; دراسات في السيرة.. أسلوب المستغربين في كتابة السيرة | مجلة المجتمع

العنوان دراسات في السيرة.. أسلوب المستغربين في كتابة السيرة

الكاتب محمد النايف

تاريخ النشر الثلاثاء 24-يونيو-1975

مشاهدات 74

نشر في العدد 255

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 24-يونيو-1975

دراسات في السيرة..

أسلوب المستغربين في كتابة السيرة

      ألف طه حسين -على هامش السيرة- عام 1923م، وكان في أوج تطاوله على الإسلام وتجريحه لعقيدة المسلمين، لكنه أخذ درسًا لا ينساه من تجربته في كتابه الشعر الجاهلي، وعلم من هذا الدرس أن النيل من الدين الإسلامي لا يكون مواجهة وفي وضح النهار، بل لا بد من المراوغة والمداهنة، وأن يتدسس إليه في ليل حالك الظلام.

      وبعد -على هامش السيرة- بسنتين ألف كتابه -من بعيد- وفي فصل منه بعنوان: -بين العلم والدين- اعتبر أن الخصومة بين العلم والدين جوهرية لا بد منها، لا فرق في ذلك بين دين وآخر ثم تلاه -مستقبل الثقافة في مصر عام 1936- ودعا في هذا الكتاب إلى اعتناق الحضارة الغربية، واعتبار مصر جزءًا من الغرب؛ أي من البحر المتوسط.

       هذا من حيث الزمن الذي ألف فيه الكتاب، أما فحوى الكتاب فمن الظلم الكبير أن يسمى -على هامش السيرة وأنصف لو أسماه- على هامش الشعر الجاهلي-، ولكن أين طه من الإنصاف؟

      هدفه من تأليف الكتاب: ساء طه حسين أن يكون لليونان أساطيرهم، وللرومان أساطيرهم، وأن الناس يقبلون برغبة ملحة على دراسة هذه الأساطير، ثم لا يجد الراغبون في القراءة والمتعة أساطير للعرب يتناقلها الناس. 

ومن أجل هذا ألف الكتاب ليكون أسطورة عربية، وها هو يقول: 

-وليس خلود الإلياذة يأتيها من أنها تقرأ فتحدث اللذة، وتثير الإعجاب في كل وقت وفي كل قطر، بل هو من هذا، ومن أنها قد ألهمت وما زالت تلهم الكتاب والشعراء، وتوحي إليهم أروع ما أنشأ الناس من آيات البيان.

     ولقد كان -إيسكولوس- أبو التراجيديا اليونانية يقول إنه إنما يلتقط ما يسقط من مائدة هوميروس، وما زال القصاص وشعراء التمثيل والغناء في الغرب خليقين أن يقولوا الآن ما كان يقوله إيسكولوس منذ خمسة وعشرين قرنًا، ولم تكن قصص إيسكولوجي وغيره من شعراء التمثيل اليوناني أقل خصبًا من الإلياذة، بل هي قد ألهمت من الكتاب والشعراء قديمًا وحديثًا، وما زالت قادرة على أن تلهمهم إلى اليوم وإلى الغد.

     ويذكر أنه قرأ قصة تمثيلية صاحبها -جيرودو- وكانت أسطورة تتصل بمولد هرقل، فصورها سوفوكل قصة تمثيلية في القرن الخامس قبل المسيح، وما زال الشعراء والكتاب من اليونان والرومان والأوروبيين المحدثين يتأثرون ويذهبون مذهبه أو غير مذهبه في تصوير هذا الموضوع، حتى انتهت القصص التي كتبت فيه شعرًا ونثرًا إلى هذا العدد الضخم، ولم يحجم فحول التمثيل عن طرق هذا الموضوع لأنهم سبقوا إاليه، بل زادهم ذلك حرصًا عليه ورغبة فيه، وكان بين الذين طرقوه الشاعر اللاتيني -بلوت- والشاعر الفرنسي -موليير- ثم جاءت قصة جيرودو في باريس عام 1929 وعلى غرار الأساطير اليونانية والرومانية يمكن أن نأخذ من أدبنا العربي، ففي الأدب العربي قوته الخاصة، وما يكفل للناس من لذة ومتاع، فأحاديث العرب الجاهليين

        «على هامش السيرة» هو في حقيقته على هامش الشعر الجاهلي ومتمّم له

وأخبارهم لم تكتب مرة واحدة.. وقل مثل ذلك في السيرة نفسها. 

وينتهي إلى القول: إلى هذا النحو من إحياء الأدب القديم، ومن إحياء ذكر العرب الأولين، قصدت حين أمليت فصول هذا الكتاب. ولست أريد أن أخدع القراء عن نفسي ولا عن هذا الكتاب، فإني لم أفكر فيه تفكيرًا ولا قدرته تقديرًا، ولا تعمدت تأليفه وتصنيفه، كما يتعمد المؤلفون، إنما دفعت ذلك دفعًا، وأكرهت إليه إكراهًا، ورأيتني أقرأ السيرة فتمتلئ بها نفسي، ويفيض بها قلبي، وينطلق بها لساني، وإذا أنا أملي هذه الفصول-. 

وأحسب أن نفسه امتلأت حقدًا على السيرة، وأن قلبه فاض كرهًا لصاحب السيرة صلى الله عليه وسلم فانطلق لسانه ينطق دسًا وتشويها. 

وهو فيما كتب لم يستفد من مواهب ابن هشام والذهبي وابن القيم والسهيلي رحمهم الله وأسكنهم فسيح جناته، لم يتأثر من أسلوبهم العلمي في التحقيق والأمانة ويصوغه في أسلوب عصري فالله سبحانه وتعالى لم يأذن لذرة من الاستقامة والأمانة أن تدخل عقله. 

ولقد كتب ما كتب متأثرًا بجيرودو و- بلوت- و- موليير- و- ايسكولوس-، ولما كان يقلدهم في كل شيء فأقبل على السيرة النبوية يصنع منها أساطير كأساطيرهم.

وليته توقف عند هذا الحد، ليته توقف عند اعتبار كتابته في السيرة صورة لإحياء الأدب القديم، ووسيلة إلى اللذة والمتاع، واستراحة من متاعب الحياة وصعوبات البحث والتحقيق.

كلا لم يتوقف عند هذا الحد، ولم يخجل من كشف الناس لتطرفه وبعده عن الصواب بل قال:

- هذه صحف لم تكتب للعلماء ولا للمؤرخين، لأني لم أرد بها إلى العلم ولم أقصد بها إلى التاريخ-. 

 _وأنا أعلم أن قومًا سيضيقون بهذا الكتاب، لأنهم محدثون يكبرون العقل، ولا يثقون إلا به، ولا يطمئنون إلا إليه. وهم لذلك يضيقون بكثير من الأخبار والأحاديث التي لا يسيغها العقل ولا يرضاها. وهم يشكون ويلحون في الشكوى حين یرون كلف الشعب بهذه الأخبار، وجده في طلبها، وحرصه على قراءتها والاستماع لها. وهم يجاهدون في صرف الشعب عن هذه الأخبار والأحاديث، واستنقاذه من سلطانها الخطر المفسد للعقول. هؤلاء سيضيقون بهذا الكتاب بعض الشيء لأنهم سيقرءون فيه طائفة من هذه الأخبار والأحاديث التي نصبـوا على هامش السيرة

أنفسهم لحربها ومحوها من نفوس الناس.

      وأحب أن يعلم هؤلاء أن العقل ليس كل شيء، وأن الناس ملكات أخرى ليست أقل حاجة إلى الغذاء والرضا من العقل، وأن هذه الأخبار والأحاديث إذا لم يطمئن إليها العقل ولم يرضها المنطق، ولم تستقم لها أساليب التفكير العلمي، فإن في قلوب الناس وشعورهم وعواطفهم وخيالهم وميلهم إلى السذاجة، واستراحتهم إليها من جهد الحياة وعنائها- ما يحبب إليهم هذه الأخبار، ويرغبهم فيها، ويدفعهم إلى أن يلتمسوا عندها الترفيه على المنفس حين تشق عليهم الحياة، وفرق عظيم بين من يتحدث بهذه الأخبار إلى العقل على أنها حقائق يقرها العلم، وتستقيم لها مناهج البحث، ومن يقدمها إلى القلب والشعور على أنها مثيرة لعواطف الخير، صارفة عن بواعث الشر، معينة على اتفاق الوقت واحتمال الحياة وتكاليف العيش.

      هكذا يرى طه حسين أن السيرة النبوية لا تستقيم أمام حقائق التاريخ، ولا تثبت أمام المنهج العلمي؛ لأن العقل لا يسيفها ولا يرضاها، ولم يخاطب العقل والمنطق فيما كتب، وإنما خاطب القلب والعواطف والشعور للتسلية، وإنفاق الوقت واحتمال الحياة وتكاليف العيش.

      ومن المقدمة وحدها نعلم أن -طه حسين- صاحب- الشعر الجاهلي يتغير، لقد شهد على نفسه بالكفر والزندقة عندما زعم أن المسيرة النبوية أسطورة لا يقبلها عقل، ولا منطق، وليست من العلم والتاريخ؛ لقد كفر لأن القرآن الكريم مصدر رئيسي من مصادر السيرة، والسيرة وصلت إلينا -كما رأينا في فصول سابقة- من أوثق المصادر العلمية وامتنها، وشهد بذلك الصديق والعدو ممن ينحني طه حسين أمامهم تعظيمًا وعبودية -كجون دیون بورت -وريوروند باسورث سميث- وغيرهما، والمسلمون يدرسون السيرة ومصادرها، فيأخذون منها عقيدتهم وعبادتهم وقدوتهم، ولا يدرسونها للمتعة والتسلية كما يفعل الملاحدة، وسنمضي ومنهم طه حسين في دراسة الكتاب رغم ما في المقدمة من وضوح في كشف منهج المؤلف. 

المنهج الذي سار عليه المؤلف: 

     رغم أن موضوع الكتاب عن السيرة النبوية، إلا أن السيرة لم تستحوذ إلا على خمس الكتاب، فتحدث عن قريش قبل الإسلام، وقساوسة مصر والشام، وحمير، ونصارى اليمن أضعاف حديثه عن الإسلام.

ومنهجه في الأخبار التي أوردها:

  1. على ما اخترعه من قصص وروايات، وعن هذا يقول:

-وأحب أن يعلم الناس أيضًا أني وسعت على نفسي في القصص، ومنحتها من الحرية في رواية الأخبار واختراع الحديث، وتظهر شطحات خياله وأكاذيبه في كل صفحة من صفحات الكتاب، ولا يرى الرجل بأسًا في ذلك؛ لأنه يعتقد أن الذي يكتبه أسطورة. 

 2- وإذا كان الحديث عن شخص النبي -صلى الله عليه وسلم- تراه يأخذ بالأحاديث الموضوعة، وسنعرض نموذجًا لذلك في قصة زواج الرسول -صلى الله عليه وسلم- من زينب بنت جحش. 

     وفي حين يأخذ أحاديث موضوعة يرد أحاديث صحيحة؛ لأنها خالفت مزاجه وهواه، ثم يعول كثيرًا على الإسرائيليات التي جاءت في الطبري، وأكثر منها الواقدي وأحيانًا ابن إسحاق.

      ومعلوم عند علماء الجرح والتعديل أن روايات ابن إسحاق عن أهل الكتاب وعما قبل النبوة لا يعتد بها.

 خوارق لا أصل لها:

      يصنع طه حسين من -كيمون- شخصية خيالية، يدعو على حية عظيمة ذات رؤوس سبعة فماتت في مكانها، ورأى صبيًا ضريرًا سيئ الحال فيدعو له وينهض الصبي مبصرًا وليس به بأس، ويشاهده الناس في حجرة مضيئة في الليل من غير مصباح. 

     وهذه الخوارق تحدث في قرى متعددة، فيؤمن الناس به، وعندما يكشف أمره يفر من القرية، وأخيرًا جاء إلى أهل بلد يعبدون نخلة فيسأل الله هلاكها فتأتي ريح عاصفة فتقتلع النخلة.

 ص: 93 – 101. 

      ويتحدث عن الفتى الفيلسوف -كلكراتيس- وكيف رأى أشعة ضئيلة تضطرب في هذه الظلمة، فلا تستطيع أن تجلوها، ولا أن ترقق من كثافتها، ثم يسمع صوتًا غليظًا خشنًا يقول له:

- عجبت للذين يريدون ولا يفعلون، ويعزمون ولايتممون، ويقصدون إلى العراق وهمهم في الحجاز، ويرحلون إلى -نسطور- وشفاؤهم عند الصبي العربي اليتيم.

ص: 247.

     والأساطير كثيرة جدًا في كتابه يستشهد بها عند حفر زمزم على يد عبد المطلب، ويبالغ جدًا في ذكرها عند ولادة الرسول -صلى الله عليه وسلم- مع أنه لم يثبت منها إلا حديث واحد، وكذلك يجسم بعض المعجزات التي حدثت لمحمد -ﷺ- عند مرضعته حليمة السعدية، وأثناء سفر رسول -صلى الله عليه وسلم- في تجارة لخديجة -رضي الله عنها- وأن ميسرة كان يرى شخصين يظلانه -ﷺ- يسعيان في الهواء سعيًا رفيقًا، ولا يمشيان على الأرض، تحسهما العين ولا تحققهما.

الرابط المختصر :