; رائد الدراسة المقارنة بين الفقه الإسلامي والقوانين الوضعية (3)- دراسة الشهيد عودة قدمت الدليل على تفوق الفقه الإسلامي | مجلة المجتمع

العنوان رائد الدراسة المقارنة بين الفقه الإسلامي والقوانين الوضعية (3)- دراسة الشهيد عودة قدمت الدليل على تفوق الفقه الإسلامي

الكاتب الدكتور توفيق الشاوي

تاريخ النشر الثلاثاء 16-يونيو-1998

مشاهدات 60

نشر في العدد 1304

نشر في الصفحة 48

الثلاثاء 16-يونيو-1998

نُشر المجلد الأول من كتاب التشريع الجنائي الإسلامي مقارنًا بالقانون الوضعي، الذي أعده الأستاذ الفقيه القاضي عبد القادر عودة قبل استشهاده، أما المجلد الثاني فلم ينشر إلا بعد استشهاده، كما أخبرني بذلك ناشره الأستاذ إسماعيل عبيد، وقد تعاهدت مع عدد من زملائي المتخصصين في الفقه المقارن على إعادة نشره وتنقيحه وأن نسعى إلى إضافة مجلد ثالث إليه - ليكون موسوعة عصرية شاملة في الفقه الجنائي الإسلامي.

إن المبدأ الذي أسير عليه في الدراسات القانونية هو مبدأ التتابع والتكامل، ذلك أنني أفضل أن أجعل نقطة البدء في أبحاثي ما توصل إليه غيري من أسلافنا أو معاصرينا في أبحاثهم ليكون ما كتبوه قاعدة الانطلاق التي تمكنني من أن أوجه كل جهدي لما يمكنني أن أقدمه كإضافة علمية لما توصل إليه من سبقوني بدلًا من أن أصرف جهدي في إعادة بحث ما سبقني إليه غيري من القدماء أو من المعاصرين. وقد أعدت نشر كتاب «الخلافة» الذي أعده السنهوري وقدمه في عام ١٩٢٦م رسالة الدكتوراه، وأضفت إليه كتابي فقه الشورى والاستشارة ليكونا موسوعة عصرية للفقه الدستوري الإسلامي.

 وقد كنت دائمًا أعتبر التشريع الجنائي أقرب إلى القانون العام منه إلى القانون الخاص -كما يظن كثيرون- ولذلك أعتبر عملي في إعادة نشر كتاب التشريع الجنائي مكملًا لما قمت به في كتاب الخلافة، وتوسعت في حاشيتي التي أعددتها عليه، وتعرضت فيها لكثير من مسائل القانون العام والقانون الدولي، مثل مبادئ الحرية والمساواة، والولاية التعاقدية ودار الحرب ودار السلام واللجوء السياسي وتسليم المجرمين... إلخ. 

إن كلا الكتابين كتاب الخلافة، و«كتاب التشريع الجنائي»، ومن سار على نهجهما لم يقف عند حد إعطائنا صورة واضحة وعصرية للفقه الإسلامي، سواء في موضوع التشريع الجنائي أو فقه الحكومة القانون الدستوري والقانون العام، وإنما تجاوز كلاهما هذا النطاق واقتحم ميدان التجديد وقدم لنا آراءً وأفكارًا تمهد لنا طريق الاجتهاد، وتدفعنا فيه دفعًا وتشجعنا عليه وتزودنا بالأصول والقواعد التي تساعدنا في ذلك، وتقدم لنا المبادئ التي يجب أن نلتزم بها في هذا الاتجاه.

إن هذه الموسوعة سوف تتسع لجهود أجيال كثيرة، وإن كنت قد حددت هدفي في الحواشي التي أعدها بأمرين:

أولهما: بيان ما تضمنه كتاب الفقيه الشهيد من أبحاث علمية جعلتها في نظري فاتحة مرحلة جديدة في الفقه يجب علينا متابعتها والسير على منهاجها للنهوض بالدراسات الشرعية في مجال التشريع الجنائي وتوحيد ثقافتنا القانونية.

ثانيهما: ما استطعت تقديمه من آراء ومقترحات في هذا المجال انطلاقًا مما قدمه لنا هذا الكتاب الفذ. وقد دعوت إخواني وزملائي إلى أن يتعاونوا معي في ذلك وأن يعدوا ما لديهم من أبحاث تضاف للموسوعة لإثراء فقهنا الإسلامي وإبراز محاسنه ومقاصده وإدماج المستحدثات القانونية في نطاقه. يكفي أن أشير الآن إلى أهم ما يتميز به كتاب فقيهنا الشهيد عبد القادر عودة بإيجاز وإجمال.

1- الدراسة المقارنة: لقد بيَّن في عنوان كتابه أنه سيعرض تشريعنا الجنائي «مقارنًا بالقانون الوضعي»، وهذه الموازنة ليست أمرًا سهلًا لما هو معروف وما بينه بوضوح في كتابه من فوارق كبيرة بين شريعتنا وما نسميه القوانين الوضعية بسبب اختلاف المصادر والمقاصد والأصول بين هذين النظامين التشريعيين.

هذا الاختلاف يجعل المقارنة والموازنة تحتاج إلى مجهود كبير وقدرة فائقة في استيعاب الأحكام والنظريات في كل منهما، ولا نعتقد أن أحدًا من علمائنا قد سبق الشهيد عودة في هذا المضمار فيما يخص التشريع الجنائي، لذلك اعتبرناه رائدًا في هذه الدراسة المقارنة التي قدمها لنا في كتابه.

لقد برع أسلافنا في عرض الفقه الجنائي الإسلامي وقدموا لنا دراسات كاملة لأحكام الجرائم المختلفة بلا شك، وتبعهم كثيرون من الأساتذة المعاصرين سواء منهم من قاموا بتدريس الفقه في الجامعات الإسلامية، أو الجامعات العصرية، ومن أعدوا رسائل الدكتوراه في موضوعات الفقه الجنائي، ونحن نشهد لكثير منهم بالتفوق في هذا المجال لكن دراساتهم كانت في موضوعات محددة «مثل الدية - التعازير - حق التأديب... إلخ».

أما شهيدنا عبد القادر عودة فقد كان أول من قدم لنا دراسة مقارنة شاملة للفقه الجنائي الإسلامي كله بالمعنى العلمي المعروف في العصر الحاضر، وعندما يتكلم عن القوانين الوضعية يقصد بصفة خاصة القانون المصري الذي درسه وتولى تطبيقه سنوات عديدة بصفته قاضيًّا ثم محاميًّا بعد ذلك.

ثم هو أقبل بعد ذلك على دراسة الفقه الشرعي والتعمق فيه كعاشق له مدافع عنه، يتحمس في الدعوة لتطبيقه إلى أقصى حد مؤيدًا ذلك بما توافر له من العلم والمعرفة التي لا نعتقد أن هناك من يذكر عليه أنه لا يقل في تعمقه فيه عن الأساتذة المتخصصين في ذلك كما سنبينه في حاشيتنا على كتابه.

ولا شك لدينا في أن كل من جاءوا بعده يعترفون له بالأولوية والريادة في هذه الدراسة الشاملة المقارنة التي قصد بها تدعيم مطالبته الملحة بضرورة المبادرة إلى استكمال تطبيق الفقه الإسلامي في المواد الجنائية، وهي مطالبة أول أسبابها إيمانه الثابت والكامل بتفوقه على القوانين الوضعية، هذا التفوق الذي قدم عليه أدلة كثيرة خلال هذه الدراسة، التي وفرت لكل من يطالبون بتجديد الفقه الإسلامي وتطبيقه كل ما يحتاجون له من حجج وأدلة على وجوب المسارعة لذلك. 

لا شكّ في أن كثيرًا من الدارسين للفقه يعترفون بأنه مهما بذلوا من جهد لإعداده للتطبيق الفوري، فإن ذلك لن يغني عن وجوب متابعة عملية التجديد والاجتهاد أثناء التطبيق، وذلك على ضوء ما يواجهه التطبيق من مشاكل وما يثيره من صعاب يجب على الفقه والقضاء أن يتولى استنباط ما يلزم لمواجهتها. 

إن ميزة تشريعنا الإسلامي أنه علم وفقه وفكر، يغذيه الأساتذة والعلماء والأئمة بآرائهم واجتهاداتهم لتطويره وتجديده، وليس كالقوانين الوضعية، مجرد نصوص أو أوامر سلطانية تفرضها الدولة أو السلطات القائمة فيها في مدونات قانونية جامدة تبقى الدولة وحدها هي التي تملك تعديلها أو تصحيح عيوبها.

۲ . مشاركة القانونيين في الدراسات الشرعية:

 أهمية الدراسة المقارنة للفقه أنها تستلزم وتوجب مساهمة فقهاء القانون الوضعي في الأبحاث العصرية المقارنة الخاصة بالفقه الشرعي، وبذلك أعطتهم صفة المشاركين في تقنين الشريعة ودراستها وفتحت لمن يريد منهم المساهمة في الدراسات الشرعية بابًا واسعًا ليكونوا شركاء لعلماء الفقه في كل ما يمكن عمله لتجديد الفقه وتطبيق الشريعة في العصر الحاضر والعصور المقبلة. 

إن أعداءنا كانوا يظنون أنهم نجحوا في محاصرة علماء الشريعة في إطار المعاهد التقليدية والجامعات الإسلامية القليلة العدد، أو بعض مقاعد تدريس الشريعة في الجامعات العصرية، لكن دخول قوافل متزايدة من رجال القوانين العصرية في مجال الدراسات الشرعية، قد فاجأهم وأفشل خططهم وأحدث ارتباكًا في صفوفهم، لأن ما أعدوه لاتهام المطالبين بتطبيق الشريعة بأنهم جماعة من الشيوخ التقليديين أو الرجعيين لم يعد لها مكان كما أن ما يرددونه للتهجم على الأحكام والعقوبات الجنائية الشرعية بصورة فجة، بل وقحة في بعض الأحيان قد أثار الجماهير ويدفعها لمزيد من الإصرار على المطالبة بتطبيق أحكام الشريعة لأن الهجوم عليها يجيئ ممن يعتبرونهم عملاء القوى الأجنبية الطامعة في السيطرة على شعوبنا والتحكم في نظمها ومصيرها والتنكر لسياستها التشريعية والسياسية في أوطانها.

لا شكّ في أن كثيرين من رجال القانون الوضعي في مصر الذين لديهم رغبة أكيدة وعزم صحيح للتعمق في دراسة الفقه الجنائي الإسلامي قد وجدوا الطريق ممهدة والباب مفتوحًا أمامهم بفضل الأسلوب الذي سار عليه شهيدنا من استخدام التبويب والمصطلحات التي ألفوها في كتب القوانين ونصوص التشريعات الوضعية التي درسوها ويعملون على تطبيقها سواء في مجال التدريس في الجامعات أو القضاء أو المحاماة أو البحث العلمي، وأنا من هؤلاء الذين يقرون له بالفضل في ذلك. 

نتج عن ذلك أن كثيرين من أساتذة القانون ورجال القضاء والباحثين في جميع فروع القوانين الوضعية قد ساهموا فعلًا مساهمة إيجابية في تقديم دراسات قيمة في موضوعات الفقه الإسلامي، وما زالوا يتسابقون في هذا الاتجاه ويثرون الدراسات الإسلامية بكتاباتهم وآرائهم التي سيكون لها دور كبير في تجديد فقهنا، وأعتقد أن هذه في طريق وحدة الثقافة الشرعية والقانونية.

الرابط المختصر :