العنوان دروس تربوية في آيات القرآن الكريم ۲
الكاتب أ. د. محمد بديع
تاريخ النشر السبت 13-فبراير-2010
مشاهدات 68
نشر في العدد 1889
نشر في الصفحة 50
السبت 13-فبراير-2010
﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ﴾ (آل عمران: 39)
- شغل النفس برضا الله عز وجل وعبادته يعطيك أفضل ما يعطي السائلين كما حدث مع زكريا عليه السلام.
- شحن النفس بشحنات الخير والطاعة المتتالية يزكيها ويطهرها فتجني النجاح في الدنيا والفلاح في الآخرة.
- التعامل المباشر مع الله عز وجل وعدم الانشغال بالأسباب عن المسبب يجلب لك الخير الخالي من أي شائبة.
الجانب التربوي يؤكد المهمة الأولى والأساسية التي نزل من أجلها القرآن الكريم؛ ليصنع الفرد المسلم، والأسرة المسلمة والمجتمع المسلم، والأمة المسلمة على عين الله عز وجل، وذلك بالتزام القرآن والسنة اللذين إن تمسكنا بهما لن نضل بعد رسول الله أبدا، ومع خواطر تربوية متفرقة حول بعض آيات الكتاب الكريم المعجز.
قال تعالى: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (آل عمران: 39)، في هذه الآية معجزة تربوية تلخص طريق تحقيق الرغبات التي تتمناها في دنياك، لقد طلب سيدنا زكريا-عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام-من ربه ولدا يكون وارثا للنبوة رغم علمه بشيخوخته، وعدم قدرة زوجته على الإنجاب، واعترافه بهذا، ولكن ما جعله يطمع فيما عند الله-وما ذلك على الله بعزيز-هو أنه رأى رزق الله لمريم بعينه بغير حساب وبلا أسباب، لكن الأعجب أنه-بعد أن سأل ربه وألح في الطلب-ذهب إلى المحراب ليصلي، فلم لم تنتظر الملائكة بالبشرى حتى يصلي لتخبره؟
إن الدرس في حالة صلاته أبلغ والتربية هنا أوقع وأنفع لأمثالنا، فاشغل نفسك برضا ربك، وعبادة ربك يُعطك أفضل ما يعطي السائلين، كما ورد في الحديث القدسي: «من شغله ذكري عن مسألتي، أعطيته أفضل ما أعطي السائلين» «رواه البخاري في التاريخ والبزار في المسند، وقال ابن حجر حديث حسن»؛ لأنك إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل.
أنت ونفسك وهواك
إن سيطرتك على نفسك وشهواتها، وهواك ورغباتك، تجعل منك حكمًا رشيدًا على كل هؤلاء، كي تقودهم ولا يقودونك لذلك انظر إلى قول الله عز وجل: ﴿ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ﴾ (الشمس: 7).
إن الآيات توضح أن عجلة القيادة بيدك؛ لأن الجزاء في النهاية سينال الجميع أنت ونفسك وروحك وبدنك، فلا تجعل أي طرف تحت ولايتك يتسبب في عقابك، مثل طفلك الصغير الذي يريد أن يلهو بإشعال عود ثقاب، ويريد أن يوقد موقد الغاز ويحاول عدة محاولات بإلحاح، وهو سعيد بتكرار التجربة ومفتاح الغاز ينساب منه الخطر، فهل يعقل أن تشاركه هذا التهور؟ أو حتى تكتفي بموقف المتفرج وأنت تدرك أن الحريق في النهاية سيأتي على كل ما في البيت من أشخاص وممتلكات؟ فاشحن النفس بشحنات الخير والطاعة المتتالية لتزكيتها وتطهيرها، فتجني الفلاح ﴿ وَقَدْ أَفْلَحَ ﴾ (الشمس: 9)، ولا تدس فيها الخبث مرة بعد مرة فتجني الخيبة ﴿وَقَدْ خَابَ﴾ (الشمس: 10)، وانه نفسك عن الهوى، واستحضر وقفتك بين يدي الله، لتكون ممن خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى؛ ليتحقق لك وعد الله، فإن الجنة هي المأوى.
إن الله اشترى. فهل تبيع ؟
عجيب أن تكون أنفسا هو خالقها وأموالًا هو رازقها وعلم منا بخلا فاشتراها منا ووعدنا بها الجنة.
إن الآية توصلك إلى نهاية القضية «بيع النفس والمال»، ولكن هذا ليس إلا من المؤمن أي المصدق بوعد الله، وكل ما ستتعرض له في هذه الدنيا، إنما هو أقساط البيع الأجزاء من النفس والمال، إلى أن يتم إنهاء الصفقة، ويتم تسليم كل النفس وكل المال لتعود الأمور إلى صاحب الأمر، وتصرخ من أعماق قلبك ربح البيع ربح البيع. وإياك أخي المؤمن أن تساوم في البيع، لتحاول الإبقاء على جزء من الصفقة، فإن الله عز وجل-أغنى الشركاء عن الشرك، وإذا أردت أن يوفيك ربك ويجزل لك العطاء فأوف بعهدك مع الله، فما لنا إن وفينا يا رسول الله؟ قال: «الجنة».
وكل مشكلاتنا على الطريق وانحرافاتنا عنه، ترجع إلى غياب هذه الحقيقة الناصعة: إن من باع نفسه وماله لله، سيتم إنفاذ البيع له في موعده المقرر، ومن يرفض البيع سيؤخذ منه رغم أنفه في نفس موعده المقرر، ولا حسنة له بل عليه وزر نكث العهد. ويحضرني المثل العامي: «إن صبرتم أجرتم وأمر الله نافذ، وإن ما صبرتم كفرتم وأمر الله نافذ».
ألا تحبون أن يغفر الله لكم؟
أخي المؤمن الموقن بأن ما عند الله أوثق مما في يديك، إن الله يخاطبك، بل يخاطبنا جميعا في أبي بكر صورة ابي أن يغفر الصديق رضي الله عنه. ﴿ أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ (النور: 22). في موقف لا يتحمله إلا أولو العزم أن تتهم ابنته الشريفة العفيفة أم المؤمنين من رجل هو من قرابته وينفق عليه، فلا أقل من أن يقطع عنه المال الذي كان يعطيه له، فهو لا يستحقه، لأنه يقول غير الحق، وناكر للجميل فيعاتبه ربه ويرغبه في الاستمرار في الإنفاق على مسطح المشارك في حديث الإفك، أما فعله فحسابه وعقابه شيء، وأجرك من الإنفاق عليه شيء آخر.
احرص على نيل الغفران من الله، واحرص على طلب الجنة، ولو كان هذا على حساب من أساؤوا إليك، فهم بإساءتهم مطيتك إلى الجنة.
وأبو بكر نفسه يسبه رجل في مجلس رسول الله ﷺ والرسول لا يتكلم وأبو بكر لا يرد، فلما بدأ أبو بكر بالرد قام رسول الله ﷺ من المجلس، ولما سأله أبو بكر مستغربا أنه لم يقم بينما الرجل يسب أبا بكر، بينما قام لما رد أبو بكر فأخبره رسول الله ﷺ بأن الله قد أوكل ملكين من ملائكته يردان السباب عن أبي بكر، فلما تولى أبو بكر رد السباب حضر الشيطان وانصرف الملك، وما كان الرسول الله ﷺ أن يجلس في مجلس فيه شيطان.
الوسطاء يمتنعون
فاجعل أخي تعاملك مع الله مباشرة والوسطاء يمتنعون، ألا تحب أن يغفر الله لك؟ قل: بلى.
لو علمنا يا أخي أن التعامل المباشر مع الله عز وجل وعدم الانشغال بالأسباب عن المسبب، يجعلك تغترف الخير من منابع الخير، ولا يكون فيما تلقاه سوء أبدا، عش يا أخي في رحاب من بيده الخير، والدعاء المأثور علمك أن تقول: «الخير كله بيديك والشر ليس إليك»، ورب الخير لا يأتي إلا ق بالخير؛ لذلك كانت المقابلة العجيبة في قول الله-عز وجل: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ (الحج: 11).
أي أن كل ما يصيبنا مما نظن أنه شر نكرهه ينقلب إلى خير لو تقبلناه من الله عز وجل، يتحول الصبر عليه إلى أجر جزيل والرضا به إلى عطاء أجزل: «اعبد الله عز وجل-على الرضا، فإن لم تستطع ففي الصبر على ما تكره خير كثير. إن الله إذا أحب عبدا ابتلاه فإن صبر اصطفاه، فإن رضي اجتباه».
درجات من القرب في مقابل درجات الحب يأتي من المحبوب لذلك كان الحديث النبوي الشريف واضحا في أن هذا الأمر ليس لكل الناس ليس ذلك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له «رواه ابن حبان والسيوطي في الجامع الصغير»، تحولت الضراء إلى خير، والسراء له خير أيضا، فهو رابح على طول الخط، أما غير المؤمن، فالسراء تجعله يغفل عن شكر المنعم فتكون وبالا عليه والضراء تجعله يقنط فتكون وبالا عليه، فكن عند ظن ربك بك، لأن ربك عند حسن ظنك به
وفاء الأجر
﴿وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ﴾(آل عمران57).
ختام الآية يربي النفس المؤمنة على ألا تنتظر وفاء أجرها في الدنيا، بل تديم عمل الصالحات وهي واثقة في وعد الله، أن ما ينقص منها في الدنيا، ستوفاه في الآخرة وما تتعرض له في الدنيا، ليس هنا مجال القصاص، فاليوم عمل ولا حساب، وغدا حساب ولا عمل.﴿ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾ (آل عمران: 185).
لكن الغريب واللافت للنظر أن هذا قُرن بأن الله لا يحب الظالمين، أليس في هذا طمأنة للنفس المؤمنة المبتلاة، بأن الظالمين سيكونون وراء كل انتقاص من حقوقهم، وليس معنى أن يملك ربك أمرك لعدو الله وعدوك أم إلى عدو ملكته أمري» أن الله لا يحبك ويحب الظالم الذي ملكه أمرك، لا بل هو استدراج للظالمين كي يقعوا فيما يوجب العقوبة المغلظة، «من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب» «رواه البخاري»، فالويل كل الويل لمن آذى مؤمنا وسلب حقوقه وظلمه، فيوم الحساب عسير على الكافرين غير يسير.