; دراسة نقدية للاتجاهات التطورية في التجديد الإسلامي «٣» | مجلة المجتمع

العنوان دراسة نقدية للاتجاهات التطورية في التجديد الإسلامي «٣»

الكاتب محمد رشاد خليل

تاريخ النشر الثلاثاء 05-أكتوبر-1982

مشاهدات 69

نشر في العدد 589

نشر في الصفحة 35

الثلاثاء 05-أكتوبر-1982

 

أصل فلسفة التطور

ومراحل نشوئها وأثرها في التاريخ والمعرفة 

...تكلمت في مقالي السابق عن فلسفة التطور كتعبير عن ردة أوروبا إلى تراثها القديم وأتكلم اليوم عن أصل فلسفة التطور ومراحل نشوئها، وأثرها في التاريخ والمعرفة.

أصول فلسفة التطور

يرجع الباحثون أصول الفكر التطوري في الغرب إلى التاريخ اليوناني القديم في القرن الخامس قبل الميلاد في مدرسة الطبيعيين الأولين الذين يعتبرهم كارل ماركس الآباء الحقيقيين للمذهب المادي الحديث، وهم «تالیس» و«أنا كسیماندر» و «أنا كسيمين». يقول د. محمد غلاب من أهم الأدوار الفلسفية التي مثلت على مسرح الذهن البشري في بلاد الإغريق هو الدور الذي قام به الأيونييون فمنهم كان «تاليس» أول فيلسوف كما يقرر «أرسطو» ومنهم كان «أنا كسيماندر» أول من وضع بذرة النشوء والتطور الذي قال به «داروين» بعده بنحو خمسة وعشرين قرنًا، فنسبته «الديماجوجية: التهزيجية» العلمية إليه بغير حق ورفعته بسببه إلى ذروة المجد، و«أنا كسيما ندر» هذا هو أول القائلين بوجود «المبهم» أو «اللامتناهي»، وبالحركة الآتية إلى المادة من الخارج، تاريخ الفلسفة الإغريقية ط ١ ص ٢٥.

مراحل نشوئها

ما قبل داروين

أما في الفكر الغربي الحديث فإن القول بالتطور بمعنى التقدم والارتقاء من مرحلة دنيا ومستوى متخلف إلى مرحلة الحضارة الحديثة قد ظهر في كتابات عدد كبير من علماء «الأنثروبولوجيا» والثقافة والاجتماع قبل أن تظهر كتابات داروين بقرن كامل على الأقل أي منذ أواسط القرن الثامن عشر لأن كتاب «أصل الأنواع» لداروين ظهر عام ١٨٥٩. فقد ظهر القول بالتطور في كتاب «كنتاي» الأسس الميتافيزيقية للعلم الطبيعي عام ١٧٨٦، وفي حديث لابلاس عن الفرض السديمي ١٧٩٦ وفي كتابات «كوندورسيه» «١٧٤٣- ١٧٩٤» عن تقدم الروح الإنسانية عام ١٧٩٥ والذي تتبع فيها نمو وتطور الجنس البشري المستمرين خلال الزمن بل وفي كتابات سابقه «لدى موير توي» عن التطور البيولوجي، و«لجان جاك روسو» في كتابه «مقال في أصل وأسس اللا مساواة بين البشر» والذي تتبع فيه تطور الإنسان من الحالة الهمجية إلى مرحلة الحضارة الحديثة، وقد كان لكتابات كوند درسيه خاصة أثر كبير في كتابات كثير من العلماء الذين جاءوا من بعده في أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر وأكثرهم تأثرًا هو «الأنثروبولوجي» الألماني جوستاف كلم «١٨٠٢- ١٨٦٧» في كتابه تاريخ الثقافة عام ١٨٤٣ أي قبل كتاب داروین بستة عشر عامًا، والذي تحدث فيه عن تطور الحياة من البداءة الأولى إلى الاشتغال بتربية الحيوان والزراعة ثم اختراع الحروف الهجائية حتى وصل المجتمع الإنساني أخيرًا إلى عصر التنوير ومن الجدير بالذكر التنبيه إلى أن الفكر التطوري قد وجد تعبير القوى في كتابات «أوجست كونت» «۱۷۹۸- ١٨٥٧» وهو صاحب ديانة الإنسانية وصاحب قانون الحالات الثلاث التي يزعم أن البشرية قد مرت بها وهي اللاهوتية ثم الميتافيزيقية ثم الوضعية الحديثة والتي تتميز كما يقول بالتفكير العلمي كما وجد تعبيره القوي كذلك في تفكير «هربرت سبنسر» «١٨٢٠- ۱۹۰۳» والذي يعتبر المبدأ التطوري الأساس في كتابه المبادئ الأولية، وكان قانون التطور في نظره بمثابة القانون السامي لكل موجود.

...كان هذا كله قبل داروين، وقبل تقدم العلوم الطبيعية والبيولوجية، ونتيجة للردة إلى التراث الوثني الفلسفي الإغريقي كما بينا في مقالنا السابق، وكرفض لمبدأ الإله الخالق المدبر بصفة خاصة كما بينا ذلك أيضًا.

وقفة مع «أوجيست كونت» و هربرت أسبنسر:

وقبل أن نمضي إلى داروين وما بعده لا بد من وقفة مع كل من «كونت» و«أسبنسر» لأنهما مثلان صارخان على أن فلسفة التطور هي فلسفة إلحادية غير علمية سخرت في كثير من الأحيان لخدمة أهواء ومصالح ذاتية واجتماعية لا علاقة لها بالعلم.

«أوجيست كونت»

فقد جاء «كونت» بعد نجاح الثورة الفرنسية الإلحادية في تحطيم سلطة الكنيسة والنظام الملكي، وهي الثورة التي ترعرعت في البيئة الإلحادية البارسية التي سبقت الإشارة إليها في المقال السابق، هذه الثورة التي نشأت بتأثير نمو النزعة التحررية الإلحادية المشار إليها استهدفت إقامة نظام لا ديني طبيعي، وكانت في حاجة إلى من يرسي لها دعائم هذا النظام فجاء «كونت» استجابة لهذه الحاجة يبشر بفلسفة إصلاحية إلحادية تنقض أسس النظام الاجتماعي القديم الذي قام على أساس الدين والميتافيزيقا وتحل محله نظامًا طبيعيًا وضعيًا فدعا إلى تحطيم المسيحية بل والإسلام أيضًا فكان كونت بعمله هذا تعبيرًا دقيقًا عن تجاه الردة التي قادها المذهب الحسي التجريبي. وكان أخطر أثاره الدعوة إلى اعتبار الدين وكذلك الأخلاق إفرازًا اجتماعيًا وهي الفكرة التي ستكون إحدى الأسس الذي يرسي عليها علم الاجتماع الفرنسي دعائمه بعد ذلك.

«هربرت أسبنسر»:

أما «أسبنسر» فقد ظهر في الوقت الذي أصبحت فيه إنجلترا أكبر قوة استعمارية في العالم، وأصبح كبار الملاك الأقوياء في حاجة إلى فلسفة لتبرير مطامعهم الاستعمارية، فاستخدم «أسبنسر» فكرة التطور لبناء فلسفة تقوم بهذا التبرير، مناديًا من خلالها، وعلى أساس مما أسماه «قانون البقاء للأصلح» بحق الأقوياء في إبادة الضعفاء واستقلالهم، مطالبًا بأن تكون الحكومة أداة لتحقيق إرادة الأقوياء، لذا نراه يشن حملة على الحكومة وعلى الكنائس لأنها تساعد العمال الفقراء الذين يعملون كرقيق في مصانع الطبقة «الارستقراطية» لأن الإحسان كما يقول يتعارض مع القانون الطبيعي الذي يقضي ببناء الأصلح، كما دافع عن الاستعمار على أساس أن انتصار شعب على شعب إنما هو انتصار للأصلح على غير الأصلح.

داروين وما بعده:

لا عجب أن يأتي داروين بعد ذلك ليعطي بنظريته في تطور الأحياء دفعة هائلة لهذا الاتجاه المادي الإلحادي وفي عقل داروين خاصة يصطرع الموروثان المادي الطبيعي والكنسي المسيحي، فجده «آرازموس داروين» مادي ملحد له تجاه تطوري عبر عنه في كتابه «معبد الطبيعة» عام ۱۸۰۳، أما داروين الحفيد فقد درس اللاهوت بجامعة كمبردج على عزم أن يصبح قسيسًا قبل أن يغير تجاهه ويشترك في الرحلة التي قامت بها السفينة «بيجل» وهي الرحلة التي قادته إلى نظريته في تطور الأحياء وليس هنا مجال مناقشة النظرية أو مناقشة دعوى التطور وأدلتها لأن ذلك موضوع يطول ولا تتسع له هذه الصفحات المحدودة، إنما الذي يعنينا هنا أن النظرية قد استعملت كسلاح لمحاربة عقيدة الخلق، وأنها أدت إلى رفض قصة الخلق التي وردت في التوراة وما يتعلق بها من نزول آدم عليه السلام بعد خطيئته وتوبته فقد نظر إلى هذه القصة في ضوء نظرية التطور في الأحياء إلى أنها مجرد أسطورة، وقد يحلو البعض المدافعين عن داروين أن يقولوا أن داروين كان مؤمنًا بالله وأنه لم يقصد إلى محاربة الدين، بينما داروين نفسه يعترف في كتابه «حياة وخطابات» بأنه بدأ مؤمنًا وانتهى شاكًا.

وقد يحلو لبعض الملفقين عندنا كذلك أن يقولوا بأنه لا تعارض بين الخلق والتطور، وهذا القول لا قيمة له لأن التطور بين حين يتكلمون عن نشوء الأحياء يتكلمون عن العلل الذاتية ولا يتكلمون عن الخلق، وقصة الخلق التي وردت في التوراة وردت بعناصرها الأساسية في القرآن الكريم، وهي بالشكل الذي وردت به في القرآن تتعرض لنفس المطاعن التي طعن بها التطوريون على قصة الخلق في التوراة.

وقد يسرف بعض المؤمنين بالتطور عندنا في التلفيق فيردون المزاعم التي رددها التطوريون الغربيون للتوفيق بين قصة الخلق ونظرية التطور وهي المزاعم التي تقول بأن قصة الخلق في التوراة في تعبير رمزي عن التطور، فيكون وجود آدم في الجنة تعبيرًا رمزيًا عن بدء ممارسة الإنسان الأول للزراعة..!!

ونقول لهؤلاء الملفقين إن القصة وردت في القرآن الكريم، وإن التفسير الرمزي للقرآن مرفوض رفضًا قاطعًا من جميع المفسرين المعتبرين في تاريخ التفسير، وعلى ذلك فإنه ليس أمامهم إلا أن يقبلوا القصة كما هي وكما وردت في القرآن الكريم فيقبلون بذلك مبدأ في نشأة آدم ونشأة البشر يناقض مبدأ النشأة التطورية وهو مبدأ الخلق. وإما أن يرفضوا هذه القصة ويرفضوا معها القرآن والإيمان بالإله الخالق، ويذهبوا مع التطوريين إلى حيث يذهبون.

ترتيب التاريخ والمعرفة على أساس تطوري بعد داروين ولامارك:

وبعيدًا عن الدخول في جدل حول القيمة العلمية لنظرية التطور عند داروين وكذلك لامارك فإنه يمكن القول بأن هذه النظرية قد أعطت دفعة هائلة لفلسفة التطور مكنتها من إعادة تركيب التاريخ والمعرفة على أساس تطوري يقول: بأن كل ما يتعلق بالإنسان يبدأ وينتهي في هذا العالم وعلى أساس قوانينه الذاتية.

وقد سبق القول بأن فلسفة التطور قد ظهرت قبل داروين ولا مارك بأكثر من قرن قبل تقدم العلوم الطبيعية والحيوية «البيولوجية» وبسبب الردة إلى تراث أوروبا الوثني الفلسفي، لكن الذي لا شك فيه أن نظرية داروين قد حسمت التردد في التقدم النهائي في تجاه التطور ومضت على بقايا نفوذ الكنيسة في مجال المعرفة كما حطمت مذاهب العقليين والمثاليين، لقد كانت هذه النظرية بمثابة إعصار اكتسح في طريقه كل شيء لا بسبب ما تملكه من قيمة علمية. ولكن لأن تيار المذهب المادي الإلحادي قد قوي إلى الحد الذي لا يحسب حسابًا لأي تيار آخر وكان في انتظار التبرير العلمي الذي يطلق إعصاره المدمر من عقاله.

ولو لم يكن المذهب المادي قد وصل إلى هذا الحد من القوة لكانت الاعتراضات الخطيرة والتي جاءت نتيجة تقدم البحث في العلوم الطبيعية كفيلة بالقضاء على هذه النظرية... فلقد هوجمت مبادئ حتمية التقدم والانتفاء الطبيعي والصدقة والسلسلة التطورية وتوارث الصفات المكتسبة والطفرة أو الوثبة الفجائية وكما يقول بول موي: «وهكذا يواجه مذهب التطور عند داروين بعدم الاحتمال، فهل يعني هذا إخفاق مذهب التطور ذاته، هذا ما ظنه بعضهم. ولكن ينبغي لنا أن نميز بين نظرية التطور والمنهج التطوري، فالنظرية التطورية تتخبط اليوم في الصعاب التي أوضحناها فيبقى إذن المنهج التطوري» المنطق وفلسفة العلوم هـ ٢ ص ٣٥/ ٣٦. وهذا صحيح فالمنهج التطوري أو فلسفة التطور ماضية في طريقها رغم فشل النظرية لأن هذا المنهج وهذه الفلسفة إنما هي كما قلنا ردة من شعوب وثنية إلى ماضيها الفلسفي الوثني، والذي لم تعرف نفسها عبر تاريخها غيره...

والحقيقة أن عداء أوروبا لعقيدة الإله الخالق لا يرجع فقط إلى عجزها عن استيعابها، وإنما يرجع أساسًا إلى أنها الجزء الباقي من المسيحية على أصله الإسلامي الصحيح، والذي لم تستطع أن تطويه في إطار وثنيتها، لذلك فإن أوروبا وبحس عنصري تاريخي عميق، وبسبب كراهية ممزوجة بالاحتقار لكل ما هو شرقي خاصة إذا كان ذلك الشرقي مما يمت إلى الشرق العربي والذي كان زمنًا طويلًا عبر الإغريق والرومان جزء من مملكتها.

إن التوحيد الخالص والذي يتمثل في الإيمان بإله خالق مفارق لهذا العالم إنما هو في عقل وحس الأوروبي المتعصب جزء أساسي من تراث الساميين وعلامة مميزة لتفكيرهم وعقليتهم. هؤلاء الساميون الذين يكن هذا الأوروبي لهم عداوة ممتزجة باحتقار شديد، إذ هو لا يستطيع أن ينسى قط أنهم كانوا لأكثر من ألف عام رعاياه الممتهنين، وذلك سبب الاحتقار، كما لا ينسى قط أنهم تحت راية الإسلام قد حصروه داخل حدوده الأوروبية طويلًا، ثم اقتحموا هذه الحدود وتوغلوا في أحشائه كثيرًا وذلك سبب الكراهية وهذا الذي أقوله ليس استنتاجًا وإنما هو دراسات كتبوها وأفاضوا فيها، وقد عبر «أوليري» و«رینان» و«ليون جوتييه» عن هذا في كتب مترجمة إلى العربية.

يقول رينان: «إن عمل الجنس السامي... يظهر لنا بوضوح في التبشير بالتوحيد وتأسيسه.

إن التوحيد السامي هو نتيجة استعداد جنسي خاص.. إن الاستعداد الجنسي عندهم يشتمل على غريزة التوحيد.. إن الجنس السامي يكون طرازه الخاص من الدين على فكرة أن السمو والسلطان هما في يد سيد أوجد خلق السماء والأرض...» ليون جوتييه، المدخل لدراسة الفلسفة الإسلامية ص ٢٦/ ٢٧ ترجمة يوسف موسى.

وتأمل هذه الهوامش: ضع عربيًا وأوروبيًا في قدر واحد على النار ثمانية أيام، فإنك واجد بعد هذا مرق كل منهما منفصلًا عن مرق الآخر... مارشال بيجو إن العربي هو الطرف المقابل لنا دائمًا.. كابتن ديشو نفس المصدر.

..المهم أنه بعد داروين ولامارك انتعشت المدرسة الاجتماعية البيولوجية «لهربرت أسبنسر» والمدرسة الوضعية «لأوجيست كونت» وسيطرت فلسفة التطور على جميع ميادين البحث ووجهتها وجهة تطورية خالصة وظهرت عدة مدارس تفسر كل شيء بمبدأ التطور وأهم هذه المدارس هي:-

١- المدرسة المادية التاريخية بزعامة اليهودي الألماني «كارل ماركس» وهي المدرسة التي تعتبر المادية الجدلية هي الأساس في تفسير الكون والمجتمع، وتعتبر العامل الاقتصادي هو العامل الوحيد الذي يشكل شئون الاجتماع والسياسة والأخلاق والثقافة.

٢- المدرسة الجغرافية بزعامة «برون وميشليه» وتقوم على تفسير كل ما يحدث في المجتمع بأسباب جغرافية...

٣- المدرسة النفسية بزعامة «تاردو جوستاف لولون» وتفسر ظواهر المجتمع على أسس نفسية تقوم على التقليد والمحاكاة.

٤- مدرسة التحليل النفسي بزعامة «فرويد» وهي ترد الظواهر الاجتماعية إلى نزعات ودوافع نفسية.

٥- المدرسة الأثنولوجية بزعامة «تين وميشليه» وتفسر ظواهر الاجتماع على أساس الجنس والعرق.

٦- المدرسة الفرنسية لعلم الاجتماع بزعامة «دوركايم» وهي تطبق القوانين البيولوجية على الظواهر الاجتماعية، وتعامل المجتمع ككائن بيولوجي.

...وبعد فأين مكان الدين والأخلاق في هذا الترتيب...؟ ذلك هو ما يهمنا، وذلك هو موضوع حديثنا التالي بإذن الله.

الرابط المختصر :