; دراسة أكاديمية بجامعة القاهرة: التغلغل الصهيوني في أفريقيا يتنامى | مجلة المجتمع

العنوان دراسة أكاديمية بجامعة القاهرة: التغلغل الصهيوني في أفريقيا يتنامى

الكاتب مجاهد الصوابي

تاريخ النشر الثلاثاء 05-سبتمبر-2000

مشاهدات 47

نشر في العدد 1416

نشر في الصفحة 38

الثلاثاء 05-سبتمبر-2000

• من عام 1973م حتى 1990م ارتفع التبادل التجاري بين اسرائيل والدول الأفريقية من 30 مليون دولار إلى 300 مليون

  • 1300 صفقة سلاح في عام واحد و 125 اتفاقية تعاون عسكري و 1500 خبير صهيوني ينتشرون في الدول الأفريقية. 

• التفاف على الأمن القومي العربي.. ومحاولة السيطرة على منابع نهر النيل وباب المندب. 

في دراسة موسعة حول التغلغل الصهيوني في أفريقيا وأثره في الأمن القومي العربي، أكد الدكتور صلاح زرنوقة - الخبير بمركز بحوث الدول النامية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية «القاهرة»- أن التغلغل الإسرائيلي في أفريقيا لم يكن علنيًّا في معظمه، ويقع جزء كبير منه في نطاق السرية، كما أن أهدافه غير معلنة، وقال: إن هذا التغلغل أو التسلل الإسرائيلي يرتبط بشكل مباشر بالصراع العربي - الإسرائيلي ليس فقط في زمن الحرب، بل في ظل السلام أيضا، وقد تعاظم هذا النشاط المشبوه في بدء مسيرة السلام مما جعله يمثل إحدى ساحات المواجهة بين العرب وإسرائيل، كما يمثل خطورة واضحة على الأمن القومي العربي.

 وتناولت الدراسة أسباب التغلغل الإسرائيلي، مؤكدة أنها محاولة الالتفاف حول العالم العربي، وتهديد الأمن القومي، كما يتضح من مراجعة الكثير من الوثائق والتصريحات الإسرائيلية، منذ مذكرات هرتزل ۱۹۰۳م، وحتى اليوم، فضلا عن أن جانبًا كبيرًا من العلاقات الإسرائيلية - الأفريقية يقوم على تقديم العون المادي والفني من جانب إسرائيل لبعض الدول الأفريقية دون مقابل واضح أو مفهوم، كما أن جزءًا كبيرًا من هذه العلاقات والأنشطة يقع في إطار ما يسمى تقليديًّا بالنشاط الهدام أو الممارسات غير المشروعة، وبالتالي يكون طبيعيًّا أن تتحدث عن تسلل إسرائيلي إلى أفريقيا أو تغلغل إسرائيلي في أفريقيا.

 وتوضح الدراسة أن التغلغل الإسرائيلي في أفريقيا يستند إلى منطق إستراتيجي مؤداه «القدرة الإسرائيلية على المبادرة»، وهذه المنطقة هي حجر الزاوية في الإستراتيجية الإسرائيلية التي ترى أن إسرائيل لا يمكن أن تكون في موقف رد الفعل إزاء الجانب العربي؛ لأن ذلك يعتبر هزيمة أو تراجعا بالنسبة لها، وإنما تهدف بذلك إلى السعي لمنع الخطر قبل وقوعه من خلال العمل وفق منظور الردع لمنع الطرف العربي من الإقدام على تهديد مصالحها، أو من منظور الهجوم الوقائي لإجهاض أي تحرك عربي في غير صالحها.

وبطبيعة الحال كانت أفريقيا مجالا خصبا للتسلل الصهيوني إليها؛ لأنها تقع على أضلاع الدول العربية الأفريقية، ولأنها تضم منطقة مهمة وحيوية بالمعنى الإستراتيجي بالنسبة للعرب، ومن أهمها منابع النيل، والقرن الأفريقي، والمدخل الحيوي للبحر الأحمر، فضلا عن أنها تعاني من بؤرة التوتر والصراع التي يمكن لإسرائيل استغلالها بأشكال مختلفة، وفوق هذا كله كانت أفريقيا مجالا مناسبا للتسلل الإسرائيلي؛ بسبب الفراغ العربي في أفريقيا من ناحية وحاجة الدول الأفريقية إلى ما يمكن أن تقدمه «إسرائيل» في مجالات الأمن الاقتصادي والجوانب الفنية والتكنولوجية.

 كما أن أهداف التغلغل الإسرائيلي تحددت في ثلاثة أهداف كبرى هي: الأمن الإسرائيلي في المقام الأول، والشرعية السياسية، ثم الهيمنة الإقليمية على الترتيب، والذي ارتبط بمراحل تطور الصراع العربي الإسرائيلي على نحو هذا الترتيب الذي يعكس إلى حد بعيد تدرجا تاريخيًّا؛ حيث جرى التركيز منذ نشأة الكيان الصهيوني وحتى منتصف الستينيات تقريبا على الأمن، ثم أعقب ذلك وحتى نهاية السبعينيات تقريبا، أي وحتى توقيع معاهدة الصلح مع مصلح على الهدف الثاني «الشرعية السياسية»، وبعدها أصبح التركيز على الهدف الثالث «الهيمنة الإقليمية».

وفي إطار هذه الأهداف الكبرى للكيان الإسرائيلي كان هناك عدد من الأهداف الفرعية من أهمها: كسر العزلة أو الحصار المفروض عليها، وتوسيع ما يسمى بالمجال الحيوي الاستراتيجي، وتطويق العرب وحصارهم والالتفاف حول الدول العربية وحرمانهم من أي نفوذ في القارة، خصوصا مصر، وذلك وفقا لنظرية الأمن الإسرائيلي والتي تعني الأمن الكامل لإسرائيل واللا أمن بالنسبة للعرب، فضلًا عن الضغط السياسي على الجانب العربي لحمله على تقديم تنازلات في عملية السلام وتلبية مطالب «إسرائيل» فيما يتعلق بمخططات التعاون الاقتصادي والتطبيع الثقافي. 

وتشير الدراسة - التي ألقيت مؤخرًا في مؤتمر العلاقات العربية الأفريقية بجامعة القاهرة - إلى أن التغلغل الإسرائيلي يتخذ أنماطًا عديدة أهمها العلاقات الاقتصادية والفنية مع الدول الأفريقية التي تعتمد على برامج للمساعدات الاقتصادية في كثير من المشروعات والتبادل التجاري، وعقد الصفقات التجارية؛ إذ يشير بعض التقارير إلى أن قيمة التبادل التجاري بين «إسرائيل» والدول الأفريقية قد زاد في الفترة من ۱۹۷۳م إلى ۱۹۸۱م نحو ربعة أضعاف.. أي من حوالي ۳۰ مليون دولار إلى حوالي ١٢٤ مليون دولار، وقد بلغت قيمة هذا التبادل عام ١٩٨٤ م حوالي ۲۰۰ مليون دولار فقط مع ١٧ دولة أفريقية، كما زادت قيمة التبادل مع الدول نفسها إلى ٢٥٥ مليون دولار عام ۱۹۸۹م، ووفقًا لآخر إحصائيات مطلع 1991م بلغت ۳۰۰ مليون دولار.

 كما أنه على المستوى الفني تشير الدلائل على وجود ۱٥۰۰ خبير إسرائيلي في الدول الأفريقية تحت مظلة التعاون الفني الزراعي، وأن مراكز التدريب الإسرائيلية استقبلت ما لا يقل عن ۲۰۰ متدرب أفريقي في مختلف دول القارة.

 أما التعاون العسكري والأمني فيأخذ العديد من الأشكال من أهمها اتفاقيات للتعاون العسكري «حوالي ١٢٥ اتفاقية وبعثات العمل في الدول الأفريقية»، أبرزها كمثال البعثة العسكرية الإسرائيلية لتدريب الكوادر العسكرية الأفريقية وتأهيلها بناء القوات العسكرية وأجهزة الأمن والمخابرات في الدول الأفريقية، وتحديثها لإقامة محطات الإنذار المبكر والمراقبة في بعض الدول، وكذلك التعاون في تنفيذ برامج إنتاج الأسلحة وتقديم المنح العسكرية.

أسلحة للمتمردين:

ويقدم الكيان الصهيوني الأسلحة للحكومات الأفريقية لقمع الحركات الثورية والمتمردة، وفي الوقت نفسه تقدم الأسلحة لهذه الحركات المتمردة، كما تقدم الأسلحة للأطراف المتنازعة في القارة، وقد ذكرت صحيفة «يديعوت أحرونوت» الإسرائيلية أن إسرائيل عقدت عام 1995 م وحده حوالي ۱۳۰۰ صفقة بيع أسلحة، كما أن حصيلة المبيعات في عام ١٩٩٦م بلغت ١٠ مليارات دولار.

 وتأتي أخطر مراحل التغلغل الإسرائيلي على الأمن القومي العربي في النشاط الصهيوني المبذول في منابع النيل، وفي منطقة القرن الأفريقية؛ حيث إن مياه النيل تمثل ورقة مهمة للضغط على مصر، - وبالتالي العالم العربي- وتهديدها، وتسعى «إسرائيل» لأن تجعل هذه الورقة في يديها، فضلا عن أن التحالف الإسرائيلي - الأمريكي يعمل على عدة جبهات من أجل التحكم في مياه النيل، مما يجعل الخطر على الأمن القومي المصري بصفة خاصة والعربي بصفة عامة أكثر حدة وأكثر جدية.

 وترصد الدراسة مظاهر النشاط الإسرائيلي في منابع النيل من خلال علاقتها الوثيقة مع أغلب دول منابع النيل.

 مع بداية الثمانينيات انتقلت «إسرائيل» إلى العبث المباشر في المنطقة بوصول خبراء إلى إثيوبيا وأوغندا لدراسة إقامة مشروعات على النيل لاستنزاف ٧ مليارات م٣ من موارد مياه النيل إلى مصر، وكذلك توثيق التعاون الإسرائيلي - الإثيوبي بغرض تنفيذ المشروعات التي سبق أن أعلنت إثيوبيا عن عزمها على إقامتها، أو التي يصل عددها إلى ٤٠ مشروعا على النيل الأزرق، وتشمل إقامة ستة وثلاثين سدًّا، وتقتطع ٢٥ مليار م ٣ من المياه، كما أن هناك أيضا تنسيقًا مع العقيد المنشق جون جارانج في جنوب السودان. 

وتشير الدراسة إلى أنه لا يمكن أن يفهم سعي إثيوبيا للاتفاق مع بعض الدول على إلغاء اتفاقية تقسيم المياه التي عقدت في عام ١٩٥٩م واعتراضها على توصيل المياه إلى توشكا بمعزل عن هذا السياق.

 ويذكر في هذا المجال مساعدات «إسرائيل» لقوات جون جارانج في جنوب السودان بغرض استمرار تعطيل قناة جونجلي، كما أنها تلوح بإمكان استمرار تعطيلها.

 ويذكر في هذا الصدد نجاح التحالف الأمريكي - الصهيوني في الأمم المتحدة في إعداد قانون دولي جديد لمياه الأنهار يتيح لدول المنبع بيع مياه لدول أخرى في المنطقة  تدخل معها في تكتلات إقليمية، والسعي إلى تسعير المياه واعتبارها سلعة قابلة للبيع والشراء، كما أن المخططات المشبوهة التي تنطوي عليها برامج تنمية صحراء البحر المتوسط، وفكرة تشكيل منظمة تضم دول البحر الأحمر بما فيها «إسرائيل». 

وكذلك يأتي في هذا السياق التعاون المشبوه بين «إسرائيل» وكينيا، وإمداد حركة التمرد بجنوب السودان من خلالها وتحت إشراف الموساد بالأسلحة والألغام وأجهزة الاتصالات، كما يعتبر بعض المصادر أن إسرائيل مسؤولة عن تدهور الأوضاع في منطقة البحيرات العظمى في زائير والكونغو برازافيل، كما كشفت مصادر أخرى عن رغبة «إسرائيل» في إقامة دولة توتسية - صهيونية إسرائيلية تمتد من رواندا وبوراندي إلى زائير وتحكمها الأقلية التوتسية التي لا تزيد نسبتها على ٢٥٪، كما تفضح المصادر كذلك محاولات شركات إسرائيلية أمريكية عقدت اتفاقيات مع كل من إثيوبيا وأوغندا وجنوب السودان لإقامة ٥٠ مشروعًا وسدًّا من منابع النيل، وتبلغ تكلفتها 4 مليارات دولار، وقد بدأت بالفعل تنفيذ المراحل الأولى منها خصوصًا في شرق أوغندا وشمال إثيوبيا.

 وتوضح الدراسة أنه بالنسبة للنشاط الإسرائيلي في القرن الأفريقي فإن أبرز الأمثلة على التغلغل الإسرائيلي يتمثل في المحاولات الإسرائيلية الأمريكية لإعداد إثيوبيا لدور إقليمي تدور في فلكه الدول المشرفة على باب المندب والمشرفة على حوض النيل، وذلك في إطار ترتيبات يتم فيها إقامة كيانات صغيرة حول إثيوبيا، وإريتريا، وجنوب السودان، والصومال بعد التقسيم، وتوثيق علاقات هذه المنظمة بإسرائيل، وكذلك الوجود الإسرائيلي الضخم في إريتريا لمراقبة التحركات في مدخل البحر الأحمر، وتوظيف إريتريا لحماية المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، وما يتردد عن استئجار إسرائيل الجزيرة «رأس سينتان» بالبحر الأحمر بغرض إقامة قاعدة عسكرية، وإقامة مرفأ في جزيرة نخر، وآخر جنوب جزيرة عصب، علاوة على رادار إسرائيلي على قمة جبل سوركبة لمراقبة السفن التي تعبر باب المندب.. إلخ؛ حيث إن هناك عشرات الأمثلة على ممارسات إسرائيلية في القرن الأفريقي من شأنها تهديد الأمن القومي العربي، وتتمثل خطورة ذلك في تهديد عروبة ووحدة كل من السودان والصومال وجيبوتي، وتهديد عروبة البحر الأحمر، والسيطرة على مدخله الجنوبي، واستمرار التوتر في منطقة القرن الأفريقي بما ينطوي عليه من تهديد للمصالح العربية.

الرابط المختصر :