; دراسات في السيرة : أسلوب المستغربين في كتابة السيرة (الحلقة ٢) | مجلة المجتمع

العنوان دراسات في السيرة : أسلوب المستغربين في كتابة السيرة (الحلقة ٢)

الكاتب محمد النايف

تاريخ النشر الثلاثاء 15-يوليو-1975

مشاهدات 8

نشر في العدد 258

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 15-يوليو-1975

في كتاب «الشيخان»:

                    ·    تشكيك ومحاولة نسف للتاريخ الإسلامي

  • تكذيب لروايات وردت في صحيح البخاري لأنها لا توافق عقل المؤلف المضطرب!
  • طعن وتجريح بعدد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم

قال طه حسين عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «وقد ذكر الرواة أن عمر مر ذات يوم فإذا حسان في نفر من المسلمين ينشدهم شعرًا في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم فأخذ بأذنه وقال: أرغاء كرغاء البعير؟

قال حسان: إليك عني يا عمر! فوالله لقد كنت أنشد في هذا المكان من هو خير منك، فيرضى عمر عنه ويمضي».

وفقه هذه الرواية يسير لمن يلاحظ ما قدمناه من أن الأنصار كانوا موتورين وأن عصبيتهم كانت لا تطمئن إلى انصراف الأمر عنهم، فكانوا يتعززون بنصرهم للنبي صلى الله عليه وسلم وانتصارهم من قريش، وكان عمر قرشيًا يكره عصبية أن تزدرى قريش، وينكر ما أصابها من هزيمة - يعني في غزوة بدر»(1).

هذا ما اتهم به عمر رضي الله عنه في كتابه «في الشعر الجاهلي»، وعمر على عكس ذلك كان صاحب الرأي الذي أنزل الله فيه قرآنًا: قتل أسرى بدر وعدم قبول الفدية منهم، وكان يتمنى أن يظفر بأخيه زيد بن الخطاب ليقتله.

اتهم طه حسين الفاروق بأنه صاحب عصبية جاهلية يكره أن يحدث الأنصار عن هزيمة قريش في بدر!

وها هو يقول عنه في كتابه الشيخان: «والحمد لله الذي أتاح للإسلام عمر مثلًا أعلى للعدل والاستقامة (انظر: عمر مثلًا أعلى وليس الرسول صلى الله عليه وسلم!) في الحكم والتفوق في أمره كله على من جاء ومن يجيء بعده من الخلفاء والملوك»(2).

«لقد كان عمر قمة في عدله ومساواته وزهده، وإن إسلامه كان فتحًا، وهجرته نصرًا، وإمارته رحمة».

فماذا وراء هذا الثناء والمدح لعمر بن الخطاب؟! وهل عاد عن اتهامه له بالعصبية الجاهلية؟! وهذا ما سندرسه في كتابه «الشيخان».

محاولة نسف التاريخ الإسلامي:

في مقدمة الكتاب الوجيز يعرب طه حسين عن غرضه وأهدافه، ولننقل بعضًا من هذه الفقرات فهي خير شاهد عليه:

«... وأنا بعد ذلك أشك أعظم الشك فيما روي عن هذه الأحداث، وأكاد أقطع بأن ما كتب القدماء من تاريخ هذين الإمامين العظيمين، ومن تاريخ العصر القصير الذي وليا فيه أمور المسلمين، أشبه بالقصص منه بتسجيل حقائق الأحداث التي كانت في أيامهما».

«وإذا كان من الحق أن النبي صلى الله عليه وسلم نفسه قد كذب الناس عليه، وكان كثير من هذا الكذب مصدره الإكبار والتقديس، فلا غرابة في أن يكون إكبار صاحبيه العظيمين وتقديسهما مصدرًا من مصادر الكذب عليهما أيضًا».

ويتجاهل طه حسين كيفية التأريخ؛ فيتساءل بغباء مصطنع: كيف يؤرخ هذه الأحداث من لم يشهدها؟!

وعندما يُجابه بأن الذين شهدوا هذه الأحداث بارك الله في أعمارهم فرووها للتابعين يقول:

«والذين يشهدون هذه الوقائع ويشاركون فيها لا يستطيعون أن يصفوها هذا الوصف الدقيق الصادق، لأنهم لم يروا منها إلا أقلها وأيسرها، لم يروا إلا ما عملوا هم وما وجدوا، وقد شغلهم عما عمل غيرهم».

وهذا الادعاء المتهافت سبق أن سلطنا عليه الأضواء عند حديثنا عن «تدوين السيرة النبوية».

وبينما طه يفكر بأسباب يشكك فيها بالتاريخ الإسلامي إذ يلجأ إلى هذا السبب، وبئس ما لجأ إليه:

«إن الذين رووه (التاريخ الإسلامي) هم المنتصرون وحدهم، بل من طريق الذين لم يشهدوا الانتصار بأنفسهم، وإنما نقلت إليهم أنباؤه نقلًا أقل ما يمكن أن يوصف به أنه لم يكن دقيقًا. وهم لم يسمعوا أنباء هذا الانتصار من المنهزمين بين فرس وروم وأمم أخرى شاركتهم في الحرب وشاركتهم في الهزيمة، فهم سمعوا صوتًا واحدًا هو الصوت العربي، وأيسر ما يجب على المؤرخ المحقق أن يسمع أو يقرأ ما تحدث به أو كتبه المنهزمون والمنتصرون جميعًا».

وإذا كان الصوت المنتصر أمينًا في روايته، عدلًا في شهادته وحكمه، سلك أسلوب التحقيق العلمي في جميع أخباره، فإن صوت المنهزمين من علوج الرومان الذي تطوع «طه» أن يكون لسان حاله مطعون بعدالته، محكوم عليه بالكذب، لا يعرف طعم الأمانة؛ ويأبى الطريق الذي يوصله إلى الحقيقة.

ومن المقدمة وحدها نعلم أن طه حسين اتخذ من الشيخين رضي الله عنهما تقية وستارًا ليعبث في تاريخ أمتنا الإسلامية، ويطعن بالرواة الثقات من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعين وتابعي التابعين، وينكر أحاديث متفق على صحتها. وعلة «طه» حمقه، وحمقه ينسيه ما تعلمه من دروس في «باريس» في الدس والمراوغة، وآفة التعلم النسيان والطبع يغلب التطبع، وبسبب حمقه حشد أهدافه وأغراضه في المقدمة كما فعل في الكتاب السابق «على هامش السيرة».

ويمضي طه حسين في كتابه على غرار ما ذهب إليه في المقدمة، مشككًا بالرواية والراوي، ويتكرر هذا الأسلوب في كل حادثة من الحوادث، فيقول عما جرى بين المهاجرين والأنصار في سقيفة بني ساعدة:

«ولست أطمئن إلى أكثر ما يرويه الرواة من نصوص الحوار الذي كان بين أبي بكر وصاحبيه من جهة، وبين الأنصار أوسهم وخزرجهم من جهة أخرى، فهم يروون هذا الحوار رواية من شهد اجتماع القوم وسمع ما كان فيه من الأحاديث والخطب، ثم لم يكتف بالسماع، وإنما سجل ما قال القوم حرفًا حرفًا، بل سجل حرکات القوم وإشاراتهم، ولو قد استطاع لسجل نبرات الأصوات، مع أن هذا الحوار وأمثاله لم يدون إلا بأخرة، بعد انقضاء عصر الخلفاء الراشدين وصدر من ملك بني أمية، ولم ينقل هذا الحوار وأمثاله إلى القصاص والمؤرخين مكتوبًا، وإنما نقل إليهم مشافهة، وصنعت فيه الذاكرة صنيعها، وتعرض بعضه للنسيان، وببعضه لتغيير اللفظ، وصنعت فيه الأهواء السياسية صنعتها أيضًا»(3).

كما قلت: هذا الكلام ترديد لما جاء في المقدمة وليس مدعومًا بدليل أو برهان.

أمثلة من أباطيله:

وإذا كانت أباطيله كثيرة، وليس بوسعنا - في مثل هذا البحث - أن ندرس كل رواية؛ رأينا أن نختار ثلاثة نماذج منها:

1- يسوق مراجعة العباس لعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما ليُكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيمن يكون أمر الخلافة بعده، وأن عليًّا امتنع.

يقول عن هذه الحادثة: «فلا حاجة إذن إلى أن نخترع الأحاديث لإثبات ما لا حاجة إلى إثباته، كالحديث الذي يروى من أن العباس عرف الموت في وجه النبي صلى الله عليه وسلم، وكان يعرف الموت في وجوه بني عبدالمطلب».

والغريب أن الطبري يروي هذا الحديث من طريقين دون أن ينكر منه شيئًا، مع أن التكلف فيه ظاهر».

وهذا الحديث الذي يرى طه أنه مخترع رواه البخاري في كتاب المغازي من صحيحه، ونقله ابن كثير في البداية والنهاية من حديث الزهري عن عبدالله بن كعب بن مالك عن ابن عباس، ورواه الإمام أحمد في مسنده(4)، وبالتأكيد طه يعلم رواة هذا الحديث وأراد التشكيك، وكل ما أورده من تسويغ لكلامه: «وأعتقد أن عليًا كان أكرم على نفسه وأشد حبًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم من أن يقول هذه المقالة أو يفكر هذا التفكير».

ومثل هذا الكلام كقول شياطين الإنس ممن هم على شاكلة طه: «الإسلام دين عظيم وعقيدة سامية فلا تلوثوه بالسياسة والحكم!».

2- ويقول عن عمر رضي الله عنه:

«ويزعم الرواة أنه حين استسقى أخذ بيد العباس عم النبي وتوسل به إلى الله، وأنه لم يتم استسقاءه حتى أرسل الله الغيث. وواضح أن هذا تكلف مصدره التملق لبني العباس أثناء حكمهم» (ص: 151).

والحديث رواه البخاري في صحيحه عن أنس أن عمر خرج يستسقي وخرج بالعباس معه يستسقي به، وقال: «اللهم إنا كنا إذا قحطنا توسلنا إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا قال: فيسقون»(5).

ورواه ابن كثير في البداية والنهاية(6)، وشيخ الإسلام ابن تيمية في رسالته «التوسل والوسيلة»(7).

3- وفيما يتظاهر بتعظيم عمر بن الخطاب والدفاع عنه ينكر أن يكون قد راجع أبا بكر معترضًا على حرب المرتدين فيقول:

«ويزعم الرواة أن عمر قد شرح الله صدره لقتال المرتدين حين رأى أن الله قد شرح لهذا القتال صدر أبي بكر. ولست أقبل هذه القصة بحال، فوجوه المسلمين من أصحاب رسول الله أعلم بدينهم من أن يجادلوا أبا بكر في الزكاة، ولم يكن عمر أقلهم علمًا بالإسلام، إلى عرف من شدة عمر في الحق، ولم يكن عمر ولا أبو بكر قد عرفا هذا اللون من الجدل الذي ألفه الفقهاء والمتكلمون فيما بعد» (ص: 66).

ومراجعة عمر لأبي بكر صحيحة، رواها الجماعة في كتبهم سوى ابن ماجه -أي رواها البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي.

وفي جميع الحوادث التي ينكرها طه حسين يعتمد في إنكاره على عقله الذي وصفه هو نفسه بالتناقض والاضطراب، ولا يرتكز على أي مستند علمي.

ولأن طه يعلم أن التشكيك برواة التاريخ الإسلامي الأعلام العدول محاولة لنسف التاريخ من أصله، لأجل هذا يناصبهم العداء، ويذكر أي خبر لهم بقوله: «ويزعم الرواة!»، وكلمة «يزعم» تُقال للخبر المشكوك فيه.

وأخيرًا يستخدم العصبية الجاهلية؛ بأن أكثرهم موالي ويكرهون العرب دون أن يذكر أسماءهم.. ومعظم الرواة من غير العرب، وفي مقدمتهم ناصر السنة الإمام البخاري رضي الله عنه.

يقول طه: «وما ينبغي أن ننسى أن من الرواة من كانوا من الموالي الذين لم تبرأ قلوبهم من الضغن على العرب، لأنهم فتحوا بلادهم وأزالوا سلطانهم، ثم استأثروا من دونهم بالأمر أيام بني أمية.. وإذا كان الكذب قد كثر على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأي غرابة في أن يكثر على المؤمنين من أصحابه؟» (ص: 39).

والله سبحانه وتعالى قد طهر قلوب رواتنا الثقاة من كل عصبية سوى عصبية الحق والذود عنه.

ولوغه في أعراض الصحابة:

شارك طه حسين جرجي زيدان وبروكلمان في تجريح أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلمز أبا هريرة وسعد بن أبي وقاص، وتحامل على معاوية، وأوغل في عرض سيف الله خالد بن الوليد، ووجد في القصص التي اختلقها الوضاعون من أعداء الله عبر التاريخ الإسلامي ذريعة للطعن بأعظم قائد عرفته المعارك بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

يذكر قتل خالد لمالك بن نويرة واستدعاء أبي بكر له يعاتبه على هذه الواقعة فيقول:

«وهذه القصة تبين لنا بوضوح ما أشرت إليه من عنف خالد وإسرافه في القتل، وتظهر خلقًا آخر وهو حبه للتزوج، وسنرى مظهرًا آخر من مظاهر هذا الحب، وتظهر لنا خَلقًا ثالثًا لم يكن مقصورًا على خالد، وإنما كان خلقًا معروفًا في عشيرته من بني مخزوم، وهو العجب والخيلاء» (ص: 80).

وما زال يتطاول على سيف الله خالد حتى جاء بأسطورة لم يشهدها تاريخ الفتوحات الإسلامية، ونكص المستشرقون عن نقل مثل هذه الأكاذيب! قال عن حرب خالد بن الوليد مع الفرس:

«حلف في إحدى الوقائع لئن أظفره الله على عدوه ليجدن في قتلهم حتى يجري نهرهم بدمائهم، فلما انهزم العدو أمامه أمر المنادين، فنادوا في الجيش أن تتبعوا الأسرى ولا تقتلوا منهم إلا من امتنع عليكم، فمضى المسلمون في تتبع المنهزمين حتى أخذوا منهم عددًا ضخمًا، وأراد خالد أن يبر بيمينه فصد الماء عن النهر وجعل يقدم الأسرى فيضرب أعناقهم في مجرى النهر يومًا وليلة حتى قال له القعقاع بن عمرو وآخرون معه، وقد رأوا ما رأوا من الإسراف في قتل الأسرى: إن الدماء لا تجري.. فأجرِ الماء يبرَّ يمينك. فلما أجرى الماء إلى النهر جرى ذلك النهر دمًا، فسمي نهر الدم» (ص: 87)

أثبت طه هذه الرواية الخيالية في حين أنكر الروايات التي رواها البخاري رضي الله عنه، وهو يريد من وراء ذلك أن يصور الفتوحات الإسلامية وقواد المسلمين «بالهمجية»! ولم تثبت سائر الروايات التي فيها طعن بخالد وخلافه مع عمر بن الخطاب رضي الله عنهما. ولقد نقل ابن كثير في البداية والنهاية عن البخاري في التاريخ وغيره من طريق علي بن رباح عن باسر بن سمي البلوي قال: «سمعت عمر يعتذر إلى الناس بالجابية من عزل خالد، فقال: أمرته أن يحبس هذا المال على ضعفة المهاجرين فأعطاه ذا البأس، وذا الشرف واللسان»(8).

وهل يرضى الشيخان اللذان زعم طه أنه يحبهما، وقد خصهما بهذا الكتاب، عن محاولته لنسف التاريخ الإسلامي وتكذيب الرواة من سلفنا الصالح، والطعن بالصحابة؟!

المصادر:

1.      الفكر الإسلامي المعاصر: غازي التوبة (ص: 135)

2.      الشيخان: طه حسين (ص: 129 - 262)

3.      الشيخان: طه حسين (ص: 38)

4.      العواصم من القواصم: القاضي أبو بكر بن العربي (ص: 186)

5.      صحيح البخاري: كتاب الاستسقاء

6.      البداية والنهاية: (جـ 7 / ص: 162)

7.      التوسل والوسيلة: ابن تيمية (ص: 64)

8.      البداية والنهاية: (جـ 7 / ص: 115)

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل