العنوان دراسة أمريكية: الإخوان المسلمون في مصر يملأون فراغات تراجع الدولة
الكاتب عامر الحسن
تاريخ النشر السبت 27-يوليو-2002
مشاهدات 120
نشر في العدد 1511
نشر في الصفحة 38
السبت 27-يوليو-2002
تخلت الدولة عن وظيفتها التقليدية في توفير الحاجات الأساسية لمواطنيها إلا أنها ظلت سلطوية وعاجزة عن أداء بقية أدوارها بجدية
أرجعت دراسة أمريكية شعبية الإخوان المسلمين في مصر إلى تآكُل شرعية النظام السياسي، وتراجع الدولة العلمانية عن القيام بدورها التقليدي في توفير الحاجات الرئيسة لمواطنيها وقالت الدراسة، وهي بعنوان:
Muslim Civil Society in Urban Pub- lic Spheres: Globalization. Discursive, Shifts and Social Movements
إن تراجع دور الدولة وتخليها عن واجبها في الرعاية فتح المجال أمام الحركات الإسلامية في مصر تحديدًا؛ لتقديم خدمات اجتماعية بديلة أكسبت هذه الحركات المزيد من الشعبية، وقالت: إن التغيرات العالمية وفكرة العولمة، واضطرار دول العالم الثالث للخضوع لنظام اقتصادي مُعَيَّن يعتمد على الخصخصة وبيع القطاع العام، سبيت تآكلًا في شرعية الدولة في مصر، التي اكتسبت شرعيتها منذ عام ١٩٥٤ على أساس إشرافها على توزيع الثروات وسد الفجوات الطبقية، إلا أنه في أعقاب سياسة السادات الانفتاحية التي تعزَّزت في التسعينيات، فقدت الدولة دورها القديم، لكن الدراسة أكدت أن تراجع الدولة لم يعن تخليها عن سلطويتها التي تمكنها من التضييق على هذه الحركات حالما تجاوزت خطوطها الحمر.
وعزت الدراسة نجاح حركة الإخوان المسلمين في مصر إلى فكرة التنظيم والاستقطاب التي كانت إبداعًا حديثًا مطلع القرن العشرين، إضافة إلى خدمات الجماعة الاجتماعية التي كانت تحتضن أفراد التنظيم والمجتمع المصري بشكل
عام، وأضافت: إن مؤسس الجماعة الشيخ حسن البنا - يرحمه الله - عمَّق لدى أعضائه النزعة الروحية في البداية، لكن ليس على حساب الانتشار السياسي والعالمي خارج حدود الدولة، حتى صارت الجماعة تزعم أن لديها وجودًا في أكثر من ٧٠ دولة.
وتهدف الجماعة إلى أسلمة المجتمع المدني من خلال المدارس والمساجد والنوادي والنقابات عبر تقديم خدمات اجتماعية متميزة، وتحقِّق الجماعة أهدافها من خلال تركيبة تنظيمية محكمة لها مرشد (قيادة) ومستويات عضوية وأقسام متخصصة تعمل من خلال تفريعات التنظيم في المحافظات، الأهم هو أن الجماعة تقوم بذلك عبر ناشطين ينتمون للطبقة الوسطى، ملتزمين بالعمل التدريجي السلمي، وتذكر الدراسة أن هذا التوجُّه للجماعة يتميز على الأفكار التي روَّج لها سيد قطب في «معالم في الطريق»، والتي أصبحت بعد ذلك إستراتيجية الجماعات المتشددة في العمل.
أما الإخوان المسلمون «الجدد» - كما تسميهم الدراسة - فإنهم يعملون داخل المجتمع ووسط أفراده وعبر مؤسساته؛ حيث قطعت الحركة شوطًا في تطبيع علاقاتها مع المجتمع مما جعلها أكثر مقبولية لدى النظام السياسي المصري حتى نهاية الثمانينيات، ولقد تمخض عن ذلك أنه بحلول التسعينيات اصطبغت معظم المساحات العامة في مصر بوجه إسلامي لا يُنكر، وتوجت جهود الجماعة بانتخابات سنة ٢٠٠٠ البرلمانية التي رغم التضييق الشديد على مرشحيها، تمكنت من الفوز بـ ۱۷ مقعدًا، مشكلة بذلك أكبر معارضة في مجلس الشعب.
تراجع دور الدولة
وتوضح الدراسة أن أهم أسباب ذلك، أي أسلمة المجتمع، هو تراجع دور الدولة في توفير الخدمات لمواطنيها، فبانتهاء العهد الناصري، الذي شهدت فيه مصر تدخل الدولة في جميع الشؤون العامة تقريبا انتهى مشروع التنمية العربي القومي العلماني، وبدأت فترة السادات ۷۰ - ۱۹۸۱م التي شهدت تحولًا في برنامج الإصلاح الاقتصادي السياسي، وحسب الدراسة فإن الدولة في عهد السادات تطورت باتجاه تعميق تحالفها مع الولايات المتحدة، والدخول في مفاوضات مع «إسرائيل»، وإطلاق سياسة الانفتاح الاقتصادي.
لكن على الرغم من تخلِّي الدولة عن وظيفتها التقليدية في توفير الحاجات الأساسية لمواطنيها إلا أنها ظلت سلطوية وعاجزة عن أداء بقية أدوارها بجودة، وحتى العهد الحالي، فإن الدولة ما زالت سلطوية وتحكم بقانون الطوارئ الذي يوظف للتضييق على النقابات والاعتقال بدون محاكمة وتعذيب وتغييب المتهمين بدون مساءلة من أحد.
واستشهدت الدراسة بمقتل المحامي المصري عبد الحارث مدني سنة ١٩٩٤م في ظروف غامضة؛ كي تؤكد سجل الدولة في انتهاك حقوق الإنسان، وقالت: إن ذلك كان يحدث في وقت بدت فيه الطبقية بين فئات المجتمع واضحة أكثر من أي وقت مضى؛ بسبب التفاوت في الدخل، وقد أسفر ذلك عن خلق حالة توتر واستياء شعبي بين الطبقات الفقيرة والطبقات الثرية المنتفعة من برنامج الإصلاح.
تزايد شعبية الإسلاميين
ترجع الدراسة أسباب تزايد شعبية الإسلاميين، الإخوان المسلمين تحديدا، بين شريحة الطلبة المهنيين إلى تزايد عدد الجامعيين الخريجين الذين لم تتمكن الدولة من استيعابهم في مؤسساتها العامة، فسياسة مجانية التعليم التي دشنها عبد الناصر فتحت الباب على مصراعيه للحراك الاجتماعي من الريف الحضر، ومن الطبقات الدنيا إلى المتوسطة؛ حيث واكب ذلك دخول آلاف الطلبة للجامعات والمدارس الثانوية، وكان الاعتقاد السائد حينئذٍ بأن الدولة ستتمكن من استيعاب خريجيها من خلال مؤسسات القطاع العام الضخمة بعد التأميم.
لكن ما حصل في عهد كل من الرئيسين السادات ومبارك قلب الموازين، فعلى الرغم من أن سياسة التعليم ظلت مجانية، وظلت الجامعات تستوعب آلاف الطلبة الذين يتكاثرون كل عام نسبة كبيرة، فإن الدولة لم تعد تقدر على استيعابهم في مؤسساتها، ففي الماضي أسفرت سياسة التعدد المؤسسي لاستيعاب الخريجين من تكريس البيروقراطية في العمل، مما أضعف أداء الدولة وأصابها بالترهل، وبدأت الدولة تستشعر ثقل العبء على كاهلها، وبدأت تتخفف من مسؤوليتها التقليدية بالاتجاه نحو الخصخصة وبيع القطاع العام، من دون أن يوازي ذلك معالجة المشكلة البطالة بين الجامعيين.
وتواكبت مع ذلك تطورات سياسية، من بينها تسامح النظام في عهد السادات ومبارك في مستهله مع الإخوان المسلمين، فحسب الدراسة، التي تكرر غيرها في هذا الصدد، كان السادات يريد القضاء على اليساريين والناصريين، فاستعان بالإخوان لتحقيق ذلك، وتدثر برداء الدين؛ كي يكتسب نظامه شرعية دينية، وقام بتعديل الدستور؛ كي يؤكد هوية الدولة الإسلامية، واتخذ إجراءات لإصلاح الأزهر تمخضت بعد ذلك عن زيادة عدد الطلبة في الأزهر، وعندما اندلعت مظاهرات الخبز في ١٩٧٧م، والتي لعب الإسلاميون حسب الدراسة دورًا في إثارتها، (وهذا أمر مخالف للواقع ولمختلف الدراسات الأخرى)، لم يكتفِ السادات بإعادة الدعم للرغيف، وإنما أكد دورًا أكبر للمكونات الدينية والأخلاقية في المدارس ومنح سلطات أكبر للأزهر.
التسعينيات
وبحلول التسعينيات كانت إنجازات الإخوان واضحة للغاية، وإزاء صعود أعضائها للنقابات، وتزايد الانتقادات لموقف مصر السياسي، أكد الحزب الحاكم في ۱۹۹۲ أن «مصر ليست دولة علمانية وإنما إسلامية» في محاولة لسحب بساط الشرعية الدينية من تحت أقدام الإخوان لصالح النظام، وتبع ذلك استخدام النظام لمفردات شبيهة بمفردات الجماعة، في محاولة للبروز، وكأنه ممثل الإسلام الحقيقي في مصر، وبدأت الدولة أيضًا تقدم دعمًا كبيرًا للأزهر للقيام بمهام دعوية، تضاهي وتنافس نشاط الجماعة، شملت إرسال «قوافل دعوية»؛ لمخاطبة الشباب في مساجد المحافظات والقرى والأرياف.
وقامت الدولة بخرق تقليد قديم وهو محاولة تأميم المساجد وإلحاقها بسلطات وزارة الأوقاف في محاولة لسد الطريق أمام اختراق الجماعات المتشددة، وانتشار الإخوان في مؤسسات المجتمع الأهلي، غير أن الدولة لم تتمكن من وضع جميع المساجد والزوايا تحت إشرافها لعجزها الفعلي عن ذلك، فوزارة الأوقاف لا تستطيع عمليا تحمل تكاليف الخطباء والدعاة وصيانة المساجد، كما أنها لا تستطيع استقطاب عدد كاف من الخطباء إلى جانب ذلك تمكن العديد من الإسلاميين من الحصول على تراخيص لبناء وتعمير مساجد خارج سلطة الدولة بمساعدة من مسؤولين في المجالس المحلية، وتقول الدراسة: إنه في سنة ١٩٩٣م لم تتمكن وزارة الأوقاف من الإشراف الفعلي إلا على ٣٠ ألف مسجد من ١٧٠ ألفًا، كما أنها ظلت تعاني من نقص في الأئمة بلغ ٤٠ ألف وظيفة شاغرة.
وتستعين الدراسة بكتاب ستارت «تفعيل الإسلام» الصادر في عام سنة ١٩٩٨ لتؤكد تعمُّق النزعة الدينية في المؤسسات التعليمية في مصر، بما في ذلك الكتب والثقافة العامة، وتقول: إنه بينما زاد عدد الذين سجلوا في الجامعات لدراسة الفنون والعلوم الإنسانية بين ۸۱ - ۸۷ بنسبة 8,2%، فإن عدد الذين سجلوا في الأزهر في نفس الفترة زاد إلى 70%، وصاحب ذلك انتشار الكتب والدوريات والمجلات الإسلامية التي أصبح لها رواج بين كافة فئات المجتمع، إلى جانب ذلك لم يعد الانتشار الإسلامي حكرًا على المرحلة الجامعية كما كان الأمر في السبعينيات، وإنما أصبح له وجود ملموس على مستوى المعلمين والطلبة في المرحلة المتوسطة والثانوية أيضًا، وإذا كانت الدولة تستطيع التحكم في تداعيات ذلك في المدن الحضرية الكبيرة، كما فعلت في حالة المساجد، فإنها تعجز عن السيطرة على أنشطة المدارس والكتاتيب في الأحياء والقرى النائية.
ولم تعرف الدولة أن العولمة التي طالما بُشرَّت بها لتبرير نقل مواد إعلامية خارجة عن تقاليد البيئة المصرية ستلعب في صف الإسلاميين، فحسب الدراسة أتاحت العولمة موجة كبيرة من أشرطة الكاسيت والأطباق الفضائية ومواقع الإنترنت مما جعل أملها في إمكانية السيطرة على تدفق المعلومات ضعيفًا للغاية.
تعويض تراجع الدولة
وتشير الدراسة إلى أن اضطرار الدولة للخضوع للضغوط الخارجية مثل «صندوق النقد والبنك الدولي» أنهى «العقد الاجتماعي» بينها وبين مواطنيها، ففي الماضي كانت شرعية الدولة تستند إلى ما توفره من احتياجات أساسية لمواطنيها، بما في ذلك حق التعليم والرعاية الصحية والوظيفة، مقابل أن يتخلى المصريون عن حقوقهم المدنية وربما السياسية، وهذه التغييرات لم تسبب تآكُلًا في شرعية الدولة فحسب، وإنما وفرت فرصة سائحة للإخوان المسلمين لملء الفراغات التي شكلها تراجع الدولة.
وتستشهد الدراسة بما كتبه أحد الذين درسوا آليات العمل الإسلامي في الضواحي المصرية؛ حيث لاحظ أن الكثير من المساجد التي لا تقع تحت سيطرة وزارة الأوقاف شعبت خدماتها بحيث لم تعد تقتصر على الشعائر التعبدية، وإنما على توفير خدمات صحية واجتماعية تكافلية بأسعار رمزية، مقارنة بأسعار خدمات الدولة، وفي الأحياء الأشد فقرًا يقوم المسجد بتوفير أطعمة ومساعدات عينية، ومادية إلى جانب توفير قروض بدون ربا.
وإلى جانب السعر الرمزي، تظل هناك جودة وإنسانية في المعاملة مقارنة بمعاملة أجهزة الدولة، خصوصًا فيما يتعلق بالرعاية الصحية، وتشير إحصائيات الباحثة المصرية أماني قنديل إلى أن الجمعيات الخيرية الإسلامية تساهم بـ 14% من الرعاية الصحية في مصر، ولا شك في أن الأداء الجيد للإخوان ظهر جليا، حسب الدراسة أثناء الزلزال في ۱۹۹۲ والفيضانات في ١٩٩٤ والذي فاق بكثير أداء الدولة المقيد بكوابح البيروقراطية.
أنماط العلاقة بين النظام والإخوان
وفي ضوء ما قامت به الحركة من أسلمة المجتمع المدني وانتشار هادئ وتدريجي بين فئاته، وما تبع ذلك من تضييق من السلطة سيما بحلول التسعينيات، وعلى الرغم من أن الدولة ظلت لا تعترف بقانونية الإخوان إلا أنها تهادنت معها في البداية كسبًا للشرعية الدينية، إلا أن هذه المهادنة تخيف النظام وتسفر عن تغيير سياسته للصدام والتضييق، وإزاء ذلك فإن سياسة الإخوان تظل العمل السلمي عبر المشاركة السياسية في الانتخابات، تارة عبر التحالف مع أحزاب معارضة، وتارة عبر المشاركة الفردية، وتقول الدراسة: إن مشاركة الإخوان البرلمانية عمَّقت من فهمهم السياسي.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل