العنوان دراسات: حروب اليمن (1972-1979-1994م) (1-5)
الكاتب ناصر يحيي
تاريخ النشر الثلاثاء 25-يوليو-1995
مشاهدات 434
نشر في العدد 1159
نشر في الصفحة 46
الثلاثاء 25-يوليو-1995
حرب 1972م: رياح الوحدة تهب من الشمال
خلال الثلاثين عامًا الماضية ارتبطت فكرة الوحدة اليمنية ارتباطا قويا بالحرب، فالإصرار على توحيد اليمن من جانب طرف كان يؤدي إلى تسخين الحدود الشطرية وصولا إلى انفجار اشتباكات حدودية. تؤدي بدورها-إلى تنشيط الحوارات الوحدوية والاتفاقيات الثنائية على طريق توحيد شطري اليمن.
وعلى رغم أن «الوحدة اليمنية» كانت ركنا أساسيًا في برامج الأحزاب اليمنية التاريخية، إلا أن الواقع السياسي الذي كان يعيشه اليمن قبل عام ١٩٦٧م فرض استمرار التشطير بانتظار رحيل الاستعمار البريطاني عن «جنوب اليمن» بعد ۱۲۹ عامًا من الاستعمار والحماية.
كان الوطنيون اليمنيون لا يرون عقبة أمام توحيد بلادهم إلا الوجود الأجنبي، لكن تغيرات السياسة وتحالفاتها فرضت واقعا جديدًا أسهم في تأزيم العلاقات بين نظامي الحكم في الشطرين سنوات طويلة، قبل أن يوصلهما إلى وحدة اندماجية بعد حربين حدوديتين ومئات من عمليات التسلل والتخريب والعداء الإعلامي.
افتراق جديد:
سنوات الأربعينيات والخمسينيات والستينيات ظل شطرا اليمن مأوى متبادلا للمعارضين اليمنيين. فخصوم الإمامة الحاكمة في صنعاء كانوا يتخذون من «عدن» منطلقا ومركزًا لمعارضتهم، بينما تحول «الشمال» في الستينيات إلى بؤرة الثورة المسلحة ضد المستعمر البريطاني، وقاعدة للتدريب والإمداد والنشاط السياسي والإعلامي لقيادة الثوار.
كان هذا الارتباط الحقيقي بين الشطرين إحدى المقومات البديهية في مشروع الوحدة اليمنية. ولذلك كان توحيد اليمن في دولة واحدة أمرًا لا يناقش فيه إلا بعض الأحزاب ذات الروح المناطقية الضيقة. لكنها -كلها- كانت ذات نفوذ سياسي ضعيف جدًا في عصر كانت شعارات «الوحدة» تفرض نفسها في العالم العربي كله.
ومع ذلك، فما أن رحل آخر جندي بريطاني عن «عدن» في ليلة ٣٠ نوفمبر ١٩٦٧م حتى بدأ افتراق جديد بين الشطرين، كان سببه-هذه المرة-اليمينيين أنفسهم! فالخريطة السياسية للقوى الحاكمة والمعارضة شهدت تبدلا مفاجئا وخلطًا مأساويا لأولويات القضايا الاستراتيجية لكل نظام.
في 5 نوفمبر ١٩٦٧م، تمت الإطاحة بأول رئيس للجمهورية في صنعاء، وجاء نظام أكثر اعتدالا ورغبة في إنهاء الحرب الأهلية المستمرة منذ ١٩٦٣م رافعا شعار المصالحة الوطنية والسلام في إطار النظام الجمهوري.
وفى ٣٠ نوفمبر ١٩٦٧م تسلم القوميون العرب السلطة في عدن في الوقت الذي كان فرع حركة القوميين العرب في «الشمال» يدخل في بداية مواجهة مع النظام الجديد في صنعاء تطورت إلى صراع مسلح في أغسطس ١٩٦٨م نتج عنه هزيمتهم وانسحابهم إلى الأرياف وتأسيس حركة معارضة مسلحة باسم «الحزب الديمقراطي اليمني الثوري» بدأ يشن مقاومة الإسقاط نظام صنعاء، مدعومًا من النظام الجديد في عدن.
وعلى المنوال نفسه انسحبت مجاميع كبيرة من ثوار جبهة التحرير والتنظيم الشعبي من «عدن» إلى «الشمال» بعد هزيمتهم في الاقتتال الأهلي-قبيل الاستقلال-أمام ثوار الجبهة القومية المدعومين من جيش الاتحاد العربي.
وهكذا شكل تواجد المعارضة لكل من نظامي صنعاء وعدن في الجانب الآخر سببا رئيسا للتوتر الدائم بين النظامين الجديدين. بالإضافة إلى أن نظام «صنعاء» رفض الاعتراف بقيام دولة جديدة في «الجنوب» معتبرًا أن الوضع الطبيعي هو إعلان الوحدة. وفي المقابل كان «القوميون» في عدن يعدون أن مجيء المعتدلين-أو الرجعيين-سببًا كافيًا للتأني في مشروع الوحدة والنكوص عنه.
وعلى الرغم من أن أعداد النازحين من «الجنوب» إلى «الشمال» كان أكبر بكثير من المعارضين المحسوبين على النظام في «عدن»، إلا أن دعم القوميين لرفاقهم كان أقوى وأكثر التزاما من الدعم الذي لاقته المعارضة الجنوبية. فالنظام الجديد في صنعاء كانت له أولوية وحيدة في ذلك الوقت تتركز على تحقيق المصالحة الوطنية بين الجمهوريين والملكيين وبسط السلام وسيطرة الجمهوريين على كافة المناطق، وتطبيع العلاقات مع المملكة العربية السعودية باعتبارها أهم محاور السياسة الخارجية الجديدة.
كانت المعارضة الجنوبية-آنذاك-تضم مقاتلين أشداء تمرسوا على حرب العصابات ومواجهة جيش الاحتلال البريطاني وازدادت قوتهم مع انضمام العقيد حسين عثمان عشال مع قواته التي لجأت إلى الشمال بعدما نجح الشيوعيون داخل السلطة في «عدن» في حسم الصراع مع مجموعة قحطان الشعبي لصالحهم. لكن نقطة الضعف الخطيرة في هيكل المعارضة الجنوبية كان يكمن في اختلافها وتعدد أجنحتها وقيادتها غير القادرة على الارتفاع لمستوى المهمة التاريخية التي وجدت نفسها أمامها. بالإضافة إلى حقيقة ما يزال يرددها كثير من رموز تلك المعارضة. وهي أن القاضي «عبد الرحمن الإرياني» رئيس المجلس الجمهوري في صنعاء كان غير متحمس لدعم المعارضة وإطلاق يدها ضد النظام في «عدن». فيما كان القوميون في «عدن» قد جعلوا من «الجنوب» جبهة خلفية مساندة لعمليات التخريب والقتل التي كان ينفذها المعارضون الذين كانوا قد تبنوا الماركسية اللينينية كعقيدة لهم.
الشرارة الأولى:
مع تصاعد حركة المعارضة المسلحة ضد نظام «صنعاء» تعالت الأصوات المطالبة بالتصدي للنظام الشيوعي في «عدن»، لكن القاضي الإرياني عمل على كبح جماح المعارضين، وخاصة عندما رأى أن تيار القبائل والإسلاميين يتزعمون تلك المطالبات. إذ اعتبرها وسيلة لتقوية نفوذهم. وهو الأمر الذي أدى إلى زيادة حدة التوتر بين القاضي الإرياني والتيار الإسلامي الناشئ.
وفي الجهة الأخرى كان النظام في «عدن» يسير بقوة لتكوين دولة متميزة حتى في اسمها مكرسا وجود دولتين مختلفتين على أرض اليمن. وفي الوقت نفسه كان ما يزال مستمرا في دعمه للمعارضة المسلحة في الشمال التي وسعت من دائرة نشاطاتها في المناطق الحدودية والوسطي، وتكاثر عدد ضحاياها المتساقطين في ظل عجز نظام صنعاء عن صنع شيء ما.
وفي بداية ۱۹۷۲م، انفجرت الشرارة التي فجرت الحرب اليمنية الأولى إذ تم الإعلان عن مقتل الشيخ على ناجي الغادر مع حوالي (٨٥) من المشائخ اليمنيين في كمين أعده نظام «عدن». واختلفت الروايات حول طبيعة الحادث فالشيوعيون اتهموا «الغادر» بأنه حاول التسلل إلى أراضي اليمن الجنوبي للقيام بأعمال تخريبية ضد «النظام الوطني الديمقراطي».
أما رواية «صنعاء» فقد استندت إلى شهادة الرجل الوحيد الذي نجا من الحادث. وهو ابن الشيخ «الغادر» الشاب الذي صار الآن أحد مؤيدي الحزب الاشتراكي نكاية في الرئيس «علي عبد الله صالح».
وتتلخص الرواية في أن وفد المشائخ اليمنيين قد دعي من قبل نظام «عدن» إلى مأدبة غداء على مناطق الحدود من أجل التفاهم على بعض «القضايا المشتركة». وفي معسكر اللقاء والاستقبال تم تفجير المعسكر المزروع بالألغام بمن فيه.
وتختلف الروايات حول «القضايا المشتركة» فرواية تقول إن وفد «الغادر» كان يعرض على نظام «عدن» تزويده بالسلاح والمال للوقوف معه ضد «صنعاء».
ورواية تقول إن ممثلي «عدن»-بالمشاركة مع سياسي بعثي عراقي شهير-أوهموا المشائخ بأنهم سوف يساعدونهم على السفر إلى العتبات المقدسة في العراق قبور آل البيت هناك.
زادت الحادثة في مستوى التوتر الحاد بين شطري اليمن، وبدأ مشائخ القبائل اليمنية يلوحون بالثأر لضحايا الحادث فيما أبدى القاضي الإرياني حماسا قويا للثأر، رغم أن «الغادر» كان خصما للنظام الجمهوري، ولم يثق أحد بإعلانه الولاء للجمهورية أبدا.
وعلى مدى الشهور بدءا من فبراير. سبتمبر ۱۹۷۲م تصاعدت العمليات الفردية على الحدود بين الشطرين وبدأ نظام «صنعاء» يطرح فكرة «الوحدة الاندماجية الفورية» حسما للخلاف بين اليمنيين. بينما ظل نظام «عدن» لا يبدى حماسا للوحدة الفورية باعتبارها وسيلة للقضاء على التجربة التقدمية في «الجنوب». وخاصة أن سنة ۱۹۷۲م شهدت عودة العلاقات الأمريكية. اليمنية وزيارة وزير الخارجية الأمريكي السابق «وليم روجرز» لصنعاء. فيما اعتبر ثورة ثقافية متطرفة على النمط الصيني.
ومع اشتداد حدة التوتر الحدودي والإعلامي وتصاعد أصوات المطالبين بالحرب والثأر تداعت الوساطات العربية المحاولة تهدئة الأمور. لكن قطار الحرب الأولى كان يمضي بلا هوادة.
كانت القدرة العسكرية للنظامين ما تزال بعيدة عن حسم الموقف لصالح أي طرف. فالقوات التابعة لنظام «صنعاء» كانت منهكة بعد 8 سنوات من الحرب الأهلية وانقطاع التسليح الروسي منذ هزيمة اليساريين في ١٩٦٨م. وبجانب ذلك الجيش المهلهل كان هناك مجاميع القبائل المسلحة التي تدافعت للقتال وهي تظن أن الأمر مجرد نزهة يتم بعدها القضاء على النظام الشيوعي في عدن.
أما جيش نظام «عدن» فقد كانت سنة ۱۹۷۲م هي السنة الأولى لتنظيمه بطريقة حديثة بإشراف وزير الدفاع «علي ناصر محمد». بينما كان منذ الاستقلال ما يزال عبارة عن وحدات عسكرية متناثرة تفتقد إلى السلاح الحديث الذي لم يبدأ بالتدفق بعد سيطرة الشيوعيين على الحكم وتوثق العلاقات مع الاتحاد السوفيتي. وبالإضافة إلى ذلك كان هناك المليشيات المسلحة المدربة جيدا وفي نهاية سبتمبر ۱۹۷۲م تصاعدت الاحتكاكات الحدودية وتطورت إلى اشتباكات بين الجيشين في منطقتي «كرش» و«قعطبة» وفي هذه المنطقة الأخيرة اندفعت جموع القبائل والجيش نحو مدينة «الضالع» وتمكنت من دخولها. لكن الشيوعيين كانوا قد أعدوا أنفسهم جيدا وتحصنوا في الجبال المحيطة بالمنطقة ثم انقضوا على المجاميع المهاجمة وأنزلوا بها خسائر كبيرة دفعتهم للتقهقر إلى الخلف.
بعد أيام قليلة من الاشتباكات المسلمة التي شارك فيها الطيران. بدأت الوساطات العربية تفرض وقفا سريعا لإطلاق النار وانسحابا متبادلا من مواقع الصدام إلى ما وراء الأطراف، وإيقاف الحملات الإعلامية، ودعوة الطرفين للاجتماع في القاهرة لتسوية المسائل المعلقة والاتفاق على توحيد شطري البلاد.
وفي 21/10/1972م التقي رئيسا وزراء الشطرين في القاهرة. حيث وقع الطرفان في ۲۸ أكتوبر على «اتفاق القاهرة» الذي نص على توحيد شطري اليمن في دولة ديمقراطية واحدة وتشكيل لجان تخصصية لوضع الأسس التي سيتم على أساسها توحيد قطاعات الدولتين. إضافة إلى وضع دستور يطرح على المسلمين النيابيين في الشطرين ثم الاستفتاء عليه ثم انتخابات سلطة موحدة للدولة الجديدة.
في ٢٦ نوفمبر ١٩٧٢م انعقدت أول قمة يمنية بين القاضي الإرياني والرئيس السابق سالم ربيع على في طرابلس برعاية العقيد معمر القذافي للمصادقة على اتفاق القاهرة ووضع الأسس العامة لدستور دولة الوحدة.
وهكذا انتهت أول حرب حدودية بين شطري اليمن باتفاق على توحيدهما في دولة واحدة تذوب فيها الشخصية الدولية لكل دولة، بل إن هذا الاتفاق هو الأساس الذي قامت عليه-فيما بعد-دولة اليمن الموحدة في مايو ١٩٩٠م.
وانكفأ كل شطر نحو الداخل «الجنوب» نحو تعزيز قبضة النظام والاستمرار في التجربة الماركسية و«الشمال» الذي كشفت الحرب من تداعي نظامه واهتراء أركانه بدأ يدخل في مرحلة تفسخ وانهيار أدى في عام ١٩٧٤م إلى قيام انقلاب أبيض أنهى الجمهورية الثانية بزعامة القاضي الإرياني، وجاء بقيادة عسكرية شابة كان هدفها الأساسي إنقاذ البلاد من السقوط في هاوية التنين الشيوعي الذي انتقل إلى مرحلة هجومية في الضغط لتوسيع نفوذه.