الثلاثاء 28-مارس-1972
دراسة فكرية
المنهج الإسلامي بين الوسيلة والغاية
يكتبها أبو سمية
الحلقة السابعة الأخيرة
المنهج الإسلامي والحياة
ما أن يجيب الإسلام على البعدين الغيبيين من أبعاد قضية الوجود... حتى يتدرج مباشرة إلى البعد الوسط من إبعاد القضية وهو «الوجود الزمني المشاهد».
وفي هذه المرحلة يسوق الإسلام تشريعاته المختلفة لوضع الحياة الإنسانية في مركزها الصحيح ولتقليد الإنسان مهمته السامية على ظهر الأرض.
الفرد في الإسلام... كائن يساوي الحياة... والاعتداء على كرامة وإنسانية هذا الفرد تساوي الاعتداء على الجنس الإنساني کجنس ﴿مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾.
والإنسان -في الإسلام بطبيعته- حر ومتساو... وأكبر أعمال الإسلام هي تحقيق «طبيعية» الإنسان. فتقسيم الناس سواء بحكم اللون أو الجنس أو الطبقية الاجتماعية... إلى شرائح عملية مصطنعة زينها تطور التاريخ البشري بعيدا عن قانون الله...
... الاشتراك في الصلاة صفًا واحدًا، والاشتراك في «الصيام» والاشتراك في أركان الحـج المختلفة... الاشتراك في كل هذا وغيره... ليس إلا عملية إعادة للوضع الطبيعي للإنسان.
... وعندما يسير التاريخ البشري في مساره الصحيح فإنه -لكي يظل منسجمًا- يجب أن يحتفظ للإنسان بكل أبعاد وجوده الخاص...
العبادات في الإسلام وسيلة لا غاية، لكنها وسيلة ممتزجة بالغاية، وليس من حق إنسان مهما بلغ من ذكاء أن يخترع وسیلة أخرى لتحقيق اتصاله بالله أو لتنظيم علاقته بالناس، وقد تكتشف في بعض محاولتنا للاستـكشاف أسرارًا من أسرار العبادات، وقد يمر عمرنا القصير المحدود دون أن نكتشف أكثر هذه الأسرار وتأتي أجيال بعدنا تضيف إلى البناء بعض اللبنات لكنه يظل أبدًا قابلًا للفهم والكشف.
لكن مع ذلك كله ليس لنا أن نحجر على أوامر الله ونواهيه فأما استوعبها عقلنا المحدود، وأما قمنا برفضها... أجل ليس لنا هذا... ويكفي أن تكون منسجمًا مع الكليات الكبرى لتتواضع أمام قدرة الله، ولتترك للأجيال التي بعدك بعض العمل ولتؤمن بأن حركة التاريخ البشري لا تقف عند عقلك.
والعبادات في الإسلام لون من المعاملة... وهي في جانبها الأكبر معاملة مع الخالق... لكنها في الوقت نفسه تمهید هام وخطير للتعامل مع الناس ومع الكون المحيط به.
وفي الإسلام «معاملات» ذات طابع خاص يميزها عن تشريعات البشر، إنها معاملات تشبه العبادات إلى حد كبير... ولئن كانت العبـادات -كما ذكرنا- تعاملا مع الله... فإن المعاملات في الإسلام -عبادة مع الناس- عبادة في الزراعة والصناعة والتجارة... وفي كل ما يدور في حياة الناس من تعامل حياتي.
نريد أن نصل إلى الأساس الذي يمتاز به الإسلام عن غيره. إنه الأساس الديني للحياة... هذا الأساس الذي يمكن أن يتحقق للتاريخ الإنساني مستواه الإنساني الجدير به إلا بوجوده وبتحقيقه في واقع الناس...
بهذا الأساس -المنبثق من الإسلام- عبادات ومعاملات يمكننا أن ننظر إلى قضية الوجود في كل مجالاتها...
ننظر إلى النفس البشرية ومدى تكاملها أو انقسامها... وننظر إلى حركة التاريخ ونشوء الحضارات وانحلالها... وننظر إلى فترات الحروب المدمرة وفترات السلام والرخاء...
وفي كل ذلك ومنه سوف نكتشف أن وجود هذا الأساس في الحضارة هو أكبر عامل للبناء فيها وأن فقدانه يعكس كل أسباب الأزمات الأرضية... سواء في ظهور الحروب المدمرة الجماعية أو في حركات التشاؤم والزهد والانغماس في ملذات الحياة والهروب من الواقع... وغيرها من الأزمات الفردية .
فمن كل هذا وغيره سوف نستنتج أن هذا الأساس هو المحرك لكيان الحياة، والمنظم له، والمحقق لإنسانية الإنسان فيه
لا يقف الإسلام عند إعطائه الحياة الإنسانية الطعم الديني باعتبار الحياة انبثاقه من قوة قادرة مهيمنة، بل إنه يهتم بتحقيق هدف آخر هو إنسانية الإنسان.
ولعل الإسلام من بين كل المذاهب والأديان هو الدين الوحيد الذي حاول أن يعالج قضية الوجود الإنساني على أساس إمكانيات الإنسان التي فطره الله عليها... فمنذ البداية .
﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ﴾ (البقرة: 286)، ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (الملك: 14) فليس في الإسلام تعميق لاستشراف واحد على أفق من آفاق الحياة، بل ثمة جمع لكل الآفاق التي يمكن أن يتطلع إليها كيان الإنسان... فللجسد حقه، وللروح حقها وللضمير حقه وللعقل حقه، وللفرد -بكل جوانبه- حقه وللمجموع الذي يشتبك به الفرد حقه... وللوجود الإنساني حقه كذلك.
وتتجلى عظمة الإسلام -ليس في أنه يعترف بالحقوق الكاملة لكل هذه الجوانب فحسب، بل في أنه يحدث بنجاح كامل- انسجاما وتوازيا بينها، بحيث تبدو وكأنها وحدة متكاملة... بل وكأنها شيء واحد لا يمكن الفصل بین جوانبه التي يستعمل في التعبير عنها أسماء مختلفة.
إن كلمة «إسلام» باعتبار رصيدها التاريخي قد ترتبط في الأذهان بكلمة «دين» ذات الدولة اللاهوتية المعروفة... وقد تتطور دلالة هذه الكلمة في عقلية بعض ذوي العلم فيربطون بينها وبين الإضافة الحضارية التي قدمها الإسلام للمسيرة البشرية... لكن يبقى «الإسلام» بعد هذا كله في حاجة إلى مزيد ووضوح... ذلك أن الإسلام -في حقيقته- «بناء تام الصنعة وكل أجزائه قد صيغت ليتمم بعضها بعضًا ويشد بعضها بعضًا، فليس هنالك شيء لا حاجة إليه، وليس هناك نقص في شيء»
إنك لا تستطيع أن تضع للإسلام تعريفًا محددًا -من وجهة نظر تجريدية- وإن كلمة «استسلام» التي روج لها كثير من العلماء الذين يعتمدون على التحليل اللغوي كتعريف، للإسلام...
هذه الكلمة ليست إلا نظرة جانبية للإسلام... وإنها لتتجاهل جوانب إیجابية لا يمكن فصلها عن الإسلام الشامل... ولئن كان الإسلام «استسلامًا» فيما يتعلق بالتعامل بعلاقة الإنسان بالله، فإنه «ثورة» فيما يتعلق بالتعامل مع الكون المحيط بالإنسان.
ولكي نعطي الإسلام عبارة تدل عليه دلالة صادقة فإننا يجب أن نتخير عبادة تجمع بين دلالة هاتين الكلمتين «استسلام وثورة»...
إن عمل الإسلام الحقيقي... ليس في أنه يرفع ذلك الشعار الذي ترفعه كل القوانين الوضعية وهو كلمة «لا» ثم يضع العقوبات الملائمة لتحقيق هذا الشعار... بينما يتجاهل -كما تتجاهل هذه القوانين الرصيد الذي تحققه في الحياة كلمة «نعم»...!!
وبهذا تبدو الحياة سلبًا فقط... ولا يظهر على شاشة الأحداث إلا هؤلاء الذين يسقطون في هاوية «لا»!!
ولتحقيق وضوح ملائم في هذه الناحية... نذكر أن الناس لا يتعاملون مع القانون الوضعي إلا إذا خالفوه... فهم إذا التزموا به، فلـم يسرقوا ولم يقتلوا ولم يهملوا في أعمالهم وارتباطاتهم الاجتماعية والخلقية التي يتواضع عليها هذا القانون.
أقول: إن البشر إذا فعلوا هذا فان القانون لا يجازيهم خيرًا ولا شرًا... ويعيشون ويموتون دون أدنى تعامل مع هذا القانون...
لكن الإسلام لا يتعامل مع الحياة على هذا النحو السلبي، إن الإسلام يعيش مع الناس لحظة بلحظة... فكل شيء في الحياة يمكن أن يكون خيرًا أو شرًا... حتى طعامك... إن أكلته فذاك خير وإن امتنعت عنه فذاك انتحار والانتحار شر، وهذا الطعام.
إن كان حلالًا فهو خير وإن كان حرامًا فهو شر، وهذه الطاقة التي يخلفها الطعام إن صرفت في وجهها فهو خير وإن صرفت في غير وجهها فهو شر... وتستطيع أن تنظر إلى الحياة كلها منطلقًا من زاويتي الخير والشر،... ولا توجد مرحلة وسط بينهما... فقط يجب أن تكون واعيًا بطبيعة أي عمل تقوم به، وأن تتجه بهذا العمل إلى الله، وأن تعتقد بأنك تؤديه لتحقيق غاية سامية... وفي هذا الإطار سوف تتقاضى جزءًا مقابلًا لكل أعمالك... لتناولك الطعام ولكسبه ولتعاملك مع بيتك من زوجه وأولاد... ولزراعتك وتجارتك وصناعتك... وفي علاقاتك بالمجتمع وغير ذلك!
أرأیت إذن إلى أن الإسلام لا يحترم كلمة «لا» في الحياة فحسب وإنما يحترم معها وبنفس القدر من الاهتمام كلمة «نعم» وإنه يجمعهما معًا في تناسق وانسجام!!.
وهل عرفت أن الإسلام ليس «مجرد عقوبات» تروع الناس، وإنما هو قبل ذلك «جوانب ومكافآت» تجذب الناس وتدفعهم إلى طريق الخير!!
على أن للأمر جانبًا آخر هامًا... هو أن هذا القانون الوضعي... لا يتعامل إلا مع أنه لا يعرف شيئًا عن أعماق الإنسان ومشاعره... وبالتالي لا يستطيع التعامل معه على هذا المستوى.
الفقير الصابر... والمظلوم الذي لا حيلة له... والمحب الشريف العاجز... والذي يريد صنع المعروف ولا يقدر عليه... والذي يقاوم عوامل الإثم في نفسه. والذي تفیض نفسه نحو الناس بمشاعر العطف والرحمة وإن لم يستطع الإسهام بشيء ذي بال...
والبريء الذي اجتمعت ظروف مادية على إدانته... والشهداء الذين لم يحققوا أهدافهم في الدنيا... کل هؤلاء وغيرهم... يستطيعون التعامل مع قانون الإسلام... وإن لهم -حسب قانون الإسلام- أجرًا كبيرًا... يزيد عن أجر ذلك الذي يعطي الناس ويستذلهم بعطائه أو يعطي لمحض تدعيم شخصيته في المجتمع...
إن ثمة فروقًا جوهرية بين الإسلام وبين ما عرف الناس من قوانين أرضية محدودة.
هذه حقيقة لا بد من إعطائها حقها عند الرغبة النزيهة في التعرف على الإسلام.
هذا، وعلى الله قصد السبيل .
أبو سمية
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل