العنوان دروس النصر الأفغاني
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الأحد 03-مايو-1992
مشاهدات 59
نشر في العدد 999
نشر في الصفحة 4
الأحد 03-مايو-1992
بغض
النظر عن كل الهواجس التي تنتاب المتحمسين للجهاد الأفغاني والمشفقين عليه،
والشكوك التي تثيرها وسائل الإعلام العالمية حول ما ستؤول إليه الأمور في كابول،
فإن هناك حقيقة جوهرية واحدة تفرض نفسها على كل الحقائق الفرعية وهي أن شعبًا في
أكثر دول العالم فقرًا وضعفًا رفع راية الجهاد الإسلامي وحارب باسم العقيدة أعتى
أمم الأرض جبروتًا وقوة وصارعها 14 عامًا متواصلة حتى كتب الله له النصر ودخلت
فصائل المجاهدين العاصمة الأفغانية في انتصار عسكري وسياسي وحضاري ليس له موازٍ
على امتداد الساحة الدولية.
ففي
صباح الثلاثاء السادس والعشرين من شوال 1412، دخلت قافلة الدكتور صبغة الله مجددي
مدينة كابول معلنة وبصورة رسمية انتقال الأمور بشكل حاسم للمجاهدين الأفغان
وانهيار كل المشاريع الدولية الهادفة إلى سرقة النصر من المجاهدين وممهدة إن شاء
الله لإعلان دولة الإسلام في ربوع أفغانستان. وإذا كانت فرحة النصر قد شابها التعكير
لما وقع من تقاتل مؤسف بين المجاهدين وبما أقدمت عليه بعض القيادات من سوء التصرف
وخروج عن الصف، فإن العقول والقلوب التي قادت ذلك الجهاد العظيم قادرة بإذن الله
على مواجهة الفتنة وإخمادها.
ماذا يعني انتصار الإسلام في أفغانستان؟
إن
لهذا الحدث الجليل دروسًا وعبرًا عظيمة لأبناء الأمة الإسلامية.
أول الدروس هو سقوط الحسابات المادية في شأن الصراعات العقائدية:
فللوهلة الأولى كانت معركة المجاهدين
خاسرة وفق كل مقاييس أحداث فجر السابع والعشرين من ديسمبر 1979 عندما أرسل بريجنيف
نخبة الجيوش السوفييتية لتضع يدها على كل المدن الأفغانية في احتلال «غاشم مدمر».
وقتها تجاوز المجاهدون حسابات المدفع والبندقية وأخذوا حسابات الإيمان والجهاد
وقرروا الاستمرار في المواجهة حتى النهاية. وفي واقع القضية الفلسطينية خسرنا معظم
المعارك قبل أن تبدأ وتركنا للعدو الأرض بعد الأرض بدعوى أنها «ساقطة عسكريًّا»، وتولى
قادة عسكريون ماديو التفكير والعقيدة تحقيق الانتصارات للعدو ما كان يستطيع
تحقيقها حتى بالحساب المادي المجرد.
الدرس الآخر هو أولوية الجهاد على كل الحسابات الشخصية والفئوية:
فبالرغم من التمايز العرقي واللغوي بين
فئات الشعب الأفغاني، ورغم التراث القديم من الخلافات وعناصر الانقسام فقد حافظ
المجاهدون طوال السنوات الماضية على الحد الأدنى من الوحدة الإسلامية ولم يسمحوا
للصراعات الشخصية والمكاسب الحزبية أن تقف عائقًا أمام استمرار الجهاد وتصاعده حتى
بلوغ أبواب كابول. وإذا كنا الآن ندعو المجاهدين لمحاربة كل الانقسامات التي
أبرزها النصر الأخير فإننا نتذكر بأسى واقع الإسلام في بقاع عديدة من العالم حين
طغت الحزازات والصراعات القيادية على عمل الجماعات الإسلامية حتى بغير جهاد ولا
نضال إن لم نقل من غير نصر.
ثالث الدروس هو حتمية دفع الثمن لتحقيق الإنجازات
وبلا
شك كان الثمن الذي دفعه الشعب الأفغاني المسلم عظيمًا ولم يدفعه شعب آخر في العصر
الحديث، فأكثر من مليون شهيد و5 ملايين لاجئ، وبلد مدمر وقرى محروقة ومزارع ملغومة
وإدارة حكومية متلاشية. وفي بقاع أخرى من العالم يريد
المسلمون تحقيق النصر من غير عناء، يريدونه بصفقة سياسية أو بضجة إعلامية أو حتى
بتأييد «القائد الضرورة»، الذي يبرز في هيئة طاغية كاذب مخادع ليأتي بالنصر للشعب
النائم في فراشه.
التجربة
الأفغانية تقول: لا.. فللنصر ثمن تدفعه الشعوب، وصدق الله: ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ
لَكُمْ﴾ (الأنفال: 7)
أعطى
الأفغان درسًا آخر في تغليب المصلحة الإسلامية الوطنية على حسابات الضغائن
والأحقاد، ففي خطابه للشعب الأفغاني أعلن مجددي عفوًا عامًا عن عناصر النظام
السابق، رغم أن معاقبتهم ومحاسبتهم حق مشروع للمجاهدين وللشعب عامة إلا أن التأسي
بموقف الرسول صلى الله عليه وسلم عند فتح مكة «اذهبوا فأنتم الطلقاء» كان هو
الأسلوب الذي ارتضاه المجاهدون؛ ذلك أن السرعة إلى نشر الاستقرار في ربوع البلد
المنكوب وإقامة نظام سياسي متماسك سيكون مقبولا من كل الأطراف ويأتي كحاجة وطنية ملحة
للمباشرة في إصلاح وتنمية الدولة الإسلامية الوليدة. وقد ساهم الخطاب السياسي
المعتدل للحكومة الإسلامية الجديدة في التمهيد لعلاقات متوازنة مع الأطراف والقوى
الدولية حتى تلك التي حاكت المؤامرات للجهاد الأفغاني، وهذا يعكس حنكة وبعد نظر
المجاهدين وينفي التهم التي وجهت إليهم بالتطرف والتشنج وحب الصراع. إنها البداية
الصحيحة للجهاد الأفغاني انتهت إلى نهاية صحيحة، وكذلك فإن البداية الصحيحة للدولة
الإسلامية التي بدأت منذ أيام على أرض أفغانستان المجاهدة ستنتهي بنظام إسلامي
صحيح على مستوى الدولة والإنسان. فهل سنحصد هذا الأمل كمسلمين كما انتهينا بحصد
ثمار الجهاد الأفغاني المبارك؟ إننا نأمل بأن يكون الجهاد الأفغاني نموذجًا للدول
الإسلامية الجديدة للنظام الدولي الجديد ﴿وَلِلَّهِ
عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ (الحج: 41) ولله الأمر من قبل ومن بعد.