; دراسة عن حاضر العالم الإسلامي (المقال الرابع) | مجلة المجتمع

العنوان دراسة عن حاضر العالم الإسلامي (المقال الرابع)

الكاتب الدكتور علي جريشة

تاريخ النشر الثلاثاء 15-مايو-1979

مشاهدات 67

نشر في العدد 445

نشر في الصفحة 32

الثلاثاء 15-مايو-1979

  • الفكر الغربي الصليبي في الشرق الإسلامي
  • لماذا التربية القومية بدلاً من التربية الإسلامية؟
  • من وراء تصدير فكر سارتر إلى الشرق الأوسط؟

لا جرم أن انتشار الإسلام قد هدد نفوذ المسيحية، بل بدد سلطانها في كثير من الأماكن، وتساقطت الإمبراطورية الرومانية أمام الزحف الإسلامي، وسقطت القسطنطينية ومن بعدها معاقل كثيرة حتى طرقت جيوش الفتح الإسلامي أبواب فيينا في قلب روما، وحمل ذلك الغرب على الحقد على الإسلام، وأججت اليهودية ومؤسساتها ونواديها نار الحقد بين النصارى والمسلمين، حتى اندلعت الحروب الصليبية.

وبدأ مع الحروب الصليبية الغزو الفكري الصليبي للشرق الإسلامي

فقام المستشرقون بحملات التشكيك في العقيدة الإسلامية وفي المصادر الإسلامية الأولى القرآن والسنة، زاعمين أنها من وضع محمد عليه الصلاة والسلام.. فعلوا ذلك إما عن سوء نية نيلًا من الإسلام، أو عن جهل بالإسلام راجع إلى عدم القدرة على فهم لغة القرآن واستيعاب مصطلحات العلوم الشرعية.

ونشرت كتب المستشرقين في الشرق الإسلامي مترجمة، وحملها تلاميذهم الذين تلقوا على أيديهم السموم في أوروبا خلال البعثات التعليمية. حملوها في عقولهم لينقلوها إلى الشرق الإسلامي على أنها حقائق علمية يضمنونها محاضراتهم وكتبهم وأحاديثهم!

وحمل التبشير بعد الاستشراق ومع الاستشراق سموم الحقد على الإسلام ليحاول كذلك تشكيك المسلمين في عقائدهم هدمًا لها، ونقلًا لأصحابها من الإسلام إلى المسيحية، ثم في مرحلة متأخرة إخراجًا للمسلمين من الإسلام دون إدخالهم إلى المسيحية فهو يؤدي نفس النتيجة المرجوة.

وفي المرحلة الأخيرة يتهذب الإخراج من الإسلام إلى الإبعاد عن الإسلام، ثم يتهذب الأخير تحت أسماء (التمدين) و (التحضر) و (التغيير الاجتماعي) و (التحديث)،

ولئن كانت الصيغة التي يمارسها الفكر الصليبي الآن في منطقة الإسلام تهذب وتنعم وتتستر بشعارات عديدة تحمل معاني التحضر والتمدن والتغيير الاجتماعي فإن ذلك هو الأغلب الأعم.

لكن ذلك لم يمنع من استمرار ممارسة التبشير كإخراج من الإسلام وإدخال إلى المسيحية، ولا تزال مناطق إسلامية تعاني ضراوة التبشير، الذي يتخذ أسلحة العلم كلها مسخرة في خدمة تحطيم العقيدة الإسلامية ونقل المسلمين إلى النصرانية. كما يستخدم فيها أسلحة المال يجري بغير حساب.. إغراء لضعاف النفوس واستغلالًا للفقر والفاقة التي منيت بها بعض مناطق المسلمين. ومأساة الإسلام في إندونيسيا أعظم من أن يشار إليها بهذه الكلمات؛ فقد تمكنت الصليبية باستخدام وسائل التبشير المختلفة معضدة بسلاح المال من أن يرتد عن الإسلام عشرة ملايين مسلم! كذلك وعلى ما سنشير فإن أنظمة الحكم القائمة في أكثر البلاد الإسلامية متواطئة مع الصهيونية الصليبية في حلفها الجديد، تسخر أجهزة الحكم- ثمنًا لما تجلس عليه من كراسي- لخدمة أغراض التهويد والتنصير.. أو للتمهيد لهما.

كذلك فإن الجيوش الوطنية تقوم بدور الحارس لتلك الأنظمة فيما تنفذ من أغراض، من بينها التهويد والتنصير أو التمهيد لهما، وتحل بذلك محل جيوش الاحتلال التي كانت تؤدي نفس الدور، وإن كان أكثر علانية وأكثر تنفيرًا، ومن هنا ندرك إصرار الكتل الدولية على تقوية جيوش أكثر الدول الإسلامية، التي لا تعمل للإسلام.

وفي مجال الحديث عن الغزو الحديث للفكر الصليبي للمنطقة الإسلامية يكفي أن نشير إلى :

  1. انتشار الفكر العلماني

وهو صناعة في الأصل يهودية، قضت على نفوذ الكنيسة في أوربا، واستغلت فيه الماسونية المتغلغلة في الأوساط الفكرية طغيان الكنيسة وبطشها لتودي بسلطانها؛ فرفعت شعار العلمانية تحت شعار  (ما لقيصر لقيصر وما لله لله)، لتجعل سلطان الكنيسة داخل جدرانها لا يغادرها إلى المجتمع أو الدولة، وهو ما سُمي بفصل الدين عن الدولة، وهو ما عبرت عنه الثورة الفرنسية تعبيرًا دمويًّا حين نادت) اشنقوا آخر ملك بأمعاء آخر قسيس).

وتصدر الصليبية بعد ذلك هذا الفكر إلي المنطقة الإسلامية من خلال الكتاب، ومن خلال عقول الأساتذة الذين يتخرجون في جامعات الغرب المسيحي، وينالون أعلى شهاداته، ولم يكن للمسجد في الإسلام ما كان من الكنيسة في النصرانية، فلم يصادر حريات الناس ولا اعتدى على عقولهم ولا زعم لنفسه حق (الغفران) أو حق (الحرمان)، وما انزلق علماؤه ورجاله إلي ما انزلق إليه رجال الكنيسة من تحلل وفسق وفجور.

ولا قام في تاريخ المسجد ما قام في تاريخ الكنيسة من استغلال لها في المجال السياسي بلغ حد إقامة محاكم التفتيش لمحاكمة الضمائر والقلوب. 

ومن أسف أن نقرر أن من بأيديهم أمر الفكر بل والحكم في أكثر بلادنا الإسلامية يدينون بالعلمانية ويدينونلها.. ويحرصون على كل مظهر يؤيدها ويؤكدها ويبعد عنهم شبهة (الرجعية) و (التدين).

ومن أسف كذلك أن ينتقل الفكر العلماني ليصير دستور العمل، ومنهج الحكم ومنطلق الحديث- بغير حياء ولا خجل- ممن يحملون أسماء إسلامية، وأن يصير العلمانيون من رجال الفكر والحكم هم (النجوم) و (الأبطال)، الذين يجري نسج القصص عن بطولتهم ويسلط الضوء عليهم.. ليكونوا قدوة للجيل القائم من الشباب ومن بعده من الأجيال القادمة.

ومن هنا ندرك لما ارتفع ذكر (مصطفی کمال أتاتورك) حتى صار البعض يعلن حتى اليوم أنه مثله الأعلى.

ولما ارتفع ذكر (طه حسين) حتى صار في نظر البعض فلتة لم يجد الزمن بمثلها، رغم فكره العلماني الواضح والمتأثر بأساتذته من اليهود والماسون.. ورغم وجود من كان يستحق لقب عميد الأدب العربي في زمنه من أمثال (مصطفى صادق الرافعي) وعباس محمود العقاد! وقد ارتفع ذكر خلفاء مصطفی کمال أتاتورك في بلاد إسلامية أخرى رغم علمنتهم الواضحة، بل رغم خياناتهم الثابتة التي لا تقل عن خيانة مصطفى كمال أتاتورك !

كل هذا ندركه- أو ينبغي أن ندركه- لندرك مدى تغلغل الفكر الصليبي في شرقنا الإسلامي.

۲- انتشار الفكر القومي

ما كانت القومية بالمعيار الإسلامي إلا دعوة إلي عصبية قال فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم «دعوها فإنها منتنة»، لكن حين أريد الكيد للإسلام والقضاء على دولته التي تتجمع تحت العقيدة الإسلامية جرت الجمعيات السرية على الدعوة إلي القومية وإثارة نعرتها في كثير من البلاد.

فتشكلت داخل دول الغرب الصليبي الجمعيات السرية التي تدعو إلي القومية أو تنادي بها، وراحت تحيك المؤامرات للإطاحة بدولة الخلافة وبنظام الحكم الإسلامي- أيًّا كان ضعفه ودرجة تمسكه- وقامت على الفكر القومي جماعات وأحزاب لا تزال حتى اليوم تمسك بزمام الحكم والفكر، بعد أن نجحت مع أعداء الإسلام في أسقاط دولة الخلافة الإسلامية، ولا يكتفي الفكر القومي بغزو العقول والقلوب عن طريق وسائل الإعلام المختلفة من صحافة وإذاعة وتلفاز وكتب ونشرات، بل إنه يجاوز ذلك ليكون منهجًا من مناهج التعليم في مدارسنا وجامعاتنا.. ويجد الحماية من أنظمة الحكم القائمة على نفس الفكر والمرتكنة إلي نفس المصدر.

وفي بلاد إسلامية تحرص على إسلامية تعليمها، تحرص مراكز القوى المتعاونة أو المتجاوبة مع الفكر الصليبي على إدخال مادة التربية القومية بديلًا عن مادة الثقافة الإسلامية أو بعض دروس الدين الإسلامي.

ولم يعد خافيًا على كل ذي لب أن المصدر للفكر القومي هو الصليبية (المتعاونة مع الصهيونية)؛فنشأ هذا الفكر- متآمرًا- كان في البلاد الصليبية.

وصلته كذلك- متآمرًا- في صورة الأحزاب القومية، ولا تزال كذلك بالبلاد الصليبية. ودوره كذلك- متآمرًا- على الخلافة الإسلامية ومن بعد ذلك على فكر الجامعة الإسلامية كان مع الصليبية المتعاونة مع الصهيونية.

3- انتشار الفكر الوجودي وما يتبعه:

لا جرم أن فكر سارتر اليهودي وخليلته- لا حليلته- سيمون دي بوفوار- قد جاوز- عن عمد- حدود بلاده ليصدر إلى الشرق الإسلامي.

ولا يحتاج الأمر الى كبير جهد لندرك أن الفكر الوجودي بما يحمل معه من تحلل من كل القيود، وبما يفرز بعد ذلك من «خنافس وهيبز » وغير ذلك من الأصناف، كل ذلك إنما قامت على تصديره إلى وطن الإسلام الصليبية المتآمرة مع الصهيونية، قضاء على روح الإسلام، وامتصاصًا لها من قلوب شباب المسلمين، وشغلًا لهم بالغريزة وإغراقًا لهم في حمأتها الوبيئة.. ومن ثم إبعادًا لهم عن الإسلام وذروة سنامه الجهاد؛ فالقلب الذي تشتعل فيه الغريزة ويلتهب فيه أوارها لا يمكن أن يفكرفي الجهاد ولا أن ينشغل به.

وإشعال نار الغريزة وسعارها لم يقتصر على الشباب من الذكور بل امتد إلى الجنسين، وساعد على ذلك :

أ- وسائل الإعلام المختلفة :

من إذاعة صوتية أو مرئية ومن سينما وصحافة وكتب وقصص.. تلف وتدور حول قصص الجنس، بل وتعرض في أفلام بالصوت والصورة أداء العملية الجنسية.. بل وصورها الشاذة كذلك.

ب- التوسع في تعليم البنات وتوظيفهن :

مما أعطى فرصة واسعة أمام الفتاة المسلمة لتبعد عن الرقابة، كما أعطاها الفرصة الواسعة للخلوة واللقاء. وليس ذلك اعتراضًا على التعليم في حد ذاته، ولكنه اعتراض على الانحراف بغايته.

ج- الاختلاط:

وكان قمة ما وصل إليه الفكر المنحل في شرقنا الإسلامي إشاعة الاختلاط في مجال الوظيفة، وقبلها في الجامعة.. ثم ما يزال يهبط به حتى جعله في المدارس الابتدائية والمتوسطة وأحيانًا الثانوية، وهي قمة سن المراهقة الخطير.

وغلفوا ذلك بنظريات علم النفس المصدرة من الغرب الصليبي، وكانت قمة الإطاحة بالقيم أن يكون في بعضالمدارس الثانوية للبنين مدرسات في سن الشباب تهدر معهن كرامة القدوة وكرامة العلم في أكثر الأحيان.

كل ذلك وغيره يجري في شرقنا الإسلامي، ويجري السماح له من أكثر الأنظمة الحاكمة، ويجاوز الأمر حد السماح إلى حد التشجيع والحماية، في الوقت الذي لا يجد الفكر الإسلامي الأصيل نفس الفرص التي تتاح للفكر الصليبي.

ولا أقصد بذلك التشجيع له والحماية كما يجري للغزو الصليبي المستورد، بل أقصد مجرد السماح.

إن العقبات والتضييق توضع أمام الفكر الإسلامي الأصيل، ويجاوز الأمر حد التضييق أن يتخذ الصد عن سبيل الله صورة الفتنة والإرهاب؛ مما يردُّ الفكر الإسلامي الأصيل حبيسًا في الصدور، أو قد يتبخر أمام قسوة الفتنة والإرهاب من داخل الصدور الضعيفة، يشكو إلى الله غربته في داره وبين أبنائه.

وتجري مع ذلك محاولات (تمييع) الفكر الإسلامي أو (تهويده) و (تنصيره) أو التقريب بينه وبين الفكر اليهودي أو النصراني، مع ما يحمله الآخر من انحراف وتحريف، وما يحمله- الآن- من عداء سافر أو خفي للإسلام.

ويجري تشجيع مثل هذه الاتجاهات وحمايتها، وترويجها عن طريق المؤتمرات ووسائل الإعلام المختلفة.. باسم التقارب بين الأديان، أو باسم الوحدة الوطنية أو غيرها من الشعارات.

تلك كانت كلمات مختصرة عن الغزو الفكري الصليبي للشرق الإسلامي، لكنها بفضل الله تحمل الحق، وتحمل النذير.

 اللهم قد بلغت.. اللهم فاشهد. 

 يتبع المقال الخامس

الرابط المختصر :