; درس من جنوب لبنان | مجلة المجتمع

العنوان درس من جنوب لبنان

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 09-مايو-2000

مشاهدات 114

نشر في العدد 1399

نشر في الصفحة 9

الثلاثاء 09-مايو-2000

يمثل قرار العدو الصهيوني الانسحاب من جنوب لبنان والبدء في تنفيذ الانسحاب من جانب واحد، أول اعتراف إسرائيلي بالهزيمة في مواجهة عسكرية منذ نشأة الكيان الغاصب إن الانسحاب الإسرائيلي المذل من الجنوب اللبناني دون قيد أو شرط يترجم حجم الهزيمة المهينة التي مني بها الإسرائيليون أمام ثلة من المقاومين الذين رفضوا مصطلحات اليأس والإحباط وثقافة الاستسلام أو الخضوع لموازين القوى وسياسة الأمر الواقع التي تحكم سلوكيات معظم الحكومات العربية والتي دفعت تلك الحكومات إلى دهاليز التفاوض والتنازل والتفريط بحجة الواقعية واختلال الموازين والرغبة في تجنب الخسائر وتحويل الجهود إلى البناء، وغير ذلك من مبررات العجز والخضوع.

ولطالما احتج البعض بهذه المعاذير ليبرروا إقدام بعض الحكومات على التسوية مع العدو، ولكن نظرة إلى الجنوب اللبناني تكشف أن هذه المعاذير لا تعدو أن تكون عذرًا أقبح من ذنب فالموازين المادية هي أكثر ما تكون اختلالًا بين مجموعات المقاومة في جنوب لبنان في مواجهة الآلة العسكرية الحاشدة التي يمتلكها العدو الصهيوني... 

بل حتى الجيش اللبناني لم يدخل الحرب ضد إسرائيل وإنما تولت هذه المهمة المقاومة الشعبية، ومع ذلك استطاعت أن توقع بالعدو من الخسائر ما جعله يقدم على الانسحاب هربًا من المواجهة.

وحتى لو كانت الموازين مختلة، فإن ذلك لا يبرر بحال تقديم تنازلات تدفع ثمنها الأجيال المقبلة، فالموازين الدولية دائمة التغير بطبيعتها، وهي تقطع لسان التحول وقوانين التدافع، وقد استمر الوجود الصليبي في بلاد الشام قرنين من الزمان، ثم ارتحل دون أن ينال من حقوق المسلمين أو يكتسب شرعية لاغتصابه أرضهم، وقد أدرك المسلمون –آنذاك– أن وقائع المواجهة وتفاعلات الصراع لن تتوقف حتى يجلو المستعمر عن أرض المسلمين فتعاملوا مع القضية على هذا الأساس ونجحوا في إجلاء المغتصبين، أما السائرون في طريق التطبيع فيبدو أنهم نسوا أو تناسوا طبيعة الصراع مع العدو الصهيوني، فهو صراع وجود تتداخل فيه عناصر محلية وإقليمية ودولية وهو مستمر بأشكال مختلفة، وما التطبيع الذي يحاول العدو فرضه علينا إلا استمرار للصراع بأقنعة مختلفة بل إن فكرة التسوية في ذاتها، لها طبيعة عدوانية إذ إنها تعني إقرار المعتدي على عدوانيته، ومكافأة المغتصب على اغتصابه.

والغريب أن تتسارع خطوات الهرولة نحو التطبيع من بعض الأنظمة العربية في الوقت الذي يدرك فيه الإسرائيليين أنفسهم أنهم في موقف ضعف بسبب هزيمتهم في جنوب لبنان يقول إسحق ييلي المستشار في وزارة الدفاع الإسرائيلية «لما كان استعداد العالم العربي للسلام مع إسرائيل ينبع من اعتبارات براجماتية تنبثق من الفهم بأن الجيش الإسرائيلي غير قابل للهزيمة، فإن انتصار حزب الله ينطوي على رسالة جديدة وهي أن هذا الفهم كان خاطئًا، وأن الجيش الإسرائيلي قابل للهزيمة ذلك أن إسرائيل لم تعد تتحلى بإرادة القتال».

ويمضي بيلي محذرًا قومه من صورة جديدة يمكن أن تتشكل عند العرب مؤداها أنه من الممكن إلحاق الهزيمة بإسرائيل، وإيقاع خسائر فادحة في صفوفها، وإجبارها على الانسحاب من كل الجبهات وليس هناك ما يدعو إلى إبرام اتفاقات معها.

وإذا كان الإسرائيليون قد أدركوا ضعف موقفهم وأن حصونهم قد أصابها التصدع، وأن مجتمعهم لم يعد راغبًا في مواجهة أخطار الحرب وأن قوة استيعابه للصدمات قد تآكلت فلماذا يلقي بعض العرب طوق النجاة للإسرائيليين الخروج من هذا المأزق عبر تسريع عمليات التطبيع وإذا كانت أسطورة الشعب «السوبر» والجيش الذي لا يقهر قد أخذت تتبدد وهذه هي الحقيقة، فلماذا يصر البعض من العرب والمسلمين على ترسيخ تلك الأسطورة الثانية وإيهام الشعوب العربية والإسلامية بها ليوهن من قدرتها على المواجهة والمقاومة. 

إن الدرس الذي يمكن أن تخرج به من جنوب لبنان أنه بالاعتماد على الله وحده ثم بالتمسك بثوابت الأمة وقوة الإرادة والإقدام على الشهادة دون وجل والصبر على المكاره يحول الضعف إلى قوة يقول المستشار الإسرائيلي سالف الذكر: «لقد قصفنا مواقع حزب الله طوال 10 سنة، دون كلل موقعين بهم خسائر أكثر جسامة من الخسائر التي أوقعوها وسط قواتنا، لكنهم واصلوا القتال فيما كانت خسائرنا أكبر مما تحتمل» وصدق الله تعالى إذ يقول ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾ (النساء: ١٠٤)

لقد سبق أن أوقعت الانتفاضة الفلسطينية المباركة الممثل الصهيوني في ورطة جعلته يتمنى الانسحاب من غزة ثم جاء ياسر عرفات رئيس منظمة التحرير الفلسطينية ليخلص الإسرائيليين من تلك الورطة، واليوم يسعى الإسرائيليون للخروج من ورطة جنوب لبنان وفي الحالين يتكرر المعنى ذاته أن الكيان الصهيوني يحمل بين طياته عوامل فنائه لأنه كيان دخيل ليس له وجود في المنطقة، ولكن البعض من الأنظمة العربية يسارع ليقدم عوامل البقاء عبر محاولات استيعابه في المنطقة، وتقديم التنازلات له وتقديمه ليكون الرئيس المعتبر بين دول المنطقة فهلا أدرك هؤلاء خطًا موقفهم وحاولوا تصحيحه وانحازوا إلى الحق الذي لا تزال الشعوب العربية متمسكة به بدلًا من عمالتهم وانحيازهم إلى أعداء الأمة إننا نحذر تلك الحكومات من غضب الله تعالى وهو القائل: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (المائدة: ٥١)

 

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 12

294

الثلاثاء 02-يونيو-1970

يوميات المجتمع - العدد 12

نشر في العدد 18

206

الثلاثاء 14-يوليو-1970

أوقفوا هذه المهازل!