العنوان حروب اليمن (٢من ٥).. حرب ۱۹۷۹م.. عاصفة الوحدة قادمة من عدن
الكاتب ناصر يحيي
تاريخ النشر الثلاثاء 01-أغسطس-1995
مشاهدات 84
نشر في العدد 1160
نشر في الصفحة 44
الثلاثاء 01-أغسطس-1995
- كادت حرب ۱۹۷۹ تقضي على النظام في صنعاء لولا تدخل الجامعة العربية
- بعد كارثة عام ١٩٨٦ دخل النظام الشيوعي في الجنوب في أحلك أيامه، ولم يعد مستعدًا للمواجهة مع نظام صنعاء
كانت لقاءات زعماء شطري اليمن في القاهرة وطرابلس في أعقاب حرب ۱۹۷۲م، بداية نشاط وحدوي على مستوى اللجان المشتركة والمبعوثين الشخصيين اللذين تبادلا زيارة «عدن» و«صنعاء».
ومع مرور الأيام، بدأت قوة الدفع التي أحدثتها الحرب تفقد وتيرتها الحماسية؛ حتى توقفت بعد اغتيال الشيخ محمد على عثمان - أحد زعماء الشمال, ودخلت في طور جمود منذ عام ١٩٧٤م.
كان «الشمال» قد خرج من حرب ۱۹۷۲م وهو خائر القوى؛ الأمر الذي هيأ لحدوث تطورات سياسية حتمت تغيير رموز النظام الذي فشل في التصدي للنظام الشيوعي في «عدن»، بل صار هو الضحيّة القادمة المنتظرة مع اشتداد حركة المعارضة اليسارية المسلحة في الأرياف.
ومع اشتداد الأزمة السياسية داخل نظام صنعاء تقدمت القوات المسلحة في من ١٣ يونيو من ١٩٧٤م لاستلام زمام السلطة بعدما قدم القاضي عبد الرحمن الإرياني - رئيس المجلس الجمهوري - والشيخ عبد الله بن حسين الأحمر - رئيس مجلس الشورى - استقالتهما إلى القيادة العامة للقوات المسلحة، وبالتحديد إلى العقيد إبراهيم الحمدي - نائب القائد العام - بسبب تغيب القائد العام ورئيس الأركان خارج البلاد، وتم الإعلان عن قيام حركة تصحيحية لانتشال البلاد من الفساد المالي والإداري الذي تعيش فيه.
بعث النظام الجديد الحياة في شرايين المجتمع، وبدأت المساعدات العربية تنهال بمئات الملايين من الدولارات؛ لتعيد تجديد الدولة التي كاد الشيوعيون يبتلعونها.
أما على صعيد العلاقات بين «صنعاء» و«عدن» فقد نجح النظام الجديد في صنعاء في تقزيم الخطر القادم من الجنوب، بينما بدأ الانتعاش الاقتصادي يعطيه قوة في المواجهة مع النظام الشيوعي الذي صار ذا سمعةٍ سيئةٍ بسبب الإجراءات القاسية التي اتخذها بحق المواطنين سياسيًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا.
وفي الفترة الأخيرة من عهد «الحمدي» تقوت أواصر العلاقة بينه وبين رئيس مجلس الرئاسة في «عدن» سالم ربيع علي، وخاصة بعد لقائهما في ١٤ من فبراير ۱۹۷۷م، حيث شكلا مجلسًا مشتركًا برئاستهما للسعي لتنشيط العمل الوحدوي المشترك، لكن هذا التقارب بين الرئيسين آثار شكوك خصوم كل رئيس داخل نظام حكمه، إذ شعر أولئك أن الرجلين يعملان لحسابهما الخاص.
أدت تطورات الوضع السياسي في صنعاء إلى اغتيال الرئيس «الحمدي» ومجيء المقدم «أحمد حسين الغشمي» وسط معارضة قوية أعلنت بدء نهاية مرحلة الهدوء التي مر بها نظام صنعاء ودخوله في نفق طويل من الأزمات الصعبة.
بدأت أولى حركات المعارضة في أبريل ۱۹۷۸م عندما أعلن مجلس الشعب التأسيسي «معين» عن انتخاب الغشمي رئيسا للجمهورية، وإلغاء مجلس القيادة الحاكم الذي كان أحد أعضائه الثلاثة هو المقدم «عبد الله عبد العالم» أحد القادة الناصريين البارزين، الذي أحسُّ أن تغيير شكل نظام الحكم استهدف إزاحته وتقليص نفوذه.
كان «عبد الله عبد العالم» قائدًا لقوات المظلات، وأحد الناصريين الذين دخلوا في حوار مع الرئيس السابق «الحمدي»؛ لإقناعه بالانخراط ضمن صفوف الحزب الناصري، وهو يعيش الآن في المنفى الاختياري في سوريا.
أدى توتر العلاقة بين الرئيس «الغشمي» وقائد قوات المظلات إلى تمرد هذا الأخير وانسحابه بقواته إلى إحدى المناطق الريفية في محافظة «تعز»، وفشلت كل محاولات الصلح؛ الأمر الذي دفع السلطة إلى تجريد حملة عسكرية ضد التمرد الناصري أدت إلى القضاء عليه، وهروب قائده وأنصاره إلى الجنوب، حيث أعلنوا انضمامهم إلى الجهة الشيوعية المعارضة للنظام في صنعاء. وفي ٢٤ من يونيو ١٩٧٨م أعلن عن اغتيال «الغشمي» في مكتبه: واتهم «سالم ربيع علي» بأنه وراء الحادث.. كذلك تم بعد ذلك بيومين الإطاحة بـ «سالم ربيع» في انقلاب قصير في عدن.
كانت تلك الأحداث المتسارعة إيذانًا بحرب جديدة بين شطري اليمن بعد سيطرة المتطرفين على السلطة في «عدن»، ودخول الشمال في سلسلةٍ من المشاكل السياسية أوصلت النظام إلى المستوى الذي سبق أن عاناه في بداية السبعينيات.
وفي تصعيد جديد للأزمة قاد الناصريون انقلابًا في أكتوبر ۱۹۷۸م ضد الرئيس الجديد علي عبد الله صالح كانت نهايته فشلاً قاتلاً للتيار الناصري، وفي الوقت نفسه أضعف السلطة في صنعاء إلى حد كبير.
كل تلك الترديات والأحداث كانت تؤدي إلى نزوح مئات من المعارضين إلى «عدن»، حيث يتم إعادة تدريبهم في معسكرات السلطة مثل «الهند» و«صلاح الدين» تمهيدًا لإعادة إرسالهم إلى مناطق الحدود، أو إلى داخل الشمال نفسه.
كانت موازين القوى في تلك الأيام تميل بقوة لصالح النظام الشيوعي في عدن، وكانت دعوته إلى الوحدة أشبه بعاصفة واثقة من قوتها ومن عدم قدرة أحد على التصدي لها! بينما بدأ النظام في ذروة قوته وثقته من مساندة الكتلة الشيوعية له! إضافة إلى وجود قوات معارضة كبيرة تسانده ضد نظام صنعاء.
أما نظام صنعاء فكان يعيش أسوأ مراحله، ولاسيما بعد فشل الانقلاب الناصري الدموي وتكرار الانشقاقات في الوحدات العسكرية، ناهيكم عن أن الجيش نفسه كان يعاني من وجود عناصر كثيرة معادية في كثير من وحداته، إلا أن أخطر شيء كان يعاني منه هو سوء تسليحه وانهيار مستوى الانضباط والالتزام بين أفراده.
عاصفة من الجنوب.
تواصلت الحرب الإعلامية بين الشطرين حتى وصلت إلى الذروة، بينما كانت مناطق الحدود تشهد تحشدات من الجانبين بانتظار إشعال فتيل حرب، وبدا الجنوب واثقًا من قدرته على حسم المعركة تحت شعار تحقيق الوحدة اليمنية، بينما ظهر الشمال ضعيفًا يتقي العاصفة القادمة بأوهى السبل، لقد انقلبت موازين القوى، واتخذ كل طرف مكان الطرف الآخر في حرب ۱۹۷۲م.
وفي ٢٤ من فبراير ۱۹۷۹م أخلى جيش صنعاء مواقعه في «جبل مريس» الحصين بعد أن تم تلغيمه، وتقدمت قوات المعارضة لاحتلاله بعد أن نزلت بها أفدح الخسائر.. وعندها بدأت الحرب رسميًّا، واصطدم الجيشان في عدة مناطق كان أهمها «قعطبة» و«البيضاء»، وبدأت الحرب اليمنية الثانية.
وفي خلال أيام سريعة اكتسح جيش «عدن» مناطق القتال، ودخلت القوات المسلحة والمعارضة مدينتي «البيضاء» و«قعطبة»، واهتزت الأرض من تحت أقدام نظام صنعاء، وبدا أن سقوطه صار مسألة أيام فقط.
وكالعادة سارعت الجامعة العربية لإيقاف القتال، لكن سير المعارك كاد يسقط نظام «صنعاء»، الأمر الذي كان لا ينسجم مع حقائق الصراع الدولي والإقليمي المعروف آنذاك، ولعب وفد عراقي - سوري مشترك دورًا في إيقاف القتال بعد التلويح بإمكانية حدوث تدخل عراقي سوري لإيقاف زحف الشيوعيين.
وفي نهاية مارس ۱۹۷۹م التقى وفدان يمثلان شطري اليمن في الكويت لبحث مسألة إزالة أسباب التوتر وتحقيق الوحدة اليمنية.
وكما حدث في القاهرة وطرابلس عام ۱۹۷۲م، فقد تم الإعلان في الكويت عن تشكيل لجنة لكتابة دستور دولة الوحدة خلال 4 شهور على أن يتم إقرار الصيغة النهائية للدستور- والاستفتاء عليه وانتخاب قيادة الدولة الموحدة خلال سنة شهور من الاستفتاء.
على صعيد آخر تم الاتفاق على بدء حوار بين النظام في صنعاء والجبهة الوطنية ـ المدعومة من عدن ـ وإغلاق إذاعتها، واستيعابها ضمن جهاز السلطة.
كان الرئيس الجديد في صنعاء قد قرر الانحناء للعاصفة حتى تفقد قوتها؛ وحتى يستجمع شتات نظامه الذي انهزم بقسوة في المعارك الحدودية.
وفي المقابل بدأ النظام الشيوعي في عدن يدخل في مرحلة أزمة جديدة في أغسطس ۱۹۷۹ م أطاحت بعدد من القيادات المتنافسة في قمة الحزب الاشتراكي الحاكم، ثم مهدت تلك الأزمة للإطاحة برجل الحزب القوي عبد الفتاح إسماعيل؛ لتتجمع السلطات كلها في يد النجم الجديد - القديم علي ناصر محمد.
وبمجيء «علي ناصر محمد» بدأ عهد جديد من العلاقات الوحدوية الدافئة بين عدن وصنعاء استمر حتى كارثة ١٣ من يناير ١٩٨٦م. إذ انهزم الرئيس السابق علي ناصر وغادر هو الآلاف من أنصاره؛ ليستقروا في الشمال الذي - كالعادة - لم يسمح لهم بالعمل العسكري ضد عدن رغم إمكانياتهم المادية الكبيرة، حيث تم الاقتصار على العمل السياسي والإعلامي.
ودخلت العلاقات الثنائية بين صنعاء وعدن في طور حمود بعد إقصاء «علي ناصر» ومجيء علي سالم البيض وتياره المنتصر في أحداث يناير ١٩٨٦م، والذي كان يعد «صنعاء» مسؤولة عن تشجيع علي ناصر على تصفية جناح عبد الفتاح إسماعيل وعلي عنتر.
وبعد عامين من كارثة ١٩٨٦م، خضعت القيادتان اليمنيتان لمنطق الواقع، وبدأ نوعٌ من التواصل الحذر في أبريل ۱۹۸۸م، والذي سرعان ما اكتسب فعالية غربية، حيث توالت اللقاءات والاجتماعات على مستوى القمة واللجان الوزارية المشتركة، وتم تنفيذ بعض الاتفاقات حول تسهيل تنقل المواطنين بين الشطرين بالبطاقة الشخصية.
وعندما اكتشف النفط في مناطق حدودية مشتركة ارتفعت وتيرة التوتر بين الشطرين، وكادت تحدث مصادمات دامية بين القوات المسلحة بسبب النفط لا الوحدة اليمنية.
في تلك الفترة كان النظام الشيوعي في «عدن» يعيش أحلك أيامه، ورياح البيروسترويكا بدأت تهزُّ قواعد الدولة الشيوعية الأولى في العالم العربي، ولذلك لم يكن النظام مستعدًا للدخول في مواجهة حقيقية مع نظام صنعاء صاحب العلاقات الممتازة مع جميع دول العالم، والذي وفرت له ســـنوات الهــدوء «1980 ـ ۱۹۸۹م» فرصة لبناء جيش قوي مسلح بأحدث الأسلحة، فيما تتمتع جبهته الداخلية بتماسك وهدوء بعد القضاء على المعارضة المسلحة.
أدت التطورات على الحدود المشتركة إلى طرح جديد وقوي لفكرة الوحدة اليمنية، وبينما بدا الشمال متحمسًا لها كان الشيوعيون في عدن ما يزالون يوازنون بين خيارات عديدة بعد أن فقدوا مساندة المنظومة الاشتراكية المنهارة وبدأت نواقيس الخطر تقرع من داخل النظام نفسه.
ومع نهاية ۱۹۸۹م.. صار واضحًا أن لا خيار أمام الجميع إلا السير في طريق قيام وحدة فورية اندماجية تم الإعلان عنها في ٢٢من مايو ۱۹۹۰م؛ لتبدأ صفحة جديدة من صفحات الوحدة اليمنية أكثر إثارة وعنفًا.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل