العنوان دراسات: الإسلام وكفاح الشعوب الإسلامية «2من2» : رغبات الشعوب ومساعـي الزعماء
الكاتب علي عزت بيجوفيتش
تاريخ النشر الثلاثاء 02-مايو-1995
مشاهدات 116
نشر في العدد 1148
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 02-مايو-1995
·
الأنظمة
التعليمية الموروثة عن المستعمر عملت على محو هوية الأمة.. والنخب المتخرجة منها
قادت شعوبها إلى الفقر المدقع.
·
الحركة
الإسلامية مطالبة بأن تضع ضرورة التغيير الجذري للنظم التعليمية على رأس برامجها
لإصلاح الدمار الذي صنعته النظم الاستعمارية.
«إذا كان لا بد من أن نتحول إلى
فرنسيين، كان يمكننا ذلك دون تقديم مليوني شهيد».
كانت هذه العبارة مكتوبة على
اللافتات التي حملها الطلبة الإسلاميون المتظاهرون في الجزائر مؤخرًا، إن رسالة
هذه اللافتة واضحة إلى درجة أنها ليست بحاجة إلى أي تعليق.
وكلما عجز شعب عن التعبير عما
يشعر به في دواخل قلبه، وجد الشباب كلمة صادقة للتعبير عن ذلك الشعور، لأن الشباب
لم يكن أمامه وقت كاف للابتعاد عن أحاسيس الشعب، بل بقي في أحضانه، قريبًا من
قلبه.
لقد انتشرت عبارات ملئت بالسخرية
عن شرائح واسعة من الشعوب الإسلامية، مثل تلك التي تصفها بأنها «أرضعت الإسلام»،
ومهما يكن الأمر، فهذه هي الحقيقة، لأن الإسلام -بمنتهى البساطة- طريقة تفكير
وحياة وشعور تلك الشعوب، إن الإسلام أكثر من كونه دينًا، إنه اعتقاد وفكر وطريقة
شاملة للحياة، إنه جزء من الطبيعة، هذه هي الحقيقة التي لا يمكن تجاوزها، الحقيقة
التي سوف تحدد دائمًا من جديد نظام وسير الأمور في العالم الإسلامي، بغض النظر عن
الانحرافات المؤقتة عن الجادة.
كما أن الحقيقة المذكورة تعرفنا
قبل كل شيء، بوضع حقيقي لما يسمى بـ«النخبة» في هذا العالم ويخضعها لما يمكننا
تسميته بـ«قانون المسافة المتساوية»، لأن تلك النخبة سوف تكون وطنية بقدر ما تكون
إسلامية.
إن الحركات العلمانية التي
بطبيعتها تستند إلى الامتيازات والأفضليات المعطاة لها قد نشأت -باستثناء نادر-
بالانشقاق عن حركات كانت مؤسسة في أصلها على القيم الإسلامية، ومن لحظة تحقيق
الاستقلال الشكلي أصبح هذان الاتجاهان المتناقضان عاملين أساسيين مكونين لحركات
التحرير، ومن ثم نشأ بينهما الصراع الذي يعطينا صورة معهودة عن المجتمع الممزق
المنقسم، ولعل النموذج الأمثل لذلك ما يحدث في تركيا الكمالية، وقفت النخبة
المثقفة في جهة، مقابل الشعب، دونما أي روابط اتصال صادق بينهما، إذ قسمتها هوة
عميقة لا سبيل إلى اجتيازها، ومعلوم أن مصطفى كمال قد لجأ إلى تجربة انفرد بها في
تاريخ البشرية بمحاولة تغيير المخ في الجسد القومي، فقد أمر بتغيير حروف الكتابة
بإصدار قرار واحد -وهي سابقة أولى من نوعها في العالم المتحضر- كما أجرى عدة
إصلاحات موازية، وبذلك قد أحرق مصطفى كمال جميع كتب ومكتبات تركيا، وكل كلمة
مكتوبة حتى تاريخ قرار الإصلاح، ودفن تاريخ تركيا برمته، وتردت الدولة في نوع من
محو الذاكرة القومية، ومع إشراقة فجر ليوم صدور «قرار الإصلاح» كان الشعب التركي
أكثر شعوب العالم أمية!
أما النتيجة، فهي أن دولة تركيا -
على الرغم من مرور خمسين سنة على الإصلاحات الموجهة ضد الإسلام - مضطرة إلى البحث
عن الحل في الخيار بين فوضى الحرب الأهلية وبين الديكتاتورية العسكرية، لم يعد
يسمع لها صوت كقوة عالمية سابقة في رسم السياسة الدولية، لأن تركيا تهتم بأمور
العالم بدلًا من اهتمامها بشؤونها الداخلية، ولا شك أن وضعها الحالي يناسب سياسة أوروبا
وأمريكا، ولكنه لا يناسب شعب تركيا والعالم الإسلامي قطعًا(1).
بطبيعة الحال ليست جميع الأمثلة
مأساوية بدرجة المثال التركي، ولكن مصطفى كمال وحده كان يظهر عداوة صريحة ومكشوفة
للإسلام من بين الزعماء العلمانيين الذين داسوا بأقدامهم على التوجه الإسلامي
لشعوبهم، لذلك كانت النتائج متطابقة مع قدر من معاداتهم للإسلام.
إن النزاع بين الشعوب و«نخبتها»،
الحاكمة قائم في مجتمعات أخرى أيضًا، ولكن الذي حدث في هذا الجانب في مجتمعات
المسلمين سابقة هي الأولى من نوعها في تاريخ البشرية، وعلى الرغم من بروز هذه
الظاهرة في أشكال مختلفة وبدرجات متفاوتة، فإن ظهورها قد اكتسب أهمية عامة(2).
«إن تناقضات كثيرة كانت وراء
تمزيق مجتمعنا، ولكن الدور الرئيسي - في ذلك كان عائدًا إلى فصل طبقته المثقفة عن
طبقاته التقليدية» ( أيوب خان - رئيس دولة باكستان السابق)(3).
ويقرر أحد الأوربيين هذا الشيء
نفسه بقوله: «إن التناقض الكبير بين ما سعى إليه زعماء باكستان وما تطلعت إليه
جماهير المسلمين في باكستان كان سببًا رئيسيًّا لجميع القلاقل والأزمات التي مرت
بها باكستان، وما زالت تعيشها للآن»(4).
وأثناء حديثه عن النخبة المتغربة،
يقول أ. قريشي - وزير التعليم السابق في باكستان: «لقد كانت النخبة تفرض أنظمة
التعليم والاقتصاد والمؤسسات الاجتماعية والأخلاق التي تخنق كل مقومات حياة الشعب،
وقد فرض ذلك كله باسم التطور الذي جرى وفق تقليد أعمى لنمط الحياة الغربية، إن
الشعوب الإسلامية لن تشق طريقها إلى هويتها الأصيلة حتى تطيح بحكم تلك النخبة التي
لم تصنع غير الفقر المدقع لشعوبها، وغير سوق دولها إلى حالة عقدة النقص النفسية،
وبالقدر نفسه كانت تشل قدرات شعوبها على التفكير والحركة»(5).
تجذير الغزو الفكري عن طريق
التعليم
ولكن لماذا أضحى ذلك واقعًا؟ وكيف
نشأت تلك الظاهرة؟ ولماذا لا تتغلب الشعوب الإسلامية على حالة الخلافات المزمنة
هذه؟
هناك سببان رئيسيان: أولهما أن
سلطات الاستعمار -بعدما أُجبرت على تسليم السلطة السياسية- سلمتها إلى تلامذتها
الروحيين الغرباء عن شعوبهم وأتباع المثقفين الغربيين، وثانيهما: وهو أهم وأخطر،
لأنه يكمن في الأنظمة التعليمية الموروثة عن الأسياد المستعمرين، وهو أكبر وأخبث
عملية تخريب ثقافي في التاريخ مورست على شعوب نالت حريتها، لقد تبين جليًّا أن الجامعات
والمعاهد الأمريكية والفرنسية والإنجليزية المنتشرة في عواصم العالم الإسلامي
«هدايا الفشل» العملاق.
ويتحرك العاملان المذكوران بتفاعل
كبير، فالنخبة المتغربة الحاكمة تتكرر وتتكاثر من خلال الأنظمة التعليمية القائمة،
وتتصرف وفق ضرورة استمرار «مختبر التجارب لبقاء النوع»، إضافة إلى ذلك يتم تكوين
حلقة مفرغة: إذا أراد الشعب رؤية وتصور المشكلة فعليه بالتعلم، وإذا تعلم لم يعد
يرى المشكلة، أو يراها في صورة منافية لحقيقتها، وكأن الأمور سوف تستمر هكذا إلى
ما لا نهاية.
ولعل هذا الوضع دافع رئيسي إلى
جعل الحركات الإسلامية تضع ضرورة تغيير جذري للنظم القائمة على قائمة جدول أهدافها
الإصلاحية، باعتبارها شرطًا أساسيًّا لنجاح استعادة هوية الشعوب الإسلامية
المهددة.
قد تكون أحكامنا التي ذهبنا إليها
مبالغًا فيها، لذلك نذكر هنا رأي كاتبين غربيين معتمدين، يقول جيب: «إن ردود الفعل
الداخلية تجاه قيم الثقافة الغربية تمثل أهمية حقيقية بالنسبة للإسلام، القيم التي
تسعى لإيجاد مستقر لها تحت كنف العبارات المستعارة المختلفة، وكل هذا يتوقف على
احتمال استعداد المجتمع الإسلامي للدفاع عن قيمه وتراثه الثقافي في وجه الغزو
الغربي، وإذا فشل في ذلك فإنه قد ضاع باعتباره مجتمعًا إسلاميًّا، وفي حالته تلك
سيصبح -أقل أو أكثر- صورة طبق الأصل للمجتمع الغربي مع اختلافات ثانوية لمجتمع ما
خاصة بدول ولغات مختلفة»(6).
ويقول يانسن: «إن إستراتيجية
الغزو الغربي تكمن في هدم النظام التعليمي القائم، سواء بمسخه نهائيًّا أو
باستبداله كليًّا، وإحلال النظام التعليمي الغربي محله، وحتى ببنائه على اللغات
المتخرجة منها قادت شعوبها الأوروبية، وذلك بهدف زرع التفرقة في روح المجتمع
بتنشئة نخبة موغلة في أقصى درجات الابتعاد عن تراثها الثقافي»(7).
وقد سبق أن أوضحنا الأسباب
المؤدية إلى استمرار هذه الحالة بعد خروج المستعمر الأجنبي، لم تستعجل النظم
الحاكمة بتغيير الأوضاع القائمة، وإن عمدت إلى شيء من هذا القبيل فعلت ذلك بسبب
الضغوط الشعبية المستمرة، وبقدر قوة تلك الضغوط.
وعلى سبيل المثال، هناك نظامان
متوازيان للتعليم في إندونيسيا منذ بداية هذا القرن، أحدهما إسلامي شعبي أصيل
تدعمه الحركتان الجماهيريتان الإسلاميتان وهما: «شركة إسلام، وحزب محمدية»، ونظام
غربي موروث عن المستعمر الهولندي، وتدعمه الحكومة، وفي سوريا كانت أغلب المدارس
الأهلية -وأكثرها في أيدي المنصرين- أدمجت مع النظام التعليمي الرسمي، ولكن
المدارس الإسلامية ظلت خارج النظام، لأن المدارس من النوع الأول كانت أقرب إلى روح
العلماني الحاكم، وعلى الرغم من مرور خمس عشرة سنة على الاستقلال في الجزائر، ظلت
فيها ثلاثة أنظمة تعليمية منفصلة، أولها أجنبي تحت إشراف الكنيسة الكاثوليكية،
والثاني حكومي على النمط الغربي، والثالث إسلامي تحت إشراف وزارة الشؤون الدينية،
ولم يحصل دمج الأنظمة الثلاثة القائمة إلا سنة 1976م، وهذا جانب ظاهري فقط لتوحيد
الأنظمة التعليمية، ولكن المسألة الجوهرية لتوحيد الأنظمة -وهي تعريب التعليم-
كانت تسيطر ببطء شديد، الأمر الذي دفع بالطلبة إلى القيام بالمظاهرات والقلاقل
«ووصفت هذه المظاهرات رسميًّا بأنها مظاهرات أصولية».
إن المسلمين وحدهم يؤيدون بإخلاص
وقناعة حركة التعريب في المدارس الرسمية والدوائر الحكومية في دول شمال إفريقيا
«وهي المغرب والجزائر وتونس»، بينما كانت هذه القضية مجرد شعار انتخابي لدى
العلمانيين - نظرًا إلى شعبيتها الكبيرة - يرفع أثناء الحملة الانتخابية، ثم
تطويها صفحة النسيان بعد ذلك، ومن هنا تنشأ تلك التناقضات التي ليس لبقية العالم
سبيل إلى فهمها، حيث تظل لغة الدوائر الحكومية أجنبية، ورئيس الدولة يخاطب شعبه
بلغة المستعمر السابق.
وليست الحركات اليسارية استثناء
في هذه النقطة، لقد كان الزعيم المغربي اليساري المعروف مهدي بن بركة (كان معاديًا
للنظام الملكي وقتل في فرنسا في ظروف غامضة)، يطالب ببقاء اللغة الفرنسية لغة
أساسية في نظام التعليم، بحجة «ضرورة إبقاء النوافذ مفتوحة نحو الحضارة الغربية»،
ولم يكن يرى - بطبيعة الحال - وجود الحضارة الإسلامية القائمة، وأن اللغة العربية
بالذات تمثل «نافذة مفتوحة» نحوها(8).
ولكن.. ما الفرص القائمة أمام هذه
النخبة المغتربة لاستمرارها في الإمساك بأزمة أمور الشعوب التي تتحكم في مصيرها؟
وما حجم قوتها الحقيقية؟
إن الحركات الإسلامية تعتمد على
الشعوب بينما تعتمد النخبة العلمانية (الحاكمة غالبًا) على الجيش، إذن.. فقوتها
تساوي قوة الجيش، صحيح أن قوة الجيش كبيرة، ولكنها مؤقتة كذلك.
وإذا سلمنا بصحة المقولة القائلة:
«إن الانتصار النهائي من نصيب الشعب»، يمكننا القول: «إن الإسلام سوف ينتصر في
العالم الإسلامي».
النظام الاجتماعي والاقتصادي
ليس هناك نظام خاص مسبق موضوع
للأبد للكسب وتوزيع الثروة، بحيث يمكن تسميته بالنظام الاقتصادي الإسلامي، وإن كثر
الحديث عن ذلك في الآونة الأخيرة وألفت فيه الكتب. نعم، هناك قواعد ذات صبغة
للنظام الاجتماعي والاقتصادي المستنبطة من القرآن الكريم، لذلك تكتسب بين المسلمين
والمجتمعات الإسلامية أهمية مطلقة. ولا شك أن المكانة الرئيسية بين تلك القواعد
مخصصة للواجب المقرر على طبقة المجتمع الغنية بالاهتمام وتقديم المساعدة لطبقة
المجتمع الفقيرة، وقد نظمت هذه القاعدة بنظام الزكاة، العبادة المعروفة باسم
«الركن الثالث للإسلام». وأما بالنسبة للملكية، فهناك جانبان خارجان عن هذا
النظام، وهما: الملكية الفردية المطلقة بمفهومها المعروف في القانون الروماني،
والملكية المشتركة المطلقة. وقد خرجت الأولى بالنص القرآني الصريح، بينما خرجت
الثانية بإشارة ضمنية واضحة جدًّا. وإن أضفنا إلى ذلك التحريم القاطع للربا، سيتضح
أمامنا رسم من القواعد الثابتة المتباعدة في مساحة شاسعة، ليس من شأنها تجميد
تعامل الناس، لكونها تفتح - في إطار حدودها - مجالًا رحبًا لتشكيل ألوان كثيرة من
النظام الاقتصادي والاجتماعي، لتحتفظ كلها - على كثرتها وتنوعها - بكامل المعايير
الإسلامية.
ونرى من الضرورة بمكان أن نبرز -في
سياق هذه المقالة- أن الإسلام لم يكن أبدًا عامل تجميد وتحجير الوضع القائم، إن كل
من بحث عن طريق الإصلاح والتغيير كان يعتمد على الإسلام، لأنه كان كذلك منذ بدايته
الأولى.
لقد رأى الذين يروق لهم تبسيط
الأمور في ظهور الإسلام حركة طبقية قامت بها طبقة فقراء وعبيد ضد أغنياء ونبلاء
مكة، وهذا رأي خاطئ طبعًا، ولكنه مميز. إن المذهب الأول الذي نشأ في أحضان الإسلام
كان مذهب الخوارج (نشأ سنة 657م)، وقد استند إلى نص القرآن الكريم في مطالبته
بأمرين اثنين: إلغاء النظام الإقطاعي، وقيام النظام الجمهوري. وهذا هو ما نجده في
التاريخ المعاصر أيضًا، لقد تطرقنا إلى ذكر الدولة الإسلامية التي أقامها مهدي
السودان وقُضي عليها في أواخر القرن المنصرم الذي وضع في برنامج حكومته «تحقيق
المساواة بين الأغنياء والفقراء»(9)، ومن هناك كان البرنامج الاجتماعي الاقتصادي
الذي وضعته «حركة الإخوان المسلمين» برنامجًا ثوريًّا بتمام معنى الكلمة، لقد
فصلوا نظام الإصلاح الزراعي، وتنظيم النقابات، وتأميم المصادر الطبيعية «لذلك تسمى
النخبة الحاكمة التي تعيش حياة ترف ورفاهية هذه الجماعة بـ«الحركة الرجعية».
ولا يمكننا في هذا المقام - ونحن
بصدد التعرض لهذه القضية المهمة - أن ننسى ذكر دولة إيران، لكونها أحدث وأبرز مثال
فيما نتحدث عنه، لقد تم في هذه الدولة عرض كافة أحكامها وقوانينها على مجلس
الفقهاء المتشدد: تأميم البنوك، وتأميم المناجم، ومصانع الصلب، والسيارات،
والأغذية، والأدوية، والمجلس منهمك في مداولة قوانين الإصلاح الزراعي. هذه
التغيرات الكبيرة كما نسميها نحن في أوروبا بـ«تغييرات أساسية»، لم تجر باسم «ماركس»،
بل طبقت باسم القرآن الكريم، ويمكن القول بأنها نفذت دون أي معارضة (لا يمكن ربط
النزاع مع مجاهدي خلق بهذه الإصلاحات لأنه لا يبعد كثيرًا عن الطبيعة الطبقية)،
وكانت عامة الشعب ركيزة ضامنة لنجاح الثورة، من غير أن يتعلق الأمر بـ«أسباب
طبقية»، لأن جوهر المسألة يتعلق بدرجة الانتماء إلى الإسلام، وهذه هي حقيقة عامة
الشعب إلى حد كبير، بينما ظلت «الطبقات العليا» بعيدة عن الإسلام، حتى بعد قيام
الثورة.
إن عرضنا هذا يستدعي طرح ما يعرف
بـ«الاشتراكية الإسلامية»، هل الظواهر التي سقناها في هذا المقال تبرر مجرد إطلاق
مصطلح «الاشتراكية الإسلامية»، باعتبارها ممكنة، فضلًا عن كونها واقعًا معيشًا؟
نرى أن ما وصل إليه علمنا في هذا الجانب يلزمنا بالإجابة بالنفي.
إن الإسلام والاشتراكية نظامان
شاملان مختلفان إلى درجة لا تسمح بأي نوع من المعادلة بينهما استنادًا إلى بعض
الجوانب الظاهرية، مهما كانت مهمة، ولابد لنا أن نضع نصب أعيننا كون هذين النظامين
مبنيين على أسس فلسفتين متناقضتين.
إن الإسلام دين، ومن شأنه أن
يتحرك في كل شيء بناء على الاعتراف بوجود الله، أي بناء على الضمير الحي.. إن كل
لون من الاشتراكية قد انطلق -ولابد له أن يكون كذلك- من مبدأ مناقض للأول، ولا
يمكن لأي دين أن يقبل بسيطرة المجتمع على الفرد، وهذا هو مبدأ الاشتراكية عينه. إن
لكل دين نوعًا من الارتباط بالسماء، أي تفسيرًا لخلق الإنسان، بينما لا تقبل
الاشتراكية بغير «داروين»، ونظرية التطور والارتقاء. ويرى الدين فلسفة الحياة في
صراع بين الخير والشر، بينما تراها الاشتراكية ميدانًا لإشباع الحاجات. ويضع الدين
معايير أخلاقية للأمور، وتضع الاشتراكية معايير طبقية. يسعى الدين لضمان الحرية
وروح الإنسانية وحقوق الإنسان، بينما تتطلع الاشتراكية إلى العمل والازدهار
والحقوق الاجتماعية.
إن القيمة المثلى في مفهوم الدين
هي كرامة الإنسان، وهي في مفهوم الاشتراكية تحقيق الأمن الاجتماعي، ويقف الدين إلى
جانب الأم والأسرة، وتقف الاشتراكية إلى جانب رياض الأطفال والتربية الاجتماعية،
ولا شك أن بناء الإنسان السوي غير تنظيم المجتمع، وهلم جرا، إذن.. فالفروق أساسية
إلى درجة لا يبقى معها مجال للمقارنة بين النظامين.
وهذه هي النظرة إلى الجوانب
النظرية فقط، ولكن الحياة تتميز بتلك القدرة الخارقة على الجمع بين المتناقضات،
أليس إيجاد الإنسان نفسه أمرًا ممكنًا نظريًّا؟ لا ندري هل ستقدر الأيام المقبلة
على إيجاد ملتقى بين الدين والاشتراكية، لقيام نوع من اشتراكية متدينة، أو اشتراكية
إسلامية. ويصبح التاريخ علمًا منطقيًّا وتصح توقعاتنا فقط إذا ما التفتنا إلى
الوراء لأن التاريخ -في الحقيقة- حديث عن تحقيق متواصل لما يبدو مستحيلًا.
ليس لنا أن نتخيل لأن أمامنا
انتظار حدوث المستقبل لكي نفسره بعد ذلك، ولعل بعض مستحيلات اليوم تغدو في
المستقبل ممكنة جدًّا.
الهوامش:
1- وهناك أمر قام به مصطفى كمال،
ولكنه لا يعرف إلا في نطاق ضيق لكونه لم يدم طويلًا، لقد أصدر أمره بمنع إذاعة
الموسيقى التركية الشعبية في محطات الإذاعة الحكومية، وأمر بإذاعة أعمال باخ وموتزارت
بدلها، وعلل ذلك بأن الأغاني التركية الشعبية تذكره بعواء الكلاب وتسبب له آلامًا
في البطن.
2- وقد لوحظت هذه الظاهرة عندنا،
وقال د. قاسم سوليفيتش سنة 1970م ليس هناك شعب أوروبي خانته نخبته المثقفة بهذه
السهولة، مثلما حدث عندنا نحن المسلمين.
3- أيوب خان، أصدقاء.. لا سادة.. نيويورك
1967م، ص 98.
«Ayub
Kan, Friends not Masters, New York 1967».
4- غودفري يانسن المرجع السابق، ص
135.
5- أ. قريشي، الإسلام والغرب لندن
1978، ص 213.
«I.A
Qureshi, Islam and the West, London 1978, p. 213».
6- هـ. أ. ر. جيب رد الفعل في
الشرق الأوسط ضد الثقافة الغربية، ص 324.
«H.A.R.
Gibb, the Reaction in the Middle East Against Western Culture, pp. 324-8».
7- غودفري يانسن المرجع السابق، ص
108.
8- من المعلوم أن الحزب الشيوعي
الجزائري «الفرنسي» كان يعارض حرب التحرير في الجزائر «1954-1962م».
9- وتريمينغام، نفوذ الإسلام في إفريقيا،
لندن 1973، ص 155.
«W.S.
Trimingham, The Influence of Islam upon Africa, London».