟ فقال:«ما أحب اليوم شيئًا ما أفرح بخير، ولا يسوؤني شر». 

فقال عمرt :«فلا شيء آخر؟»

قال: بلى، أحب أن كلابًا ولدي عندي، فأشمه شمة، وأضمه ضمة، قبل أن أموت.

فبكى عمرt وقال:«ستبلغ ما تحب إن شاء الله». 

ثم أمر عمر رضي الله عنه كلابًا أن يخرج، ويحلب لأبيه ناقة كما كان يفعل، ويبعث بلبنها إليه، فقام كلاب وفعل ذلك، ثم جاء وناول الإناء إلى عمر، فأخذهt وقال: اشرب يا أبا كلاب فلما تناول الإناء ليشرب وقربه من فمه قال: والله يا أمير المؤمنين، إني لأشم رائحة يدي كلاب، فبكى عمرt وبكى الحاضرون، ثم قال عمر:«يا بني الزم أبويك، فجاهد فيهما ما بقيا، ثم اعتن بشأن نفسك بعدهما» .

بر الفضل بن يحيى

روى عن المأمون أنه قال: لم أر أحدًا أبر من الفضل بن يحيى بأبيه، فقد كان أبوه لا يتوضأ إلا بماء ساخن، فلما دخلا السجن منعهما السجان من إدخال الحطب في ليلة باردة، فلما نام أبوه قام الفضل، وأخذ إناء الماء وأدناه من المصباح، فلم يزل قائمًا به حتى طلع الفجر فقام أبوه، فصب عليه الماء الدافئ، فلما كانت الليلة الأخرى أخفى السجان المصباح، فقام الفضل، فأخذ الإناء، فأدخله تحت ثيابه ووضعه على بطنه حتى يسخن الماء من أثر حرارة بطنه، متحملًا بذلك برودة الماء والجو طوال الليل!! فإن كان من حق الأولاد علينا أن نحسن تربيتهم، وأن نتعب ليستريحوا، ونشقى ليسعدوا، ونسهر ليناموا، ونجوع ليأكلوا ونحمل همومهم، فمن حق الآباء- أيضًا-على الأبناء أن يبروهم، فذلك حكم الله عز وجل:﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّآ إِيَّاهُ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنًاۚ إِمَّا يَبۡلُغَنَّ عِندَكَ ٱلۡكِبَرَ أَحَدُهُمَآ أَوۡ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَآ أُفّٖ وَلَا تَنۡهَرۡهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوۡلٗا كَرِيمٗا (23) وَٱخۡفِضۡ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحۡمَةِ وَقُل رَّبِّ ٱرۡحَمۡهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرٗا﴾(الإسراء:24:23)

وعن عبد الله بن مسعودt قال:«سألت النبيﷺ: أي العمل أحب إلى الله؟ قال: الصلاة على وقتها. قال: ثم أي؟ قال: بر الوالدين. قال: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل لله. قال: حدثني بهن ولو استزدته لزادني» (رواه البخاري).

إنها دعوة للآباء والأبناء على السواء: أقول للآباء: أولادنا نعمة من نعم الله عز وجل التي طالما رفعنا من أجلها أكف الضراعة حتى ننالها، حتى الأنبياء دعوا الله عز وجل أن يرزقهم هذه النعمة، فهذا أحد أنبياء الله تعالى يتضرع إلى ربه قائلًا:﴿هَبۡ لِي مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةٗ طَيِّبَةًۖ إِنَّكَ سَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ﴾

 (آل عمران:38).. ولطالما دعونا-نحن عباد الله-ربنا قائلين:﴿وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبۡ لَنَا مِنۡ أَزۡوَٰجِنَا وَذُرِّيَّٰتِنَا قُرَّةَ أَعۡيُنٖ وَٱجۡعَلۡنَا لِلۡمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾

(الفرقان: 74).

فالأولاد والذراري نعمة تقر بها العيون، وتبتهج لها النفوس، وتطمئن إليها القلوب، إذا طابوا وكانوا صالحين بررة. 

وفي المقابل، على الآباء أن يؤدوا الحقوق والأمانات، فهذا لقمان مع ابنه يعلم الآباء: ﴿يَٰبُنَيَّ أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ وَأۡمُرۡ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَٱنۡهَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَٱصۡبِرۡ عَلَىٰ مَآ أَصَابَكَۖ إِنَّ ذَٰلِكَ مِنۡ عَزۡمِ ٱلۡأُمُورِ(17) وَلَا تُصَعِّرۡ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمۡشِ فِي ٱلۡأَرۡضِ مَرَحًاۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخۡتَالٖ فَخُورٖ(18) وَٱقۡصِدۡ فِي مَشۡيِكَ وَٱغۡضُضۡ مِن صَوۡتِكَۚ إِنَّ أَنكَرَ ٱلۡأَصۡوَٰتِ لَصَوۡتُ ٱلۡحَمِيرِ﴾(لقمان: 19:17).

فقد جمع لقمان هنا بين حق الله وحق عباده وحق الذات، فاستحق منهجه بذلك أن يصفه العلماء بأنه منهج تربوي متكامل، ينفع الآباء والأبناء على السواء، ويكون مجتمعًا مستقرًا سعيدًا في الدنيا والآخرة.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2123

221

السبت 01-سبتمبر-2018

الحج موسم الرحمات

نشر في العدد 12

152

الثلاثاء 02-يونيو-1970

ركن الأسرة - العدد 12

نشر في العدد 2101

1044

الثلاثاء 01-نوفمبر-2016

تلك هي إحدى معجزات هذا الكتاب