; دروس الحرب في البوسنة | مجلة المجتمع

العنوان دروس الحرب في البوسنة

الكاتب مايكل إليوت

تاريخ النشر الثلاثاء 05-مايو-1998

مشاهدات 188

نشر في العدد 1298

نشر في الصفحة 37

الثلاثاء 05-مايو-1998

 كتاب جديد يذكر أمريكا بأن وقوع أزمة في أي مكان يمكن أن يؤثر على مصلحتها القومية لمجرد أن أي طرف آخر لا يستطيع معالجتها

كانت الحروب من أجل القفز إلى السلطة في يوغسلافيا كريهة ووحشية وطويلة أكثر مما يجب فما بين عامي ۱۹۹۱م و ١٩٩٥م قتل ما يزيد على ثلاثمائة ألف شخص، وجرى تطهير عرقي على أعداد أخرى لا تحصى في الأرض والمساكن التي عاشوا فيها منذ أجيال، وقد اتسمت الحرب في البوسنة وهي ثالث أطول حرب في يوغوسلافيا وأشدها شراسة بأسوأ الفظائع التي ارتكبت في أوروبا منذ عام ١٩٩٥م، ولم تنته الحرب إلا عندما فرضت الولايات المتحدة مزيجًا من القوة العسكرية والدبلوماسية في النصف الثاني من عام ١٩٩٥م، وكان ريتشارد هولبروك هو مهندس السياسة الأمريكية في هذه اللعبة المميتة، وكان في ذلك الوقت مساعد وزير الخارجية الأمريكية للشؤون الأوروبية، وسوف تنشر مذكراته عن تلك الفترة الكتب قريبًا، وربما يكون كتابه «أن تنهي حربًا» هو أهم الكتب حول البوسنة أهمية، لقد ألف هولبروك كتابًا يتسم بالوضوح، وإذا كان المؤلف يعطي نفسه دور الصدارة، إلا أنه يغدق المديح على العديد من الآخرين سواء المعروفون منهم أو غير المعروفين ممن ساعدوا على إنهاء الحرب.

وبقراءة هذا الكتاب نجد كارل بلدت رئيس الوزراء السويدي الأسبق وممثل الاتحاد الأوروبي في عملية السلام خلال عام ١٩٩٥م، يبرز كمراقب حاد البصيرة ومتزن للأمور، وساعد ديفيد ليتون وهو الآن وكيل وزارة الخزانة الأمريكية البوسنيين على تفهم أن اقتصادهم يمكن أن يتحسن مع مجيء السلام، ومما يثير الدهشة أكثر من غيره، أن الذين أساءوا الظن بوزير الخارجية وارين كريستوفر، وهو كان رئيس هولبروك، سيتحتم عليهم أن يغيروا من نظرتهم هذه، فحسب ما جاء في كتاب هولبروك كانت تدخلات كريستوفر في عام ١٩٩٥م تتسم بالتدبر والحزم والحسم في أحيان كثيرة.

لقد كانت البوسنة تحتاج إلى شخص مثل هولبروك، وكذلك واشنطن أكثر منها لكي تستعيد شرفها الذي تشوه لقد اتسمت السياسة الأمريكية تجاه يوغسلافيا في عام ١٩٩١م إلى ١٩٩٥م بالكثير من الصفات، فهي غير حاسمة ومرتبكة وجاهلة، ولكنها قبل أي شيء آخر ولا سيما في أول عامين من عهد كلينتون كانت قاسية، فبالنسبة لمن كانوا يعانون المشقة المرعبة في سراييفو كان الأمريكيون هم الفرسان الذين سيأتون على ظهور الخيل لنجدتهم، وكان الأمريكيون يقولون إن ما يحدث في البوسنة فظيع إلى حد لم يسمع عنه من قبل، وأنه يمس مصلحة حيوية للولايات المتحدة ولكنهم لم يفعلوا شيئًا يذكر بصدده، بل زادوا الموقف السيئ سوءًا في إحدى المرات.

ومكثت جذور تلك القسوة في الوعود غير المسؤولة تمامًا التي قطعها كلينتون على نفسه في حملته الانتخابية بشأن البوسنة في عام ١٩٩٢م، وقد وعد المرشح كلينتون بأنه سيجعل من الولايات المتحدة العامل المساعد في إيجاد موقف جماعي ضد العدوان في البوسنة «وكانت إدارة الرئيس بوش قد قررت - حسب تعبير وزير الخارجية جيمس بيكر - أنه لا ناقة لها ولا جمل في هذا الصراع»، وقد تساءل هولبروك في ذلك الوقت ما إذا كان الرئيس كلينتون يقدر على تنفيذ ما وعد به المرشح كلينتون.

 وإذا كانت السياسة الأمريكية قاسية بالفعل، إلا أن اللوم الأكبر بما حدث في البوسنة يقع على أطراف أخرى، فمن المقبول به الآن أن أصول الحرب تقود إلى سعي صرب البوسنة إلى الاستيلاء على الأراضي وفق مخطط من زعيم الصرب سلوبودان ميلوسوفيتش، ولا يختلف هولبروك مع هذا الرأي وإن كان شرحه يوضح أنه لم يكن اتفاق دايتون ليقع دون رغبة ميلوسوفيتش في الوصول إلى حل وسط ومما يثير الدهشة أكثر الشعور بالإحباط الذي عبر عنه هو ليروك إزاء تكتيكات الحكومة البوسنية المتشعبة الأطراف، وقد جاءت هذه الحكومة إلى دايتون غير محددة الأهداف وتفتقر إلى الخبرة في طرق تحقيق هذه الأهداف وهناك انتقادات خفية كذلك للعسكريين في «بلدان غربية عديدة»، الذين كان جل اهتمامهم فيما يبدو إيجاد الوسائل لاستعمال القوة التي يمتلكونها، إن الفشل في تنفيذ اتفاق دايتون الذي مازال يحيق بالبوسنة ليس له علاقة بالمحادثات في أوهيو قدر علاقته بالتنازلات التي كسبها البنتاجون من المدنيين خلال المناقشات التي دارت في واشنطن قبل مؤتمر السلام، وإذا كان مجرمو الحرب من صرب البوسنة مازالوا يتمتعون بالحرية منذ عامين، فإن ذلك جاء لأن هيئة الأركان المشتركة أعاقت مهمة القوة المتعددة الجنسيات التي دخلت البوسنة عقب اتفاق دايتون، ومن الدروس الباقية المتولدة من البوسنة فإن على القوات المسلحة أن تدرك أن مهمتها قد تغيرت فبناء الطرق ومساعدة اللاجئين واعتقال القتلة أصبحت تشكل الجزء الأكبر من مهام الجيوش الآن.

وهناك درس آخر من البوسنة، فمن وجهة النظر الجيوبولتيكية تعد أوروبا تعبيرًا جغرافيًا وليست كيانًا سياسيًا، وقد تبين لهولبروك مرارًا أن الأوروبيين الذين ادعوا عام ۱۹۹۱م أنهم وحدهم القادرون على حل مشكلة يوغوسلافيا يثيرون الإحباط فوق انعدام فعاليتهم، فقد تمسك الفرنسيون بادعاء الكرامة واستشاط ممثلهم في دايتون غضبًا عندما شمه أحد الكلاب عند نقطة للتفتيش أما البريطانيون فكانوا انهزاميين ومقيدين بالإجراءات الروتينية وكان قرار الألمان المتسرع أواخر عام ١٩٩١م بالاعتراف بكرواتيا غلطة ديبلوماسية كبيرة وإن عوضوا عنها جزئيًا بإرسال مسؤولين عالي المستوى إلى قضايا البوسنة.

وقد تطلب الأمر وقتًا، ولكن كانت الولايات المتحدة هي التي تمتلك القوات والقوة والخيال اللازمين لفرض التسوية، وفي عام ١٩٩٥م قال أحد الأشخاص إنه من الصعب تخيل وجود هولبروك أوروبي ومازالت هذه المقولة صحيحة.

ومع ذلك فإن حقيقة عدم القدرة على الاستغناء عن القوة الأمريكية تثير القلق فقد تضطر أمريكا في أي إلى تصور أن أي أزمة تحدث مكان في العالم تمس مصلحتها الوطنية لمجرد أن أحدًا غيرها لا يستطيع معالجتها، وربما قيل إن هذا بالضبط هو عين ما حدث في يوغسلافيا، فحيث إن ثلاثمائة ألف شخص قتلوا قبل التدخل الأمريكي يجعل ذلك من الطبيعي الاستنتاج بأنه من مصلحة الولايات المتحدة دائمًا التدخل هناك.

وعندما تولى هو لبروك المهمة في عام ١٩٩٥م كان التدخل الأمريكي بالفعل في مصلحتها القومية لأن الحرب في البوسنة كانت تسمم التحالف الأطلسي برمته.

ولكن هل كانت حقًا المصالح الأمريكية مهددة عام ۱۹۹۱م؟ هل كان لواشنطن بالفعل ناقة في الحرب اليوغسلافية أو في حروب الصومال وهايتي ورواندا؟

لا توجد بعد إجابة سهلة عن هذا السؤال الصعب.

الرابط المختصر :