; دراسات.. نظرة تحليلية للواقع الفلسطيني من الداخل (2 - 3) | مجلة المجتمع

العنوان دراسات.. نظرة تحليلية للواقع الفلسطيني من الداخل (2 - 3)

الكاتب د. فؤاد المغربي

تاريخ النشر الثلاثاء 14-مارس-1995

مشاهدات 96

نشر في العدد 1141

نشر في الصفحة 38

الثلاثاء 14-مارس-1995

  • عرفات يؤدي في فلسطين دور أنطوان لحد في لبنان
  • قيام حزب سياسي ديمقراطي للإسلاميين يمنحهم فرصة القبول لدى عامة الشعب الفلسطيني
  • التزام الإسلاميين بميثاق للحقوق يرعى حقوق الأقليات والمرأة.. ويرد على أولئك الذين يتهمونهم بالدعوة لإقامة دولة سلفية غير متلزمة بالتقاليد الديمقراطية
  • خطأ حيدر عبدالشافي أنه افترض وجود مؤسسات داخل المنظمة؛ بينما هي واقعة تحت سيطرة عرفات الذي يتصرف مثل زعيم قبلي

نظرة فاحصة لتصرفات حكومة رابين إزاء السلطة الفلسطينية توضح لنا بأن الإسرائيليين قد لا يكونون منزعجين للغاية من نجاح عرفات إلا بالطرق التي يريدونها له، وعلى وجه التحديد كوسيط لهم يقوم بمهمة السيطرة على القوى الفلسطينية المعارضة، وبالمثل، فهناك القليل جدًا من الحركة قبل الدول المانحة والتي وعدت بتقديم العون المادي، وهو أمر لا يختلف أبدًا عن الخط الذي تنتهجه «إسرائيل».

والسيد عرفات أيضًا أصبح متقدمًا في السن ومتعبًا ومريضًا، وهو يفتقر إلى القدرة على الحكم وبناء المؤسسات، كما أنه يفتقر إلى المقومات الأساسية وبالتحديد إلى القدرة في اجتذاب أهل الخبرات والمهارات التكنولوجية والذين عليهم القيام بالدور الأساسي في بناء الدولة.

إن أفضل العقول الفلسطينية وأبرعها بقيت بعيدة عن عرفات والقيادة الجديدة، وبكل المقاييس فإن عرفات محكوم عليه بالفشل، وفي أفضل الحالات قد يستطيع البقاء لبعض الوقت يقوم بمثل الدور المخزي الذي يؤديه أنطوان لحد، مخلب «إسرائيل» في المنطقة التي تسيطر عليها «إسرائيل» في جنوب لبنان.

فشل عرفات والبديل العاجل

إن فشل عرفات لن يكون فشلًا فرديًا؛ ولكنه سيكون كارثة وطنية، لذلك فإن على المعارضة أن تشن حملة من أجل إيجاد البديل الأمثل لقيادة عرفات ووضعه أمام الشعب الفلسطيني، وما عدا ذلك فإن الخيار الوحيد هو إما العودة إلى سياسة الوضع الراهن «Status quo» في حال فشل الفلسطينيين، وحينها سيعود الإسرائيليون لإدارة الأراضي، أو أن يكلف الأردن بإدارة الأراضي بالتعاون مع «إسرائيل»، وقد ظهرت بعض المؤشرات التي تدل على ذلك من خلال الاتفاق الإسرائيلي - الأردني، والذي يعهد إلى الأردن القيام بدور الحارس للمقدسات الإسلامية في القدس.

وفي نفس الوقت، يجب ألا يسمح لعرفات بأن يغطي نفسه بمسوح الوطنية، ويجب نزع الشرعية من عرفات ومجموعة المستشارين الذين من حوله بسرعة قبل أن يجدوا الفرصة في تقوية مواقعهم ونفوذهم داخل المجتمع الفلسطيني، والأهم من ذلك، قبل أن يدفعوا الفلسطينيين إلى الاقتراب من مواجهة داخلية دامية، لذلك يجب على المجموعات المعارضة أن تصر على عقد الانتخابات في أسرع وقت ممكن، إضافة إلى أن على المعارضة أن تصر على إجراء استفتاء وطني عام للشعب الفلسطيني حول مسألة الوضع النهائي للأراضي.

توضيح المتطلبات الأساسية للديمقراطية

إننا نسمع كثيرًا عن الخطب الحماسية حول الديمقراطية من داخل وخارج الأراضي المحتلة، ونادرًا ما يعبر الناس بوضوح عما يقصدونه بذلك التعبير، فهناك كثير من الاعتذاريين والمبررين «Apologists» الذين يدعون إلى الديمقراطية ويمارسون ممارسات غير ديمقراطية، إضافة إلى أن هناك رأيًا رسميًا أمريكيًا يتفق معه كثيرون في الشرق الأوسط، بما في ذلك قيادة منظمة التحرير الفلسطينية؛ وذلك الرأي الرسمي يعني تقوية عضد مجموعات معينة واستثناء مجموعات أخرى.

وعلى سبيل المثال فإن الانتخابات التي تنتهي بفوز جماعات معينة مثل الجماعات الإسلامية في الجزائر لا تجد قبولًا، ومثل هذا الرأي يجب تعريته ورفضه، لذلك فإن على المعارضة الفلسطينية أن تعبر بصوت واضح عن المقصود بالديمقراطية وكيفية تطبيقها وملامحها الأساسية.

إن على الميثاق الجديد أن يوضح المتطلبات الأساسية للديمقراطية والتي تتضمن الحقوق السياسية والاقتصادية، كما أنها يجب أن تشمل الضمانات اللازمة للحكم الذاتي واستقلالية مؤسسات المجتمع المدني مثل الإعلام، والكنائس، والمساجد، والجمعيات الدينية، والمنظمات التطوعية، والنقابات المهنية، والأحزاب السياسية. إن على المعارضة أن تقاوم من أجل حماية هذه المؤسسات قبل أن يهيمن عليها جهاز الدولة الجديد، والذي تسيطر عليه مجموعات معينة داخل السلطة الفلسطينية الجديدة.

طريقة توزيع الثروة

إن محور النقاش حول الديمقراطية يتمركز حول مسألة توزيع الثروة، ومن المحتمل أن تبدأ قيادة منظمة التحرير الفلسطينية، وكما يبدو جليًا من المعطيات في اتباع سياسات من شأنها مكافأة الأصدقاء والمؤيدين واستثناء المتنفذين والمعارضين، وكان هذا هو الأسلوب المتبع في السابق ولعدة عقود، وليس من المتوقع تبعًا لذلك أن يتبدل هذا الأسلوب، وفي نفس الوقت، وإذا كان الماضي يوفر الوجهات للحاضر والمستقبل، فإن من المتوقع أن يستمر ذلك الفساد المستشري كالوباء، وبالنسبة للمعارضة فإن الديمقراطية بدون عدالة اجتماعية ستكون عديمة الفائدة، فالعدالة الاجتماعية تتضمن قبل كل شيء تطبيق سياسات لفائدة المعوزين، وأكثر القطاعات المحرومة في المجتمع، لذلك فإن على المعارضة أن تكون واضحة في كيفية توزيع الثروات بحيث يستفيد منها أكبر عدد ممكن من السكان بدلًا من تركيزها على القلة من الأثرياء. إن من المهم صياغة قانون أساسي يوضح الخطوط الرئيسية للحقوق والواجبات والالتزامات المطلوبة من المواطنين والعاملين والدولة.

فرص عمل للفقراء

إن على المعارضة أن تقيم مؤسسات فاعلة للمجتمع المدني قادرة على امتصاص واجتذاب الأموال وتوزيعها بالطريقة التي تخلق فرصًا للعمل وزيادة الدخل خاصة بالنسبة للفقراء، وإذا لم تتوفر أموال المساعدات فإن من الضروري إقامة مؤسسات العون الذاتي عوضًا عن ذلك، ومن المهم هنا إنشاء العديد من الجمعيات والمؤسسات الخيرية غير الحكومية، ويجب تنظيم هذه الجمعيات بالطرق القانونية، وأن تكون سجلاتها مفتوحة للمراجعة الشعبية، كما أن على هذه الجمعيات أن تطلب مساعدات مالية من الدول المانحة وأن تواصل نشاطاتها في التنمية الاقتصادية والتي من المتوقع أن لا تنجح فيها الإدارة الفلسطينية الجديدة.

وفي نفس الوقت، يجب على المعارضة أن تخلق آلية تسمح برصد ومراقبة مشاريع التنمية الاقتصادية والاستثمارية التي تشرف عليها السلطة الجديدة، ومن المهم أن تراقب بحرص شديد عملية تدفق الاستثمارات، ونوعية الشركات التي تنشأ، ومالكيها ونشاطاتها وخططها المستقبلية، وعلى هذا المنوال يكون من المهم بنفس القدر إرساء وسائل عصرية تحدد مسؤوليات هذه الشركات والسلطات أمام الشعب.

مراجعة التعليم قبل التنمية

والتعليم شيء حيوي ومصيري بالنسبة للتنمية الاقتصادية ولتطور المجتمع الجديد، والسؤال هنا: ما نوع النظام التعليمي الذي يجب أن يتبع لتهيئة الهوية الفلسطينية الجديدة لولوج القرن الحادي والعشرين؟ من المؤكد أن هناك حاجة ماسة للإصلاح التعليمي وأن من الضروري إجراء مراجعة شاملة وإعادة النظر في مجمل النظام التعليمي كشرط أساسي قبل حدوث التنمية الاقتصادية وبزوغ المجتمع الديمقراطي الجديد، وعلى المعارضة أن تكون واضحة فيما يتعلق بالقيم والمهارات التي يحتاج إليها النظام التعليمي لكي يتطور، وعلى رأس قائمة الأولويات هنا الحاجة إلى تناول مسألة المرأة ووضعها في المجتمع الفلسطيني، ويجب أن يسعى النظام التعليمي إلى ترقية القيم التي تنادي بوضوح بمسألة المساواة ووضعها على رأس الأجندة «جدول الأعمال».

وهنا لا يحتاج الفلسطينيون إلى إعادة اختراع العجلة؛ لأنهم يملكون خبرات متراكمة في مختلف أنحاء العالم يمكن أن تساعد في التعليم في مجال التنمية الاقتصادية وفي ظهور المجتمع الديمقراطي، ويمكنهم بكل تأكيد أن يستفيدوا كثيرًا من دراسة تجارب الآخرين وأن يتفادوا بعضًا من الأخطاء الشائعة.

إيجابية الانتفاضة والقدرة على صنع القرار

ومما لا شك فيه أن هناك مجالات عديدة يجب على الميثاق الفلسطيني أن يطرقها بوضوح، والمعارضة يمكنها أن تفكر في وسائل جديدة وخلاقة لدعم وتقوية المشاركة الشعبية في عملية صنع القرار، ومن بين الملامح الإيجابية للانتفاضة أن الناس قد اكتسبوا تجربة في مسألة صنع القرار والتي يمكن أن تتطور وتتوسع، ومن الممكن عقد سلسلة من الاجتماعات في مختلف مدن الضفة الغربية وقطاع غزة «بما في ذلك المناطق ذات التجمعات الكبيرة للفلسطينيين خارج فلسطين»، وهذه الاجتماعات يمكن أن توفر منابر للنقاش وتخلق الآلية التي تسمح للناس بأن يعبروا عن آرائهم، وأن يتفقوا حول الأهداف الأساسية والوسائل التي تقود إلى تحقيقها، والحكمة العامة هي أن الأفكار الجديدة تزدهر وتنتشر من القاعدة إلى القمة.

ومثل هذه الصيغ والأشكال للديمقراطية المباشرة يمكن أن تنجح إذا أخذنا في الاعتبار حجم السكان، وهي من الأهمية بمكان لأنها توفر للناس إحساسًا وشعورًا بسيطرتهم على أمورهم بأنفسهم، وفي نفس الوقت يمكنها أن توفر لصانعي القرار الصورة الواضحة لحجم وثقل القضايا التي تشغل بال السكان.

وإذا كان للفلسطينيين أن ينجحوا في تملك حق تقرير مصيرهم بأنفسهم فإن عليهم أن يبدأوا هذه الممارسة من القواعد الشعبية في كل زاوية أو ركن في المجتمع، وهم بذلك سيجدون أنفسهم في وضع يمكنهم من الوصول إلى حقوقهم التاريخية، والذين أيدوهم في الماضي ووقفوا الآن مترددين ومشوشين سيتم تنظيمهم من جديد لتقديم العون المطلوب لهم.

عبرة التاريخ.. والوحدة الفلسطينية

وتاريخيًا كان الفلسطينيون يخسرون عندما كانوا منقسمين، وكانوا أقدر على تحقيق بعض المكاسب عندما كانوا متحدين، وكانت القوى الاستعمارية قادرة دائمًا على البقاء والاستمرار كلما كان الشعب منقسمًا على نفسه بفعل المستوطنين الغزاة، وانطلاقًا من هذه الخلفية فإن من المهم أن نتساءل: كيف يستطيع الفلسطينيون في نفس الوقت أن يحتفظوا بقدر من الوحدة الوطنية وعلى أي أساس؟

أزمة حيدر عبدالشافي مع عرفات

أحد الخيارات بالطبع هو ما اختاره الدكتور حيدر عبدالشافي، وبالتحديد العمل على تطوير ما اختاره، وهو يعني الطلب من عرفات والسلطة الفلسطينية الالتزام بالمبادئ الأساسية للديمقراطية وحقوق الإنسان، والعمل على الوصول إلى المعارضة وخلق جبهة وطنية موحدة، ويقول قيادي فلسطيني يساري وهو غازي أبو جياب في مقابلة أجرتها معه مجلة «ميدل إيست ريبورت» عدد نوفمبر - ديسمبر 1994م: إن المشكلة بالنسبة لحملة د. حيدر عبدالشافي هي «أنه يفترض سلفًا وجود مؤسسات داخل منظمة التحرير الفلسطينية قابلة للإصلاح الديمقراطي، وحقيقة الأمر بالنسبة لمنظمة التحرير الفلسطينية اليوم هي أنها في أغلبها تقع تحت سيطرة رجل واحد هو عرفات الذي يتصرف بالأمور مثل زعيم قبلي أكثر منه رئيس إدارة سياسية! ويطلب حيدر عبدالشافي الإصلاح من القيادة: إن التغيير يجب أن يتم من خلال المواجهة مع عرفات»، وأبو جياب لا يدعو إلى العنف في المواجهة، وهو يعتقد بأن الإضرابات والمظاهرات وأشكال العصيان المدني قد تؤتي أكلها، ويذكر مثلًا لذلك النتائج الإيجابية للحملة الخاصة بوضع قضية المعتقلين في أجندة السلطة الوطنية الفلسطينية في مفاوضاتها مع الإسرائيليين.

إن حملة الدكتور عبدالشافي هي حملة ذات مقصد نبيل وكريم؛ ولكنها ستفضي إلى لا شيء.. إن نواة القضية هي أن عرفات ظل يحكم من خلال أسلوب الخداع والتمويه، ويمكنني أن أذكر أمثلة عديدة حدثت على مر السنين، وأحدث وأكبر كذبة كانت حول مسؤولية إياد وعناصر أجنبية عن أحداث قطاع غزة، ليس من المتوقع أن تكون آخر الكذبات، لذلك فإن عرفات لا يمكن أن يكون محل ثقة في الاحتفاظ بكلمته أو تعهده إزاء أي اتفاق ما لم يكن الاتفاق في مصلحته، وعلى المعارضة أن تفطن لهذا وأن تكون واضحة في هذه النقطة.

هل تدعو المعارضة إلى إجراء الانتخابات والمشاركة فيها؟ إن الإجابة على هذا السؤال معقدة، وسوف نجيب عليه في العدد القادم بمشيئة الله.

الرابط المختصر :