العنوان دراسة حول تأثير اللغة العربية في اللغة الألبانية
الكاتب بكر إسماعيل
تاريخ النشر الثلاثاء 06-أكتوبر-1998
مشاهدات 74
نشر في العدد 1320
نشر في الصفحة 54
الثلاثاء 06-أكتوبر-1998
يؤكد التاريخ القديم أن الشعب الألباني كان أول الشعوب التي استوطنت البلقان، ويرى بعض المؤرخين أنه لا يعرف بالضبط بداية نزوح الشعب الألباني إلى هذه المنطقة.
فيما يتعلق بالألبانيين الحاليين نجد أن الرأي السائد حاليًا في أوساط العلماء يسلم بانحدار الألبانيين مباشرة من الإليريين القدماء ANS -ILLYRI
وأما عن أصل اللغة الألبانية فتنتمي إلى الفصيلة الهندية- الأوروبية، وللغة الألبانية لهجات متعددة وأشهرها: لهجة «غفا» GEGA، ولهجة «توسكا» TOSKA، وتعتبر اللغة الألبانية الفصحى مزيجًا من اللهجتين، وهي المستعملة اليوم عند جميع المتكلمين باللغة الألبانية.
وهي اللغة العلمية الأدبية في الوقت الحاضر، ولا نقصد بذلك أن اللهجتين اندثرتا، بعد أن أصبحت اللغة الفصحى مزيجًا منهما.
وقد ظهر تأثر اللغة الألبانية باللغة العربية بعد ظهور العثمانيين، ووجودهم في البلقان عقب انتصارهم في معركة «كوسوفا» سنة ۱۳۸۹م، وبدأ الإسلام ينتشر بين الألبانيين الذين حاربوا العثمانيين في هذه المعركة وهم نصارى، إلا أنه خلال ثلاثة عقود، دخل في الإسلام أكثر من ٩٠٪ من الألبانيين، ومع ذلك كانت إدارتهم السابقة هي التي تدير شؤونهم بموافقة الدولة العثمانية، وفي هذه المدة توثقت الصلات بينهم وبين العثمانيين، فألغوا حكومتهم، واندمجوا في المجتمع العثماني، وخدموا الدولة العثمانية خدمة كبرى سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا وثقافيًا، حتى تولى منصب الصدارة العظمى -أي رئاسة الوزارة- أكثر من ثلاثين ألبانيًا، وكثير منهم تزوج من أميرات الخلفاء العثمانيين، وآخر صدر أعظم في الخلافة العثمانية كان ألبانيًا، ومتزوجًا من أميرة من أميرات بيت الخلافة وهو المشهور بـ «الداماد فرید باشا» والداماد في اللغة التركية بمعنى الصهر، أما من تولى منهم الوزارات وقيادات الجيوش، فعددهم لا يحصى، وكثير منهم تولى مناصب الولاة واصطلح العثمانيون على إطلاق لفظ « أرناؤوط» على الألبانيين، وبلاد الأرناؤوط على المناطق الألبانية كلها في البلقان.
أثر اللغة العربية على المفردات الألبانية:
فيما يتعلق بالمؤثرات العربية في المفردات الألبانية نجد أن المفردات العربية بدأت في الانتشار في صفوف الألبانيين في وقت مبكر، منذ القرن الخامس عشر على الأقل، وفي هذا الاتجاه، يبدو أن أول كلمة عربية دخلت في صفوف الألبانيين كانت كلمة خراج Harag إنها وردت في رسالة من الزعيم الألباني إسكندر بك Skengerbeu إلى الفونس الرابع ملك نابولي سنة ١٤٥١م، وتدل هذه الكلمة على أن المفردات العربية الأولى التي دخلت إلى اللغة الألبانية كانت تتصل بالمجال العسكري.
فمن هذا المجال، اكتسبت اللغة الألبانية بعض المفردات العربية الأخرى مثل عسكر Asker وقلعة Kala شهید Shehit، میدان Medan، قاتل Katil، طابور Tabur.
وفي مجال الإدارة تجد كلمات مثل: إدارة Idara، سلطان Sultan، وزير Vezir، نظام Nizam، حكومة Hyqumet، حكم Hyqem، قاضي Kade، محكمة Mehkemet، كاتب Qatib، وثيقة Vethika، ملك Meliki.
وفي مجال المنشآت نجد كلمات مثل المسجد Mesxhid، الجامع Xhami، الحمام Hamam. العمارة Imaret، الدكان Dyqan، المدرسة Medrese، المكان Meqan.
وفي مجال التعليم نجد كلمات مثل: المدير Mydir، المعلم Mualim، الطلبة Taleb، كتاب Qitab، الدفتر Defter، الدرس Ders، الحرف Harfun، القلم Kalem، بالإضافة إلى أسماء المواد التي كانت تدرس كالحديث Hadith، والعقائد Akaid، والفقه Fikh، والوعظ Vaiz، والفرائض Faraiz، إلخ
وفي مجال الاقتصاد نجد كلمات مثل الفائدة Fajde، الحساب Hesap، الآلة Alet، السجادة Sexhade إلخ، بالإضافة إلى الملابس العربية كالجبة Xhybe، والطاقية Takije
وفي مجال الدين نجد كلمات مثل: الله Allah، الدين Din، إمام Imam، مؤذن Muezin، جنة Xhenet، فرض Farz، سنة Syn- et جهنم Xhehenem، أخرة Ahiret، حق Hak، راحة -Ra hat إطاعة Itat، حلال Halal، حرام Haram، أمان Emanet.
وفي مجال التحيات نجد كلمات مثل: مرحبًا Ma rhaba، السلام عليكم Selamalekum، وعليكم السلام Alejqumselam.
ومع هذه الموجة الكبيرة جاءت المفردات لتغني اللغة الألبانية في مجالات شتى سواء فيما يتعلق بالمعاني المحسوسة أو غير المحسوسة، ويبدو هذا بوضوح فيما لو تناولنا أي حرف من حروف اللغة الألبانية، ففي حرف الياء، على سبيل المثال، نجد حوالي مائة مفرد، بينما نجد في حرف الميم حوالي ٢٠٠ من مختلف المجالات.
أثر اللغة العربية في الأبجدية الألبانية:
تاريخ الأبجدية الألبانية من أصعب الأمور، حيث وصل عدد الأبجديات المستخدمة في اللغة الألبانية حتى في أواخر القرن التاسع عشر إلى سبع عشرة أبجدية تستخدم الحروف اللاتينية واليونانية والعربية، إلخ، وكاد يؤدي هذا التقسيم بين الألبان إلى نتائج وخيمة لو لم يتم مؤتمر مناستير سنة ۱۹۰۸م، الذي حسم بصورة نهائية مسألة اختيار أبجدية موحدة لجميع الألبان.
في بادئ الأمر، كانت اللغة الألبانية تكتب بأبجدية لاتينية، ومع انتشار الإسلام في صفوف الألبان الذي وصل إلى ذروته في القرن السابع عشر، حين أصبحت غالبية الألبانيين مسلمين في إطار الدين الجديد، حدث تراجع كبير في الكتابة سواء بالأبجدية اليونانية أو بالأبجدية الكاثوليكية، وكان من الطبيعي أن يؤدي تعمق الدين الإسلامي وتشرب الألبانيين للثقافة العربية الإسلامية إلى بروز اتجاه جديد في الكتابة في الشكل والمضمون، وقد بدأت هذه المسيرة ببطء منذ القرن الخامس عشر، ثم اشتدت في القرن السادس عشر إلى أن طغت في القرن السابع عشر، حين أخذ الألبانيون في تمثل الثقافة العربية والإسلامية، وفي المشاركة في هذه الثقافة، التي أصبحوا جزءًا منها، وفي هذا الاتجاه لم يكن من المستغرب أن يتحول المثقفون الألبانيون إلى الكتابة في اللغة الألبانية بالحروف العربية.
وقد أدى هذا التحول الجديد لدى الألبانيين إلى بروز واستمرار ثلاث أبجديات أساسية للغة الألبانية، حيث إن الأقلية الأرثوذكسية في الجنوب بقيت على ولائها للأبجدية اليونانية، بينما الأقلية الكاثوليكية في الشمال استمرت على تقاليدها في الكتابة بالحروف اللاتينية، في حين تحولت الغالبية المسلمة إلى الحروف العربية، وإلى الكتابة من اليمين إلى اليسار، ومن الملاحظ في القرن التاسع عشر أن الكتابة الألبانية بالحروف العربية بلغت اقصى انتشار لها، سواء من حيث الامتداد الجغرافي أو من حيث اتساع دائرة المواضع.
قصة أول أبجدية بالحروف العربية:
ولما بدأ الانتشار والامتداد للكتابة الألبانية بالحروف العربية، بقيت هذه الكتابات دون نظام أبجدي موحد يعتمد عليه الجميع، مما كان يؤدي إلى بروز اختلافات في بعض الحروف، وهذا دفع بعض المثقفين إلى وضع نظام أبجدية للغة الألبانية التي كانت تكتب بالحروف العربية، وفي هذا الاتجاه قام الشاعر «شميمي شكودر» بأول محاولة لتحديد أبجدية للغة الألبانية على أساس الحروف العربية.
وتقوم هذه الأبجدية التي وضعها هذا الشاعر على خمسة وأربعين حرفًا، أما الأبجدية الحالية للغة الألبانية فتعتمد على ستة وثلاثين حرفًا فقط، وبعد هذه المحاولة اهتم شاعر آخر هو داود بوريشي بهذا الموضوع ونشر في إسطنبول سنة ١٨٦١ أول كتاب أبجدي للغة الألبانية بالأبجدية العربية.
وفي هذا الاتجاه لدينا ما يشير إلى أبجدية هوجا تحسين، إن هذه الأبجدية للأسف لم تصل إلى أيدينا مع أن تاريخها يعود إلى سنة ١٨٧٧م.
وفي سنة ۱۸۷۹م، وضع العالم والشاعر علي أولشيناكو أبجدية عربية أخرى للغة الألبانية، وقد استمر وضع الأبجديات العربية للغة الألبانية والكتابة بها في أماكن مختلفة.
وفي مطلع القرن العشرين، ازداد الاهتمام للوصول إلى أبجدية عربية حاسمة ونهائية للأبجدية الألبانية، وذلك في ظل الصراع السياسي الذي أخذ يدور حول موضوع الاتفاق على أبجدية واحدة للغة الألبانية، وكان ممن تحمسوا لهذا الغرض الكاتب رجب فوكا، مفتي مدينة مناستير، في ذلك الحين، الذي كان يعتبر من أفضل علماء عصره، وقد صدرت أبجدية فوكا في كتاب أبجدي صغير سنة ۱۹۱۰م، اشتمل على أبجديته المؤلفة من أربعة وأربعين حرفًا، وكانت هذه الأبجدية من أفضل الأبجديات العربية للغة الألبانية، إلا أن الملاحظة الأساسية على هذه الأبجدية تبقى حول عدد حروفها الكبير «٤٤ حرفًا»، في الوقت الذي كانت الأبجدية اللاتينية المنافسة لها تقوم على ٣٦ حرفًا.
المؤامرة على الأبجدية العربية:
كان التنافس بين الأبجديتين العربية واللاتينية يدور في ظروف غير متكافئة في الساحة الألبانية، نظرًا لأن الأبجدية العربية حتى مطلع القرن العشرين كانت تفتقد إلى دعم قوة ما من الخارج، بينما كانت الأبجدية اللاتينية تحظى بدعم عدة قوى خارجية «الفاتيكان، النمسا وإيطاليا»، التي كانت تمول طبع ونشر الكتب الألبانية في هذه الأبجدية، وفي الواقع، كان هذا الاهتمام بدعم ونشر الأبجدية اللاتينية بين الألبانيين يرتبط برؤية سياسة بعيدة النظر فقد كان الهدف الأساسي من تحويل الألبانيين عن الأبجدية العربية إلى الأبجدية اللاتينية هو فك الارتباط بين الألبانيين والشرق الإسلامي لأن التخلي عن الأبجدية العربية كان يعني الانفكاك عن الثقافة الشرقية الإسلامية، والارتباط بالثقافة الغربية للاستفراد بالألبانيين بعد فصلهم عن الشرق المسلم الذي قد يدافع عنهم في لحظة الخطر.
ومنذ أن نظم المؤتمر الأول سنة ۱۹۰۸م، كان موضوع الأبجدية يتطور بحدة خلال هذه السنة في الشارع، وعلى صفحات المجلات المختلفة مما كان يؤدي بدوره إلى فرز سياسي واضح بين أنصار الأبجدية العربية، وبين المتحمسين للأبجدية اللاتينية، حيث إن كل طرف كان يعبر عن رؤية مغايرة تدفعه للبحث عن مبررات مختلفة لدعم موقفه من هذه الأبجدية أو تلك.
وخلال فترة الاحتلال النمساوي (۱۹۱٥- ۱۹۱۸)، كان من الطبيعي أن تعود الأبجدية اللاتينية لتصبح هي الأبجدية الرسمية والسائدة، والتي استمرت بدعم من الغرب المسيحي لفرض هيمنة الثقافة الغربية على الشعب الألباني المسلم الذي لا زال يخضع لسيطرة أوروبا الثقافية والسياسية، وما يحدث في البلقان خير دليل.
(*) ممثل المشيخة الإسلامية لجمهوريتي ألبانيا ومقدونيا بالقاهرة، وممثل المركز الإعلامي لكوسوفا في العالم العربي.