; دراسات في السيرة - حلقة 24- المدرسة الإصلاحية | مجلة المجتمع

العنوان دراسات في السيرة - حلقة 24- المدرسة الإصلاحية

الكاتب محمد النايف

تاريخ النشر الثلاثاء 23-ديسمبر-1975

مشاهدات 73

نشر في العدد 279

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 23-ديسمبر-1975

  • رواد المدرسة الإصلاحية من علماء المسلمين اجتهدوا فكانت لهم أخطاء.
  • لا يعنينا في تقويم هذه المدرسة الجانب السياسي أو الاجتماعي، فنحن مقيدون بتقويم ما كتبوه في السيرة.
  • تأويل المعجزات بدأ به رواد المدرسة بعد اتصالهم بالمستشرقين.

كنا فيما مضى نتحدث عن المستشرقين وتلامذتهم من الصليبيين العرب والملاحدة المنسوبين للإسلام. 

ولم يكن من العسير علينا أن نثبت كفرهم بالله سبحانه وتعالى، وخيانتهم في التأريخ، وحقدهم العميق في طمس الحقائق وتلويث مواقف أسلافنا التي هي أشد بياضًا من الشمس. في كل صفحة مما يكتبون كنا نجد جهلًا وافتراء وتضليلًا عن سوء قصد وخبث طوية، لم يكن من يكن من العسير علينا أن ندلل على كفر جورجي زيدان وبروكلمان وسلامة موسى وطه حسين فهم عند الذين كشف الله عن بصائرهم من المسلمين - رموز للشر وأعلام للشرك.

أما اليوم فنحن مع رواد المدرسة الإصلاحية، الذين عاشوا حياتهم يذودون عن الإسلام بألسنتهـم وأقلامهم، وبرزوا في علوم اللغـة والتفسير والحديث والمنطق، وجابوا ديار الغرب بعد أن شردوا من ديارهم بسبب أفكارهم التي يؤمنون بها، وهناك -في ديار الغرب- احتكوا بالمستشرقين فأخذوا عنهم وأعطوهم، واستمروا يدافعون عن الإسلام الذي جعله الله ناسخا للأديان السماوية.

وتأثر بالمدرسة الإصلاحية خلق كثير منهم دعاة نحبهم في الله ونشهد باستقامة طريقتهم في التبليغ والأمر بالمعروف. وإذن فنحن نقوم مدرسة روادها من علماء المسلمين، وهذا الشعور هو الذي دعاني لإعادة النظر والتدقيق فيما كتبوا، وفيمن كتب يدافع عنهم أو يهاجم أفكارهم، وما اكتفيت بقراءة آثارهم بل حاورت مؤيديهم ومعارضيهم طويلًا حتى شعرت براحة واطمئنان لهذا الذي أكتبه عنهم.

  • رواد المدرسة الإصلاحية:

۱- أمام هذه المدرسة وشيخها محمد عبده وتلميذه محمد رشيد رضا، وقرنت اسم رشيد رضا مع محمد عبده لأنه الناطق باسمه، بل إن كثيرًا مما قاله محمد عبده لا تعرفه إلا من كتابات رشيد رضا وفي تفسيره المنار في الأغلب ما يكتفي بنقل ما قاله شيخه، وآثارهمـا المكتوبة متداخلة ببعضها ومن الصعب عزل إحداهما عن الأخرى.

۲- محمد حسين هيكل وندرس كتابه «حياة محمد».

3- محمد الخضري: محاضرات تاريخ الأمم الإسلامية.

ونعرج في هذه الدراسة على آثار كتاب كبار ممن ينتسبون إلى هذه المدرسة ومنهم: فريد وجدي، أحمد أمين، الشيخ مصطفى المراغي، محمود شلتوت.

وإنما حصرنا كتاب هذه المدرسة بحث واحد لما بين الذي كتبوه من تشابه، فأهدافهم وأفكارهـم ومصادرهم متقاربة جدًا، فليس من اختلاف جوهري بين حياة محمد ومحاضرات تاريخ الأمم الإسلامية وتفسير جزء عم والمنار، وإن كان هناك فرق فهو في قوة الأسلوب وغزارة العلم، وجودة الديباجة، ومتانة العبارة. وحياة هذه المدرسة بدأت بعد عودة الشيخ محمد عبده من منفاه. صدر الحكم بنفي محمد عبده بعد ثورة عرابي عام ۱۸۸۲ فتنقل ما بين لبنـان وباريس حيث شكل مع جمال الدين الافغاني جمعية العروة الوثقى ثم زار بريطانيا فبيروت وسمح بالعودة الى مصر عام ۱۸۸۹.

 وبعد أن ألقى عصا التسيار في مصر بدأت مدرسته تتكامل من جوانبها المختلفة: السياسي والاجتماعي والإصلاح الديني.. ولن أتعرض للأثر السياسي لهذه المدرسة.

لن أتحدث عن جهود محمد عبده للتوفيق بين الإسلام والنصرانية في رسالته التي وجهها للقس «إسحاق تيلور» استجابة لنصيحة صديقه «مرزا باقر»، ولا عن ثناء المستشرقين عليه وكيف اعتبروه المعين الأول على تأسيس حركة التحرر العلمانية كما يقول جـــب وماذا كان وراء صلته بكرومر؟؟

 سوف لا أتحدث عن كل ما يتعلق بالجانبين السياسي والاجتماعي لمدرسة محمد عبده، لأني مقيد بما كتبوه في السيرة ولا أود الخروج عن موضوعية البحث، وثانيًا لأن الأخطاء السياسية من الممكن تأويلها وافتراض حسن نيته في كل ما أخطأ مع التنبيه على مخاطر تقليده في هذا الجانب، أما الأخطاء التي ارتكبها في التفسير وفي سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم فهي التي تستوجب التنبيه والتقويم.

كان من أبرز آثار المدرسة الاصلاحية تأويل المعجزات تأويلا يجعلها حدثًا مألوفًا عاديًا، وتوسع بعض رواد المدرسة فأنكروا المعجزات واعتبروها من الأساطير التي لا يقبلها المنطق ولا يستسيغها العقل، واجتهد محمد عبده بإثبات قيمة العقل بحيث جعله ندًا للوحي وقدمه على ظاهر الشرع عند التعارض.

وتأويل وإنكار المعجزات كان له سببان:

۱- عاصر محمد عبده وتلامذته ناسًا من شيوخ الأزهر وغيرهم من العلماء الذين جمدوا على التقليد، والتعصب المذهبي ، وتمسكوا بالخرافة والشعوذة فأعطوا صورة مشوهة عن الإسلام، فكانت المدرسة الإصلاحية تطرفًا يقابل تطرفًا.

2- تأثر محمد عبده بأفكار المستشرقين الذين اتصل بهم في لبنان وباريس وبريطانيا ثم استمرت صلتهم معه بعد عودته إلى مصر.

 وأوربا كانت تعبد العقل من دون الله خاصة بعد الاكتشافات العلمية الحديثة وسيادة الفلسفة العقلية، فأراد أن يثبت للأوربيين أن للعقل مكانة كبيرة في الإسلام وأن الخوارق والمعجزات باستثناء القرآن الكريم لا أصل لها في الإسلام.

وعرض الإسلام بهذه الصورة يدل على انهزامية محمد عبده أمام الحضارة الغربية، وجرأة على النصوص اليقينية لا عهد للكتاب الإسلاميين بها من قبل.

فالخوارق والمعجزات تنبني على الأدلة السمعية لا على الأدلة العقلية التي يدركها الإنسان ولو لم يسمعها من الأنبياء كوجود الله.

«والذين ينكرون المعجزات ينكرونها على ظن أنها غير ممكنة، وهم من غفلتهم يقيسون الإمكان والاستحالة بمقياس قدرة الإنسان وينسون قدرة الله التي ليس ببعيد عنها أن تهدم السموات والأرض وتنشئها من جديد» «۱»

والمستشرقون الذين اتصل بهم محمد عبده أو لم يتصل بهم منهم من لا يؤمن بالله أصلًا، ولا قيمة لإنكار المعجزات أو إثباتها إذا كان الإيمان بالله عندهم محل شك، فلا مجال اذن أن نداهن إليهم بإنكار ما هو ثابت بنص القرآن والأحاديث الصحاح، والواجب أن نقدم لهم الأدلة العقلية على إثبات وجود الله سبحانه وتعالى.

ومن المستشرقين من يؤمن بنبوة المسيح عليه السلام ويدين بالنصرانية، فكيف يرفعون المسيح إلى درجة الألوهية ويضفون عليه كثيرًا من الخرافات التي ما أنزل الله بها من سلطان ولا يؤمنون بمعجزات الرسول صلى الله عليه وسلم؟؟

 وكنا نتمنى أن رواد المدرسة الإصلاحية قد اتصلوا بالمستشرقين الذين يؤمنون بالمعجزات فلعلهـم كانوا يقلدونهم مثلما قلدوا المنكرين لها، ومخجل جدًا أن يثور زعماء هذه المدرسة على الجمود والتقليد عند بعض علماء المسلمين ليقعوا في تقليد ومحاكاة الذين لا يؤمنون بالله.

إن الإيمان بالخوارق وكافة الأمور الغيبية لا يتعارض مع الحقائق العلمية، ولقد نقل الشيخ مصطفى صبري كثيرًا من شهادات المستشرقين في الإيمان بالغيب نقتطف منها قول «ستوارت میل» عند انتقاده

لأفكار «هيوم» للمعجزات: «۲» 

«إن من لا يؤمن بموجود فوق الطبيعة ولا بتدخله في شؤون العالم لا يقبل فعل إنسان خارق للعادة على أنه معجزة، ويؤوله مطلقًا بما يخرجه عن كونه معجزة، لكن إذا أومن بالله فلا يكون تأثيره في العالم وسلطته عليه فرضية محضة بل احتمالًا جديًا. والحكم بعدم تدخل الله في شؤون العالم إنما يمكن بمعرفة السنة الإلهية في الماضي أو بمعرفة ما يلزم منطقيًا أن تكون السنة الإلهية كذلك «وأنصف «ويليام استانلي جوون» من كبار المنطقيين الانكليز حين قال:

«القدرة التي خلقت العالم لا تعجز عن حذف شيء منه أو إضافة شيء إليه، ومن السهل أن يقال عنه إنه غير متصور عند العقل، لكن الذي يقال عنه إنه غير متصور ليس غير متصور إلى درجة وجود العالم».

نعم إن وجود العالم معجزة، وخلق الإنسان معجزة، وتعاقب الليل والنهار معجزة!!

وعلماء غربيون ناقشوا امكانية وقوع الخارقة من الناحية العلمية فقال «أميل سسه»: 

«إن العلم مع كونه ترقى كثيرًا في مطالعة الطبيعة لم يثبت في وقت من الأوقات أن القوانين الطبيعية قوانين ضرورية هندسية» يعنى أنها ليست مستحيلة التغير.

وقال «له يبنج»: «ليست القوانين الطبيعية عندي محضة كما أدعي «بايل» ولا ضرورية بالضرورة الهندسية» وقال «هو كسله ي» من مشاهير علماء الانجليز:

«أنا لا أعلم محالًا غير التناقض ولهذا يوجد محال منطقي ولا يوجد محال طبيعي. يوجد محال عقلي ولا يوجد محال تجربي».

 وقال الرياضي الشهير «هانري بووانكاريه» في كتابه «الفرضية والعلم»: «القانون التجربي عرضة دائمًا للتصحيح فهو لا يزال يتوقع تبديله بقانون أقوى منه».

كنا نريد للإصلاحيين أن يضعوا العقل في الموضع الذي يستحقه، وهو ضيق ومحدود، ولا يجوز أن نرفعه إلى مرتبة التأليه والعبادة.

 كنا نريد لهم أن يحركوا عقولهم ضمن دائرة النصوص القرآنية والأحاديث النبوية، ولا يتقدموا على الأحكام الشرعية الثابتة بقول أو عمل.

وبهذه العقلية المؤمنة يكتبون ويناظرون ويغزون البلاد الأوروبية كما فعل أجداد لهم من قبل ففتح الله على أيديهم الهند والصين وإندونيسيا.

لكنهم بكل أسف أولوا أو أنكروا المعجزات ليجعلوا حياة الأنبياء عادية لا تختلف عن حياة الحكماء والعظماء والمصلحين.. وهذا الذي أوقعهم في مخاطر ومزالق أهمها:

 ۱- تضخيم قيمة العقل وتقديمه على ظاهر الشرع عند التعارض.

 ٢ - تأويل المعجزات وتوصـل أحدهم إلى إنكارها مع الاعتقاد بمعجزة القرآن وحدها.

٣- تأويل المعجزات قادهم إلى العبث في تفسير آيات القرآن والتشكيك في الأحاديث المجمع على صحتها.

وبدأ الانحراف كزاوية صغيرة ما زالت تنفرج وتتسع حتى جاء من ينكر نزول المسيح عليه السلام، والسحر، والشياطين والجن، والتشكيك بصحيحي البخاري ومسلم، ويرفضون أحاديث الآحاد في أمور الغيب، ويشترطون أن يوافق الحديث القرآن متجاهلين أن الحديث الصحيح تخصيص للقرآن.

 هذه الانحرافات التي ألصقها الإصلاحيون بسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم هي موضوع دراستنا بادئين بتأويل المعجزات.

۱ - ٢ القول الفصل بين الذين يؤمنون بالغيب والذين لا يؤمنون.

الرابط المختصر :