; لبنان إلى أين؟.. الحلقة الأخيرة | مجلة المجتمع

العنوان لبنان إلى أين؟.. الحلقة الأخيرة

الكاتب عبد الرحمن الناصر

تاريخ النشر الثلاثاء 20-مارس-1984

مشاهدات 81

نشر في العدد 663

نشر في الصفحة 30

الثلاثاء 20-مارس-1984

  • الهدف الاستراتيجي من الغزو تقسيم لبنان تمهيدًا لبلقنة المنطقة.
  •  ضرب التحالف الفلسطيني الإسلامي كان أهم إنجاز للغزو الصهيوني.

 

تعرضنا في الحلقة الأولى للتضليل الإعلامي الذي مارسته وما زالت تمارسه وسائل الإعلام المختلفة تجاه الرأي العام العربي والإسلامي فيما يتعلق بالقضية اللبنانية، وأشرنا إلى أن الطرح الإسلامي هو الطرح الذي يُلقي الضوء على حقيقة الأحداث لاعتماده على الحقائق القرآنية والوقائع التاريخية.... إلخ

 وفي الحلقة الثانية تعرضنا إلى موقف النصارى من خلال الأحداث و الوثائق، كما تعرضنا إلى موقف الدروز.

 وفي الحلقة الثالثة بينا موقف حركة أمل وتمركزها الجديد في بيروت الغربية.

 واليوم نتعرض لموقف العدو الصهيوني من القضية اللبنانية.

العدو الصهيوني

إن الحقيقة التي باتت معروفة لدى جميع المهتمين بالقضية الفلسطينية أن الكيان الصهيوني ومنذ نشأته عام ١٩٤٨م وَضَع خططه المستقبلية الخاصة بالترتيبات الأمنية التي تحفظ الكيان المصطنع نظرًا لقناعة زعماء يهود من أن وجودهم في قلب العالم الإسلامي إنما هو حقيقة زائفة لا يمكن أن تتفق مع أي معيار من المعايير السياسية والتاريخية والاجتماعية والاقتصادية والدينية ....إلخ.

لذا فإن حقيقة الحياة داخل الكيان الصهيوني تشبه وإلى حدٍ بعيد الحياة التي يعيشها الجند في الثكنات العسكرية، ومن هنا كان تطلع الساسة اليهود إلى قضيتهم من خلال منظارين: الأول ويتعلق بالجانب العسكري لضمان الأمن اللازم لكيانهم؛ لذلك عمل اليهود بأقصى طاقتهم على بناء ترسانة عسكرية لا تتناسب فقط مع الترسانات العسكرية للدول العربية بل تتفوق عليها و باستمرار، ومن هنا كانت حروب المنطقة منذ عام ١٩٤٨م وانتهاءً بالغزو الأخير للبنان عام ١٩٨٢م. تؤكد على تفوق المؤسسة العسكرية اليهودية كما أن هذه الحروب كانت تتفق دائما مع نظرية الأمن اليهودي.

أما المنظار الثاني فيتعلق بالجانب الاستيطاني لضمان استمرارية هذا الكيان وهذا يفسر الهجرة المستمرة إلى فلسطين المحتلة؛ لذلك كان لا بد من تأمين الأرض اللازمة لاستيعاب هذه الهجرة اليهودية، ومن الطبيعي أن يتم الحصول على هذه الأرض عن طريق الاستيلاء عليها بالقوة العسكرية ومن هنا أيضًا نستدل على أن الحرب اليهودية -العربية كانت تهدف إلى جانب تحقيق الأمن الاستيلاء على الأرض اللازمة لبناء المستوطنات لإقامة أفواج المهاجرين المتتالية.

 إذن كان العدو الصهيوني يهدف من حربه على الجبهة المصرية إلى الحصول على الأمن وتم له ذلك بإبرام اتفاقيات كامب ديفيد، وعلى الجبهة السورية باستيلائه على هضبة الجولان الاستراتيجية، وعلى الجبهة الأردنية كان يهدف للحصول على الأرض وتم له ذلك بالاستيلاء على الضفة الغربية حيث أقام العديد من المستوطنات اليهودية حتى باتت الضفة الغربية مهددة بطمس معالمها العربية وتحويلها إلى منطقة يهودية كما هو الحال في فلسطين المحتلة.

وهنا لنا أن نتساءل إذا كان العدو الصهيوني قد حقق أهدافه الأمنية والاستيطانية من خلال حروبه السابقة على الجبهات المصرية والسورية والأردنية فلماذا يغزو لبنان؟

أهداف الغزو الصهيوني للبنان!

بداية نقول: يُخطئ من يظن أن الغزو الصهيوني للبنان عام ۱۹۸۲م تم بدافع القضاء على المقاومة الفلسطينية المتواجدة في لبنان فقط؛ لأن من يحصرها بهذا السبب فقط إما أن يكون جاهلًا بحقيقة التوجهات الاستراتيجية للعدو الصهيوني، وإما أن يكون من هؤلاء الذين دأبوا على تضليل الرأي العام الإسلامي وتحويله عن حقيقة الصراع الدائر في قلب العالم الإسلامي، وهذا التضليل يشترك فيه بعض الإعلاميين ورجال السياسة.... إلخ.

إن التحرك الصهيوني ضد التواجد الفلسطيني لم يكن السبب المباشر للغزو إنما كان وسيلة لتحقيق الأهداف الخاصة بالاستراتيجية الصهيونية، والتي وضعت قبل أن تتواجد المقاومة الفلسطينية على الأرض اللبنانية بثلاث أو أربع عقود زمنية وحتى قبل أن تنشأ حركة المقاومة ذاتها.. إن تواجد حركة المقاومة بالشكل المُكثف على الأرض اللبنانية وتركزها في المناطق الإسلامية وتحالفها مع سكان هذه المناطق كان السبب المباشر الذي عجل بحدوث الغزو الصهيوني للبنان.

 وإن الاستراتيجية الصهيونية التي وضعها زعماء العدو منذ إنشاء الكيان اليهودي نَصَّت على ضرورة إيجاد كيانات مجاورة لكيانهم، على أن تبنى هذه الكيانات على أساس التوزع الطائفي في المنطقة بحيث تكون هذه الكيانات الطائفية مُماثلة لكيانهم القائم على أساس ديني؛ ومن ثم فإن هذه الكيانات الطائفية ستعمل على تأكيد شرعية إنشاء الكيان اليهودي في فلسطين المحتلة من ناحية، ومن ناحية أخرى فإنه نظرًا للتقدم السياسي والتكنولوجي للكيان اليهودي فإن الكيانات الطائفية الأخرى ستكون ضعيفة من جميع النواحي مما سيؤدي إلى وقوعها تحت الهيمنة التامة للكيان اليهودي المتقدم.

 وهذا ما أكدته المذكرات الخاصة بموشي شاربت أول وزير خارجية لدولة العدو والذي أصبح بعد ذلك رئيسًا للوزراء، ومذكرات بن غوريون الذي يُعتبر مؤسس الكيان الصهيوني وكانت خطة بن غوريون تقضي بضرورة تقسيم البلاد المجاورة لدولته إلى كانتونات طائفية تشابه الكانتون اليهودي الذي أقيم في فلسطين المحتلة، ولما كان لبنان هو أضعف الحلقات في الدول المحيطة بالعدو إضافة الى تواجد عدة طوائف دينية على أرضه وتمكن الصراع بين بعض هذه الطوائف منذ القرن التاسع عشر كما هو الحال بين الطائفتين المارونية والدرزية.

ومن هنا فإن العدو الصهيوني لم يكتفِ بمسافة ٤٠ كم التي حددها في بداية الغزو إنما استمر في التقدم نحو بيروت والجبل وطريق بيروت دمشق حتى باتت قواته منتشرة في معظم الأراضي اللبنانية، وكان هدفه من هذا الانتشار رسم الخطوط الأولية لتقسيم لبنان، واستطاع خلال الأسابيع الأولى من الغزو إزاحة العقبة الأولى والأساسية في طريق تنفيذ هدفه، وتتمثل هذه العقبة بالتحالف القائم بين المقاومة الفلسطينية وأهل السنة سكان بيروت الغربية الذين وقفوا وحدهم يدافعون عن الوجود الفلسطيني في لبنان، بينما ظهرت القوى الأخرى التي كانت تلبس اللبوس الوطني على حقيقتها التي إما لم تكن معلومة لدى حركة المقاومة أو أن المقاومة وقعت أسيرة التعاطف النظري والادعاء الوطني؛ فاستفادت هذه القوى من المقاومة ثم تخلت عنها حين الحاجة إليها، وفي هذا يقول مؤلف كتاب حرب الظلال الذي أشرنا إليه في الحلقة السابقة: أن خيبة أمل عرفات الكبرى كانت في حلفائه، فمنذ سنين والمنظمة تحاول الحرص على علاقات جيدة مع الدروز والشيعة لاعتقادهم أنهم سيكونون أكبر دعم لها إذا اندلعت حرب مع إسرائيل، لقد منع عرفات قواته من دخول القرى الشيعية حتى لا يثير الحساسية بين الطرفين، وفي اليوم الأول للغزو وعد قائد حركة أمل في الجنوب محمد عداد بعدم التعرض للغزو الإسرائيلي و أمَر رجاله بتسليم أسلحتهم إذا رغب الإسرائيليون في ذلك، وبالنسبة للدروز فقد أمر وليد جنبلاط رجاله من مقره في المختارة بعدم إطلاق النار على القوات الإسرائيلية.

ويقول الكتاب أيضًا لقد كانت وعود السوريين الكثيرة عبارة عن شعارات لا أكثر، واكتفت ليبيا بتقديم النصح الذي لا يفيد وقت الحرب والاتحاد السوفياتي صديق المنظمة لم يحرك ساكنًا واكتفى بإصدار بيانات التأييد لعرفات.

وهكذا فلم يتبق للفلسطينيين سوى أهل السنة سكان بيروت الغربية الحليف الحقيقي والوحيد؛ لذلك كانت جهود الغزو مُنصبة نحو تحطيم هذا التحالف لكونه يُعرقل تحقيق هدف التقسيم الذي تسعى إليه القيادة الصهيونية، وحين تم لها ذلك وخرجت المقاومة الفلسطينية باتجاه المجهول جرت مسرحية سحب السلاح من سكان بيروت الغربية تحت بصر وعلم كافة الأطراف اللبنانية، وبعدها أوقفت القيادة الصهيونية سحب الأسلحة من الميليشيات الأخرى لتنفيذ الجزء الثاني من خطتها وهو إثارة الصراع المسلح بين الأطراف تمهيدًا لانكفاء كل طرف إلى حدوده الجغرافية المرسومة، ومن هنا كان انسحاب جيش العدو من الجبل نحو الجنوب وإعطاء الضوء الأخضر للدروز لبدء الصراع مع النصارى للاستيلاء على جميع المناطق الدرزية ومن ثم تهجير السكان النصارى الذي أشرنا إليه في الحلقة الثانية حيث أعلن جنبلاط الإدارة المدنية للجبل و وصل ما يقرب من ٢٠ ألف مسيحي للاستقرار في الجنوب ونزوح الآلاف من الشيعة إلى بيروت مع ميليشيات أمل التي تقدر بـ ٦ آلاف مقاتل وبقيت بيروت الشرقية وصولًا إلى ميناء جونية تحت سيطرة النصارى، وهكذا تم للعدو الصهيوني تقسيم لبنان على أرض الواقع إلى كانتون نصراني وكانتون درزي وآخَر شيعي.. وكان الخاسر الوحيد الذي اتفق الجميع على خسارته هو المسلم السني الذي يُطلق عليه الآن الأعزل الوحيد في لبنان.

 وبعد أن استطاع العدو الصهيوني أن يحقق الجزء الأهم في خطته انكفأ إلى الجنوب ليستقر في منطقة الـ ٤٠ كم التي أعلن عنها في بداية الغزو، وهنا أمام قيادة العدو اتجاهان لها أن تختار أحدهما: الأول إقامة دولة نصرانية في الشريط الجنوبي يضمن لها الأمن واستغلال المياه اللبنانية، أو أن تستقر ولسنوات طويلة في الشريط الجنوبي بحيث يؤدي ذلك مستقبلًا إلى ضم الأراضي وتوطين مهاجرين يهود جدد، وإن كان الأرجح في الوقت الحالي أن تعمل على ضمان أمنها بإقامة الدولة النصرانية في الشريطالجنوبي.

وتبقى بعد ذلك كل المواقف المتواجدة على الساحة اللبنانية من عربية وأمريكية و.....تدور في فلك الاستراتيجية الصهيونية التي تهدف إلى بلقنة المنطقة بكاملها وإنشاء الدويلات الطائفية تمهيدًا لابتلاع المنطقة سياسيًا واقتصاديًا وثقافيًا إلخ. 

ومن هنا يتضح لنا أن القضية اللبنانية ما هي إلا حلقة من حلقات الصراع المستمر بين الحق والباطل بين الإسلام وبين ما عداه من الدعوات الباطلة يهودية كانت أو نصرانية أو درزية أو .......إلخ.

 فالكل في النهاية متفقون على نزع الإسلام من أرضه وصدق الله العظيم حين يقول: ﴿يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (التوبة: 32)

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1

1344

الثلاثاء 17-مارس-1970

كلمة حق