; التحديات التي تواجه الصحوة الإسلامية (3 - 3) | مجلة المجتمع

العنوان التحديات التي تواجه الصحوة الإسلامية (3 - 3)

الكاتب البروفيسور جون أسبوزيتو

تاريخ النشر الثلاثاء 18-أبريل-1995

مشاهدات 115

نشر في العدد 1146

نشر في الصفحة 40

الثلاثاء 18-أبريل-1995

*  إحراز الحركات الإسلامية نجاحات مذهلة في الانتخابات خلق للسلطة معضلة سياسية عرت أسلوب القمع الذي تتخذه السلطة ضد هذه الحركات

ونحن نقترب من القرن الحادي والعشرين نجد أن الانبعاث الإسلامي في السياسة الإسلامية لم ينحسر، بل بالعكس ثبت جذوره بصورة أقوى انتشارًا، إن تنوع وتعدد أوجه حركات البعث الإسلامي طمس بالمعادلة التي تساوي بين الصحوة الإسلامية والأصولية أو آية الله الخميني، إن تأثير المد الإسلامي يمكن ملاحظته من خلال الحجم الذي وصل إليه كجزء من التيار العام للحياة اليومية للمجتمعات الإسلامية وليس شيئًا محصورًا في إقليم أو جماعات هامشية، والمفارقة هنا أن هذه الظاهرة قد جعلت الكثيرين ينظرون إليه كمصدر خطر كبير، في حين أن المؤسسات العلمانية تجد عونًا وأحيانًا تحديًا ومنافسة من قبل المؤسسات ذات التوجه الإسلامي كالمدارس والمصحات والمستشفيات والبنوك ودور النشر ومراكز الخدمات الاجتماعية، وقدرة هذه المؤسسات على توفير الخدمات المطلوبة ينظر إليها بواسطة الأنظمة الحاكمة كنوع من الانتقاد أو التهديد المبطن إن لم يكن سافرًا، وفضحًا لمحدودية وفشل هذه الأنظمة.

وبنفس القدر فإن ظهور بديل آخر من الصفوة المتعلمة من ذوي التعليم الحديث والتوجهات الإسلامية، يقدم بديلًا يمثل تحديًا بالنسبة للافتراضات العلمانية الغربية ولأسلوب الحياة داخل هذه المؤسسة.

والأمر المقلق كثيرًا بالنسبة للبعض هو أن العديد من الحركات الإسلامية في السنوات الأخيرة قد انضمت إلى المنادين بالتحرر السياسي، فمن شمال إفريقيا إلى جنوب شرق آسيا يشارك هؤلاء في العمليات الانتخابية، وعلى عكس توقعات البعض أحرزوا نجاحات مذهلة، وقد خلق هذا معضلة سياسية وتحليلية، لقد كان تبرير إدانة وقمع الحركات الإسلامية يستند إلى أنها كانت جماعات متطرفة وصغيرة وعلى هامش المجتمع والاستقرار الإقليمي، لكن المفارقة تكمن في أن عمل المنظمات الإسلامية اليوم من خلال التنظيم قد جعل هذه المنظمات أكثر قوة ومنعة وخطرًا على الأنظمة الحاكمة في العالم الإسلامي وعلى البعض في الغرب، إن أولئك الذين وصفوا هذه الحركات بأنها لا تمثل قطاعات مهمة من الشعب وأدانوها ووصفوها بالتطرف وتهديد النظام يتهمون الآن تلك الحركات بأنها تحاول «اختطاف الديمقراطية».

إن الحركات الإسلامية تشكل بكل تأكيد تحديًا لنظام المؤسسات القائمة، وتحديًا للفرضيات التي قادت كثيرًا من الأنظمة وصناع القرار السياسي، إن الميل نحو تركيز الاهتمام على القلة المسيطرة على السلطة وأقلية الصفوة ذات التوجهات الغربية والعلمانية، والعمل على تحويل الفرضيات والإغراءات العلمانية إلى مُثل وموجهات للتطور الاجتماعي والسياسي، قد أعميا أنظار الكثير عن حقائق اجتماعية عميقة، ففي كثير من المجتمعات الإسلامية يبقى الدين أكثر عمقًا «pervasive»، على الرغم من أنه وبمرور الوقت نجد أن القوى الاجتماعية والوعي السياسي العام أقل علمنة مما كان يتوقع لهما، إن قوة أي فكر أو اعتقاد عندما تنضم إلى الإخفاقات الاقتصادية والسياسية للأنظمة والمؤسسات القائمة لم تكن أمرًا متوقعًا أو مفهومًا بالنسبة لأولئك الذين تعودوا على مشتقات العلمانية «Isms» قومية- «Nationalism» واشتراكية «Socialism» وشيوعية «communism»، ونتيجة لذلك فإن صدمة الثورة الإيرانية ومؤخرًا القوة الانتخابية للحركات الإسلامية في الجزائر وتونس ومصر والأردن والسودان واليمن قد أرغمت الكثيرين على مواجهة ما لم يكن متوقعًا حدوثه أو التفكير فيه، إن هذا التحدي باسم الإسلام لوجهة نظرنا الدولية وفهمنا للذات وللفكر العلماني التقليدي والسياسات التي شكلت تقاليدنا وقيمنا، ينظر إليه دائمًا نظرة الرفض واعتباره أمرًا غير عادي «abnormal» وانحرافًا «deviant» وغير منطقي «Irrational» وتطرفًا «extremist». إنه يمثل تحديًا للنظام القائم، وتحديًا لما نعتقد بصحته ولما نقوم بعمله، وبالنسبة للمثقفين الغربيين من ذوي الإدراك العلماني الواسع وصناع القرار السياسي والخبراء وكثيرين من الصفوة في العالم الإسلامي؛ فإن الدين يشكل خطرًا على الحياة العامة، خطرًا رجعيًا وأصوليًا سواء كان ذلك إسلاميًا أو مسيحيًا، وبالنسبة لعدد من الحكومات الإسلامية التي تفتقر إلى الشرعية الشعبية وتستند قاعدة حكمها على القوة والبطش فإن المزج بين الديمقراطية غير المقيدة «Uncontrolled democracy» والإسلام يشكل خطرًا حقيقيًا عليها.

أما الحكومات الغربية التي تعودت على التحالفات العملية «البراجماتية» مع الأنظمة «والتي هي غير ديمقراطية، وقمعية، ويسيطر عليها صفوة من ذوي التوجهات الغربية»؛ فإن الانزلاق نحو المجهول المتمثل في احتمالات قيام حكومة أصولية أمر ليس مغريًا على الإطلاق.

ونتيجة لذلك فإن التحدي الذي يشكله الانبعاث الإسلامي المعاصر للمؤسسة السياسية والفكرية يترجم بسهولة على أساس أنه خطر.

إن التحدي لا يجب بالضرورة أن يكون مصدر تهديد وخطر للاستقرار الإقليمي أو للمصالح الغربية. ومن المؤكد أن الجماعات سواء كانت علمانية أم إسلامية، والتي تحاول فرض إرادتها عن طريق الاغتيالات والعنف الثوري تعتبر تهديدًا مباشرًا.

إن كثيرًا من الحركات الإسلامية المعاصرة اليوم تمثل تحديًا لمبادئ حق المصير والتنوع الفكري والسياسي الذي نؤمن به، والحركات الشعبية التي تشارك في الحياة السياسية تمثل تحديًا مضاعفًا، فمن ناحيةٍ نجد أن الحكومات في الدول الإسلامية والغرب التي تؤمن بالتحرر والتعددية السياسية والديمقراطية تواجه التحدي لكي تثبت صدق التزامها وتمسكها بتلك المبادئ، ومن ناحية أخرى نجد أن الحركات الإسلامية في حالة مجيئها إلى السلطة ستواجه هي الأخرى تحديات لكي توفر لمعارضيها وللأقليات نفس الحقوق والمبادئ المتعلقة بالتعددية السياسية والمشاركة الشعبية والتي يطالبون بها الآن.

إن التنوع، وليس الوحدة الكبرى «monolithic unity» هو القاعدة وليس الاستثناء في السياسات الإسلامية، وعلى سبيل المثال فإن إيران ما بعد الثورة الإسلامية، وباكستان والسودان ولبنان ومصر قد أثبتت كما هو الحال بالنسبة للسياسات العلمانية، وجود تنافس في المصالح والأجندة «الموضوعات» والقيادة، وإذا سمح بالظهور فإنها تقسم بدلًا من أن توحد الحركات الإسلامية داخل الدولة الواحدة. لقد كانت جبهة الإنقاذ في الجزائر «FIS» جبهة أو منظمة توفر مظلة لتيارات عديدة ومتنوعة من الأفكار التي جمعتها ليس فقط بسبب معارضتها لحكم حزب جبهة التحرير الوطني الجزائري «NFL»، ولكن أيضًا بسبب قمع السلطة الذي خلق أيديولوجية مشتركة، وفي الوقت الذي طالبت فيه المنظمات الإسلامية في باكستان بقيام دولة إسلامية منذ عقود فإنها أثبتت عدم قدرتها على خلق قيادة متماسكة وثابتة، ناهيك عن الاتفاق على أجندة مشتركة وعلى الرغم من الالتزام الإسلامي المشترك وعلاقات المصاهرة؛ فإن المنظمات الإسلامية السودانية- الترابي والصادق المهدي- ظلت على خلاف أكثر مما كانت متحدة.

إن قوة المنظمات والأحزاب الإسلامية تعزى دائمًا إلى أنها تشكل الصوت الوحيد الأقوى والمحرك للمعارضة في المجتمعات ذات الأنظمة السياسية المنغلقة نسبيًا، والقوة الانتخابية لحزب النهضة التونسي والجبهة الإسلامية للإنقاذ في الجزائر والإخوان المسلمين في الأردن لم تجئ فقط من النواة القوية للأتباع الملتزمين، ولكن أيضًا من حقيقة أن هذه المنظمات كانت أكثر التنظيمات قبولًا وصلاحية للقيام بدور البديل. وهكذا فإن مؤيديهم شملوا ليس فقط الذين صوتوا لصالح طرحهم الإسلامي، ولكن أيضًا أولئك الذين أرادوا ببساطة التصويت ضد النظام السائد.

إن انفتاح النظام السياسي قد يعزز ويقوي أحزاب المعارضة المتنافسة ويضعف بالتالي سيطرة الأحزاب الإسلامية على أصوات المعارضين، ويجب أن نتذكر أن عضوية المنظمات الإسلامية تشكل أقلية من حيث العددية وليس أغلبية السكان.

وأخيرًا فإن واقع التنافس المفتوح على الأصوات والمجيء إلى السلطة والحكم وسط مصالح متصارعة قد ترغم الجماعات الإسلامية -كما تفعل هي الآن بالنسبة للأحزاب العلمانية- على تبني وتوسيع أيديولوجيتها وبرامجها استجابة للحقائق المحلية وتنوع المواقع والمصالح.

إن الجميع يواجهون التحدي لكي يعترفوا بأن التحول الديمقراطي عملية تحمل في طياتها التجريب، ومن الضروري أن يصاحب ذلك الفشل والنجاح، وإن تحول الغرب من الملكيات الإقطاعية إلى دول ديمقراطية قد أخذ كثيرًا من الوقت والتجربة والخطأ. وصاحبت هذه العملية ثورات سياسية وفكرية هزت كلا من الدول والكنيسة.

إن عملية التغيير بالنسبة للثقافة السياسية والقيم والمؤسسات لم تحدث بين ليلة وضحاها، إنها عملية طويلة وبطيئة تصاحبها الاختلافات والنقاش والاعتراك بين الأصوات المتنافسة والأجنحة ذات النظرات والمصالح المتنافسة.

إنها رحلة طويلة ولكنها- مع ذلك- يجب أن تبدأ..

(1) أستاذ علم الحضارات ورئيس مركز التفاهم الإسلامي المسيحي في جامعة جورج تاون- واشنطن- حق النشر بالعربية لـ «المجتمع».

الرابط المختصر :